أنس سلامة: كل قطعة هناك هي مخيم اليرموك

الأحد 2014/07/20
قهوة في صباح الفنان ومسائه

بين مخيم اليرموك بدمشق وأوسلو في النرويج، يبحر الفنان الفلسطيني السوري أنس سلامة في يباب الألوان، حاملا معه قهوة من مخيم اليرموك، يحيل بقاياها إلى مواد خام يرسم بها لوحاته التشكيلية. عن اليرموك وفن التشكيل والقهوة كان هذا الحوار:


تصوير الأحداث


تتنوع أدوات أنس سلامة في الرسم بين القهوة، الزيت.. ما إذا كان هناك معيار ثابت على أساسه يختار المادة التي يرسم بها لوحته، وإذا ما كانت الحالة الشعورية هي ما يدفعه لاختيار مادة دون أخرى، يقول سلامة: لطالما فرضت عليّ الحالة الشعورية التي تعتريني اختيار نوعية المادة التي سأرسم بها. بمعنى آخر أنا لا أحدد مسبقا المادة الخام التي سأشرع بها في رسم اللوحة، لكن تزامنا مع الأحداث الدائرة بسوريا أصبحت أبحث عن المواد السريعة، التي أستطيع من خلالها أن أجسد ما نعيشه ونكابده يوميا، زد على ذلك الهاجس الذي سكنني مع بداية الحراك الشعبي السوري ألا وهو تصوير الحدث من ناحية تشكيلية جمالية من جهة وتوثيقية من جهة أخرى.

حاولت في بعض الأعمال الربط بين اللوحة التشكيلية والكاريكاتور، وذلك لسرعة الأحداث التي نمر بها، فأصبحت اللوحة متنفسي للتعبير عن معاناة الشعب السوري، في خضم ما يحصل. هنا وجدت في بقايا القهوة، التي أحتسيها، مادة خامّا تجسد الحدث وتواكب سرعته، وتطيعني متى شئت. زد على ذلك اعتمادي في بعض اللوحات على الدجتل آرت، لا سيما إذا كانت فكرة اللوحة تستلزم هذا النوع من الرسم.


الرسم بالقهوة


يتجه الفنان إلى أدوات مختلفة في الرسم، لكن أنس سلامة اختار الرسم بالقهوة. عن أسباب خياره هذا، يؤكد أنس أنه لا يمكن الحديث عن القهوة باعتبارها مادة تشرب فحسب، فقد استحال هذا المشروب القاتم إلى عنصر أصيل في مجتمعاتنا، عنصر يشكل لدينا حالة خاصة، حالة حميمية. لذلك فإن استخدامي للقهوة متعلق بحميمية الجلسة المرتبطة بالقهوة، وبنا كعرب. كما أن سرعة الأحداث السورية جعلت من أي جلسة لشرب القهوة تنتهي بلوحة لي، وذلك لطواعية هذه المادة، وسهولة الاشتغال بها، لتقديم الفكرة التي أتطلع إليها.

أنس سلامة: عنوان اللوحة مفتاحها

يؤدي الرسم بالقهوة إلى طغيان اللون البني بتدرجاته على اللوحات المرسومة بهذه المادة. وما إذا كان ذلك يؤثر على جمالية اللوحة، يشير أنس سلامة إلى أن مفهوم الجمالية لا يرتبط فقط باللون، بمعنى آخر، يشكل اللون أساسا في بناء التكوين الجمالي للوحة، لا شك في ذلك، لكنه ليس الأساس الوحيد، فهناك الإحساس الذي يمنحه الفنان للوحته، أضف إليه فرادة الفكرة المطروحة. من هذا المنطلق نجد العديد من الأعمال الفنية التي تمتلك مكونات جمالية متعددة ومختلفة، مع أنها قد تكون مرسومة بلون واحد. ناهيك عن أن لون القهوة، بتدرجاته، يرتبط ارتباطا وثيقا بتكويننا، ويرتبط بلون الأرض التي نحيا عليها كبشر، ونعشقها ونحارب لأجلها. هكذا لم أجد أي مشكلة في أحادية اللون التي يفرضها الرسم بالقهوة.


طابع جنائزي


يطغى على أعمال أنس سلامة الطابع الجنائزي، الذي يخيم على جل أعماله الفنية. لكن سلامة لا يعتبر لوحاته جنائزية بشكل كامل. يقول: حاولت في أعمالي تجسيد معاناة الناس، وذلك من خلال بث إحساس عبر الكتلة في اللوحة. ولعل النزعة الحزينة لأعمالي متأتية، أساسا، من الأحداث التي مررنا بها في سوريا، والتي أفرزت بدورها موضوع اللوحات، والحالة الشعورية التي رسمت بها. ثم إن ما حصل لشعبنا السوري والفلسطيني من مآس ومعاناة لا تكفي كل لوحات الكون للتعبير عنه، وربما لو اجتمع كل فناني الكون لن يستطيعوا أن يصوروا ما يواجهه أهلنا في سوريا اليوم.


المعاناة الإنسانية

أحيانا يؤدي ارتباط العمل الفني بحدث سياسي إلى محدودية في أثره على المتلقي، وإن كان أغلب أعمال أنس سلامة مرتبطا بما يجري في مخيم اليرموك، إلا أن الفنان يعتبر أن ما يرسمه هو تصوير لمعاناة الإنسان في كل مكان، ولذلك قد تجد تفاعلا مع اللوحة من أناس يعيشون في أماكن مختلفة من هذه المعمورة، وينتمون إلى مجتمعات عدة. فالمعاناة حالة مشتركة بين البشر، وهي موجودة منذ بداية الخلق إلى عصرنا هذا، كحالة أصيلة في المخلوق البشري. أما مخيم اليرموك فهو رمز للمعاناة بالنسبة إليّ، وكل قطعة من سوريا هي مخيم اليرموك، وهي جزء من لوحاتي.

ملامح الوجوه تغيب في أعمال الفنان لتحضر الحالات المُوحية


تأثير العناوين


وإن كان عنوان اللوحة، غالبا، هو المفتاح لتواصل المتلقي معها، فإن أنس سلامة لا يعنون لوحاته، فهو يرى أن العنوان، في الغالب، يؤطر إحساس المتلقي، ويوجه شعوره نحو نقطة محددة يفرضها الفنان عبر عنوانه. ولأن التأطير يساهم في التأثير على جمالية اللوحة ككل، يتوخى سلامة عدم عنونة أعماله، تاركا للمتلقي حرية التفكير والشعور بها، حسب مفاهيمه وانتماءاته وأحاسيسه.


حضور الأنثى


في لوحات سلامة، لاسيما المرسومة بالقهوة، حضور واضح للأنثى، ويفسر محدثنا هذا الحضور الأنثوي، وارتباطه بالحالة الإنسانية، باعتبار أن فلسطين أنثى، والمعاناة أنثى، وسوريا أنثى. والأنثى حسب سلامة: هي كتلة من الإحساس، نستطيع أن نستدل عليها من خلال كل تفاصيلها، بمنحنياتها وصوتها وعاطفتها ومعاناتها. إنها تختزل كل شيء موجود، ولذلك هي حاضرة في أعمالي.

إن ملامح الوجوه تغيب بشكل واضح في لوحات أنس سلامة، حتى يخيل للرائي أن وجوه الشخصيات المصورة في اللوحات متشابهة إلى حد كبير. وحول ما إذا كان هناك من معنى مقصود يخفيه خلف هذا التشابه، أو هو تشابه تلقائي عفوي، يميل الفنان إلى أن الإحساس بكليّة الجسد أقوى من الإحساس بالجزئيات المكونة له. بعبارة أخرى، إن تغييب ملامح الوجوه يفرض على اللوحة صمتا ما، صمتا تصطبغ به الكتل المكونة للوحة، صمتا نقرأ من خلاله صوتا يتجاوز كل التفاصيل.

16