أنس جابر نجمة رياضية تصنع فرح التونسيين

الشباب والسياسيون بمختلف أيديولوجياتهم في تونس يجمعون على الإشادة بقدرات الرياضية الشابة. ولم يترددوا في التعبير عن إعجابهم وفخرهم بها عبر صفحاتهم على الفيسبوك أو تغريدات التويتر.
الثلاثاء 2020/10/20
غيرت الصورة النمطية للجسد الأنثوي العربي

وسط الأخبار المقلقة عن ارتفاع منسوب العنف والجريمة التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي بحزن، وفي مناخ الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها تونس، هناك في المقابل من يزف أخباراً رائعة للبلاد وأهلها؛ فتاة متألقة تنشر الفرح، عبر نجاحاتها وتميزها في المحافل الدولية، في بيوت كل الأسر التونسية.

تقدم اللاعبة التونسية أنس جابر، ابنة الـ26 ربيعاً التي صعدت مطلع هذا العام لتكون ضمن المراكز الـ50 الأولى بالتصنيف العالمي لمحترفات التنس كما نالت جائزة أفضل رياضية في تونس لعام 2019، نموذجا من قصص النجاح التي تخطها النساء في مجالات مختلفة ومن ضمنها الرياضة.

لا يثنيها توقف مشوارها الذي وصفه المتابعون بـ”الجيد” و”المشرّف” عند الدور الرابع من بطولة رولان غاروس الفرنسية، إحدى البطولات الأربع الكبرى، بعد خسارتها مؤخرا، بصعوبة أمام الأميركية دانيال كولينز، عن التمسك بطموحها في أن تصبح أول عربية تبلغ ربع نهائي البطولة الفرنسية، بعدما أصبحت أول عربية تصل إلى ربع نهائي إحدى بطولات “الغراند سلام” التي تعد واحدة من أكبر أربع بطولات في العالم في كرة المضرب.

صناعة التاريخ

[ إثراء جابر لرصيد الرياضة النسوية، وإثباتها قدرة المرأة على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات، يقطع مع العقلية الذكورية التي ما زالت مستشرية في البلد، والتي تروّج أن الرياضة حكر على الرجال فقط
[ إثراء جابر لرصيد الرياضة النسوية، وإثباتها قدرة المرأة على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات، يقطع مع العقلية الذكورية التي ما زالت مستشرية في البلد، والتي تروّج أن الرياضة حكر على الرجال فقط

لدى جابر إصرار كبير على صناعة مسيرة تاريخية في مجالها، وهي ذات عزيمة قوية لمواجهة منافسات شرسات في مناسبات لاحقة. وما يحفزها على تخطي الصعوبات والهزائم رغبتها في رفع راية وطنها عاليا في سماء الرياضة العالمية، وأيضا إثراء رصيد الرياضة النسوية، وإثبات قدرة المرأة على المنافسة والانتصار ونيل التتويجات، والقطع مع العقلية الذكورية التي ما زالت مستشرية في البلد، والتي تروج أن الرياضة وكل مجهود جسدي حكر على الرجال فقط.

نجحت جابر في أن تشد إليها الجمهور التونسي الذي غالبا ما يهتم بكرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية التي يمنحها الأولويّة. وعلى العكس فهي استطاعت كسر الصورة النمطية عن رياضة التنس باعتبارها رياضة نخبوية وجمهورها عادة من “النخبة”. ولطالما يقع اتهام هذه الرياضة بوقوعها في فخ الطبقية، حيث لا يلتحق بنوادي التنس إلا من كان من الطبقة الميسورة بسبب معاليم التسجيل المكلفة التي لا تعير اهتماما لإمكانيات الطبقتيْن المتوسطة والفقيرة محدودة الدخل ولا تفسح المجال أمامهما لاكتشافها بشكل مباشر دون الاكتفاء بمتابعة مقتضبة على التلفزيون.

لكن جابر ساهمت في تصالح فئة الشباب بمختلف شرائحها الاجتماعية مع هذه الرياضة، وباتت محط اهتمام هذه الفئة ومتابعتها مع كل مقابلة تحقق فيها جابر فوزا مباغتا ومبهجا. وكما يتابع عشاق كرة القدم أنديتهم المفضلة، استطاعت جابر أن تحظى بنفس المتابعة، التي كشفت عنها وسائل التواصل الاجتماعي حيث تتمتع بدعم وتشجيع كبيرين.

 واللافت أن الشباب والسياسيين بمختلف أيديولوجياتهم أجمعوا على الإشادة بقدرات الرياضية الشابة. ولم يترددوا في التعبير عن إعجابهم وفخرهم بها عبر صفحاتهم على الفيسبوك أو تغريدات التويتر. ولذلك عبرت جابر عن سعادتها بما تحظى به من دعم وتشجيع، وقالت في تصريحات صحافية “أتلقى رسائل خاصة من أشخاص يستيقظون عند الساعة الخامسة صباحا لمتابعة مباراتي. أنا فخورة جدا”.

نقطة ضوء

طموح جابر أن تصبح أول عربية تبلغ ربع نهائي البطولة الفرنسية، بعدما أصبحت أول عربية تصل إلى ربع نهائي إحدى بطولات "الغراند سلام"
طموح جابر أن تصبح أول عربية تبلغ ربع نهائي البطولة الفرنسية، بعدما أصبحت أول عربية تصل إلى ربع نهائي إحدى بطولات "الغراند سلام"

ساهم تألق الرياضية التونسية في رفع معنويات الشباب والشارع المنهك جراء فترة انتقالية عسيرة كانت كلفتها باهظة. وفي كل مرة يغرق التونسيون فيها في خضم الأزمات التي تتقاذفهم من كل جهة، والتي جعلتهم يصنفون ضمن الشعوب الأكثر اكتئابا في الآونة الأخيرة، تقدم جابر نموذجا لصورة تونس المشرقة القادرة على تجاوز عثراتها بإصرار وثقة كبيرين. فرغم أنها لم تبلغ ربع النهائي وفت بـ”وعدها “وبلغت ثمن النهائي، وهو ما سيفتح لها الطريق مستقبلا لدخول نادي اللاعبات المصنفات ضمن العشرين الأوليات على مستوى العالم، الحلم الذي يراودها منذ الصغر.

يحمل كل إنجاز رياضي لجابر وقعا إيجابيا على كل التونسيين. وتقول الناشطة الحقوقية بشرى بلحاج حميدة لـ”العرب” إن هناك “الكثير من المشاكل التي تحيط بنا. لكن أنس جابر ترفع معنوياتنا دائما”. وتتابع “حين لا تكون هناك أخبار مفرحة، يصلنا تألقها عالميا وهو ما يدفعني إلى مواكبة المسابقة التي تشارك فيها دون تردد”. وتصف نجاح جابر بأنه كان “بمثابة نقطة ضوء في عتمة الظلام المحدق بالبلاد في ظل تزايد العنف المجتمعي واستمرار الخلافات السياسية”.

وقد تزامنت المسابقات العالمية التي شاركت فيها لاعبة التنس التونسية، في كل مرة، مع تصاعد الجدل داخل الطبقة السياسية غير المنسجمة وتواصل الصراعات بين الأحزاب، وقد تعمقت هذه الصراعات بشكل لافت. ورغم تداعيات المشهد السياسي المضطرب على الشارع، إلا أن جابر استطاعت أن تطرد عنه هموم السياسة ولو مؤقتا، بإهدائه انتصارات رياضية أدخلت النشوة إليه.

بدورها تشيد محرزية العبيدي، النائب عن حركة النهضة، لـ”العرب” بتميز جابر. وتقول “رغم أن التنس يعد من الرياضات النخبوية، تمكنت أنس جابر من كسب اهتمام الكثيرين عبر ما حققته من نجاحات”. وتعتقد العبيدي أن “رياضة التنس التي فيها بروز لرياضة الفرد، سمحت لجابر بالكشف عن قدراتها وهو ما جعلها تتألق عالميا”.

جابر تسجل في رصيدها 11 لقباً فردياً ولقبا زوجيا واحدا في منافسات الاتحاد الدولي لكرة المضرب للسيدات. وقد حصلت على لقب المرأة العربية للعام 2019 في مجال الرياضة

ويتسق رأي العبيدي مع رأي الكثيرين الذي يعتقدون أن لاعبة التنس نجحت في رسم الفرحة لكل التونسيين، كما قدمت نموذجا مثاليا ونجاحا للمرأة التونسية، حتى باتت قدوة للشبان والشابات.

وتقف آمال قرامي، أستاذة دراسات النوع الاجتماعي بالجامعة التونسية، في حديثها لـ”العرب” بالتحليل عند أثر تألّق العداءة التونسية حبيبة الغربي ولاحقا لاعبة التنس جابر، ضمن سلسلة من الاختبارات الرياضية، في نفوس التونسيين الباحثين عن بصيص من الأمل في زمن تضاعفت فيه الأزمات والمخاوف، وهو ما يكتسي أهميّة كبرى، لتزامنه مع سياق سياسي متوتّر وصراع أيديولوجي وتحوّلات قيمية واجتماعية متعددة، حسب تعبيرها.

وترى قرامي أن “جابر استطاعت أن تتحوّل إلى أنموذج يمكن الاقتداء به فنخرج بذلك من سردية المرأة ضحية العنف إلى المرأة البطلة التي تحقق النصر وتثبت مدى قدرتها على التصميم والكسب وإثبات الذات ورفع الراية التونسية عاليا”. وتبين أن “أنس جابر تمكّنت من أن تغيّر الصور النمطية، والتمثلات الخاصة بالجسد الأنثوي الذي يختزل في الفتنة والإغراء”. وتتابع قرامي “هي إذ تتحدّى كلّ العقبات وتخترق المحليّة والخصوصية في اتجاه العالمية تقيم الدليل على أنّ الأنوثة بناء اجتماعيّ ديناميكي مرتبط بسياقات مختلفة وليست أنوثة العداءة إلاّ علامة دالة على قدرة بعض الرياضيات على كسب المهارات التي تمكنهن من تقديم أداء متميّز، وهو أمر يثبت أنّ الأنوثة تتشكّل وفق مسارات متنوعة“. وأعربت قرامي عن سعادتها بجابر وغيرها من التونسيات اللواتي “برزن خلال هذا المسار المعقّد، فكنّ البلسم والأمل وتمكنّ من أن يوجهن رسائل إيجابية تخبر العالم عن منزلة التونسيات ومسيرتهن المشرقة من أجل إعلاء صورة الوطن”.

وعود الطفلة

تألّق العداءة التونسية حبيبة الغربي يتكامل مع نجاح أنس جابر في سلسلة من الاختبارات الرياضية، ما يترك أثراً إيجابياً في نفوس التونسيين الباحثين عن بصيص من الأمل في زمن تضاعفت فيه الأزمات والمخاوف
تألّق العداءة التونسية حبيبة الغربي يتكامل مع نجاح أنس جابر في سلسلة من الاختبارات الرياضية، ما يترك أثراً إيجابياً في نفوس التونسيين الباحثين عن بصيص من الأمل في زمن تضاعفت فيه الأزمات والمخاوف

قصة نجاح جابر هي ثمرة سنوات عمل طويلة وطموح “للفوز بدورة الغراند سلام” بدأ في سنّ الثالثة في مدينة حمام سوسة التابعة لمحافظة سوسة الساحلية حيث تعرفت لأول على هذه الرياضة من قبل والدتها.

وذكر مدربها في المدرسة نبيل مليكة الذي أشرف على تدريبها ما بين الرابعة والثالثة عشرة من عمرها في تصريحات صحافية سابقة أن “لها طموحا بارزا منذ الصغر”، مشيرا إلى أنها حين بلغت العاشرة كانت تعد أمّها “في العديد من المرات بشرب القهوة في رولان غاروس ‘وهي تشاهدها على الملاعب الفرنسية'”.

التحقت في عمر الثانية عشرة بالمعهد الرياضي في المنزه بالعاصمة تونس والذي يضم أفضل الرياضيين الشبان في البلاد. ومنذ ذلك الحين انطلقت مسيرة رياضية رائعة. وبدأ اسمها يلمع في عام 2011 حين استطاعت الفوز بدورة رولان غاروس للناشئات، وهي أول لاعبة عربية تفوز بلقب الفردي للناشئين في البطولات الكبرى لكرة المضرب منذ أن فاز إسماعيل الشافعي بلقب ويمبلدون للذكور في عام 1964. بعد ما يقرب من عقد من اللعب في المقام الأول على مستوى الاتحاد الدولي لكرة المضرب، أصبحت جابر عنصرا أساسيا في بداية جولة اتحاد لاعبات التنس المحترفات في عام 2017. وقد كان لإنجازها وقع كبير في تونس، وعلى ذلك تعلق جابر بالقول “كان الشعب التونسي رائعا معي لكن الانتقال إلى عالم الاحتراف كان صعبا للغاية”.

الرئيس التونسي قيس سعيد يقول إن مضرب جابر "درع وسيف"، ويضيف مؤكداً اعتدادا تونسيا بها، أنها "تظلّ أحسن سفيرة للرياضة التونسية، ومثالا للمرأة والشباب التونسي المتألق في كلّ المجالات"

لم تتوقف مسيرتها عند ذلك الحد؛ فقد فازت بـ11 لقبا فرديا وبلقب زوجي واحد في منافسات الاتحاد الدولي لكرة المضرب للسيدات. ووصلت إلى نهائي رابطة محترفات التنس عام 2018 في كأس الكرملين في روسيا. وفازت بجائزة أفضل رياضية عربية لعام 2019.

وحين بلغت الدور ربع النهائي لإحدى بطولات الغراند سلام مؤخرا، قامت الرئاسة التونسية بتكريمها. وقال عنها الرئيس قيس سعيد “إن “مضربها درع وسيف لتحقيق مزيد من النجاحات، وتظلّ أحسن سفيرة للرياضة التونسية، ومثالا للمرأة والشباب التونسي المتألق في كلّ المجالات”.

تقول جابر عن إنجازها “الأمر ليس مستحيلا والحقيقة أنني حققته. لقد تدربت في تونس من عمر الثالثة حتى الـ16 أو الـ17 عاما وبالتالي أنا منتج تونسي بحت”. ولا يعني أن طريق جابر مفروش بالورود حيث سبق أن أبدت استياءها من تواضع دعم  وزارة الرياضة لها. فهو قطاع يعاني  بدوره صعوبات في البلد منذ اندلاع ثورة يناير، خاصة في ما يتعلق بالرياضة النسائية.

ورغم إقرارها بأن “الكثير من الأمور تغيرت حقا عما كانت عليه عندما فزت باللقب في 2011، فقد أصبحت الأمور أصعب بعض الشيء عقب الثورة، لم تكن الأوضاع آمنة في ذلك الوقت، لكن الأمور عادت إلى طبيعتها الآن”. وهي لا تبدي اهتماما بالخلافات السياسية في بلدها محافظة على حيادها وتوازنها. والمهم بالنسبة إليها هو تحفيز الشباب وإعادة الثقة في قدراته وصناعة الأمل رغم قتامة واقعه.

ملهمة للشباب

الجمهور التونسي الذي غالبا ما يهتم بكرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية، أهدى لجابر شعبية كبيرة. وهي استطاعت كسر الصورة النمطية عن رياضة التنس باعتبارها رياضة نخبوية وجمهورها عادة من "النخبة"
الجمهور التونسي الذي غالبا ما يهتم بكرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية، أهدى لجابر شعبية كبيرة. وهي استطاعت كسر الصورة النمطية عن رياضة التنس باعتبارها رياضة نخبوية وجمهورها عادة من "النخبة"

تبعث جابر عبر إصرارها في كل مسابقة عالمية على النجاح رسالة أمل لكل الشباب المحبط، أن بوسعه أن يخلق من الضعف قوة، ومن الفشل نجاحاً ومن الهزائم انتصارات. وتقول في هذا الصدد “دائما أحاول تقديم النصائح إلى الشباب بالقول في الحياة لا شيء مستحيل، يجب أن نؤمن بقدراتنا التي هي طريقنا إلى النجاح”.  ولطالما عبّرت عن أملها في “إلهام العديد من الأجيال الشابة في تونس أو العالم العربي لاسيما في أفريقيا”. وبالفعل استطاعت أن تكون ملهمة للشباب بإنجازها الذي احتفى به الاتحاد الدولي للتنس.

وكان الاتحاد الدولي  قد نشر على حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، فيديو يوثق لنشأة اللاعبة وبداياتها مع لعبة التنس في سن الثانية عشرة في تونس ومسيرتها كلاعبة محترفة. وعرج الاتحاد على أبرز إنجازاتها وخاصة وصولها كأول لاعبة عربية إلى دور الثمانية في بطولة أستراليا المفتوحة مطلع هذا العام وفوزها بدورة رولان غاروس على مستوى الشابات عام 2011. وعلق الاتحاد الدولي على مسيرتها قائلا “أنس جابر هي ملهمة الجيل الجديد للاعبي التنس العرب، وهي تدرك أنه سيكون لها دور ريادي للأجيال القادمة وهي مستعدة لهذا التحدي”.

13