أنصار الله- حزب الله: السيرة والسلوك!

الجمعة 2014/11/07

لم يُكمل حزب الله غزوة “7 أيار” الشهيرة. كان له ما أراد، أو أقصى ما يستطيع أن يريده. رعت الدوحة اتفاقا، وضع بالنصّ ما أنجزه الحزب في الشارع. هيمن الحزبُ على الحياة السياسية اللبنانية، ولم يجد في ما بعد حرجاً في الانقلاب على حكومة سعد الحريري. أنهى الحزب بالسلاح مفاعيل ما أنتجته صناديق الاقتراع. باتت القوة وفائضها دستور العلاجات التي يخلصُ إليها الحزب لحسم نزاعاته مع الخصوم.

في اليمن يُكمل “أنصار الله” غزواته. ينطلق الحوثيون من صعدة في الشمال، يطبقون على آل الأحمر في عمران، يطيحون بالإخوان المسلمين بحزبهم (التجمع الوطني للاصلاح) وبقواهم العسكرية داخل الجيش اليمني (بقيادة اللواء علي محسن صالح الأحمر)، يسيطرون على صنعاء، يسطون على قرار الدولة، أو يسعون لذلك، ولا يترددون في طرق أبواب الوسط (في تعز وأب والحديدة والبيضاء) لعل في ذلك نصراً لغزوات أخرى.

يعتمدُ الحوثيون على القوة والسلاح، غير آبهين بما أنتجه الحوار الوطني، غير مكترثين بأناشيد الوحدة الوطنية. أنهى الحوثيون بالسلاح مفاعيل “ثورة” اليمنيين ضد نظام علي عبدالله صالح، وأطاحوا بالسلاح بالمشروع الخليجي- الأممي للتسوية. باتت القوة وفائضها دستور العلاجات التي يخلص إليها الحوثيون لحسم نزاعاتهم مع الخصوم.

مشتركان بين حزب وأنصار الله في لبنان واليمن. الأول، عقيدة السلاح منهجاً وسلوكاً ووسيلة عيش، والثاني، تبعية لا تردد فيها، ولا حرج منها، للجمهورية الإسلامية في إيران. وفي المشتركات أيضاً شعارات ممجوجة ضد أميركا وإسرائيل هي من “عدّة الشغل” الصدئة، إلا إذا ما فاجأنا نصيرٌ من أنصار الله في اليمن وهو يقاتل على أبواب فلسطين، بعد أن تقاعد نظيره اللبناني عن أمر ذلك، منشغلاً بما هو “أسمى” في الرقّة وحمص وريف دمشق.

يطالب الحوثيون، هذه الأيام، حكومة اليمن بإعلان الوقوف إلى جانب النظام السوري ودعم السياسات الخارجية لإيران. لا هم محرجون من إعلان ذلك، ولا طهران يضيرها الإجهار بولاء زعيم صعدة للولي الفقيه. فموقف الحوثيين الموالين لإيران متّسق مع موقف حزب الله (والفصائل العراقية) الموالي لإيران. في ذلك أن الحزب فخورٌ بغزواته السورية “دفاعاً عن المراقد الشيعية”، وفي ذلك أن “أنصار الله” (المتهمون أيضاً بالتورط في القتال إلى جانب النظام السوري) يسوّقون لموقف يتبناه اليمن بما يشكّل اختراقا إستراتيجياً للموقف الخليجي بشأن أزمة سوريا.

وفي ما يشبه التوازي في التوقيت، يشنُ زعيم حزب الله السيّد حسن نصر الله هجوماً ضد السعودية، متهماً الرياض بالوقوف وراء الظاهرة الجهادية وجماعاتها، فيما يدعو مفتي تعز القريب من الحوثيين (الشيخ سهل بن إبراهيم بن عقيل باعلوي) إلى أن “تنتشر دعوة أنصار الله في جميع أنحاء الجزيرة العربية”، بما يدشن عزماً على تصدير “الثورة”، على غرار ما مارسته طهران في بدايات عهد الخميني. وبغضّ النظر عن الحسابات البيتية، في لبنان واليمن، لهجمة الطرفيْن على دول الخليج عامة والسعودية عامة، فأن الأمر جزءٌ من تكتيكات إيران الراهنة في مقاربة الرياض في زمن الحرب الدولية ضد داعش.

لم يستطع حزب الله التمدد علناً في كافة المناطق اللبنانية. تحولُ الجدران المذهبية دون ذلك. يهيمنُ الحزب، بالشراكة الظرفية مع حركة أمل، على الشيعة في لبنان الذين تحولوا، منذ سنوات، وفق أبجديات الحزب إلى “جمهور المقاومة”. نجح الحزب في عقد تحالفات داخل الطوائف والمذاهب الأخرى، بما حقق اختراقات خطيرة تجاوزت حدود الحزب الجغرافية والديمغرافية. على أن تلك الاختراقات لدى السُنّة والدروز بقيت هامشية لا ترتبطُ بالنسيج الأصيل ويعملُ المال على صونها وصيانتها (ناهيك عن تحالفه الشهير مع ميشال عون في ما يعتبر أنجح اختراق للحزب داخل الأوساط المسيحية).

بالمقابل تمكَن الحوثيون من الزحف والتمدد باتجاه صنعاء، ذلك أن الحوثيين زيديون التحقت بهم تيارات ومشارب سياسية وقبلية، مستسلمة لمغريات المال والقوة والإمكانات، كما لمغريات السلطة والثروة في البلاد التي لطالما أبعدوا عنها سابقاً. على أن مغامرةَ الحوثيين باتجاه الوسط ضمن طموح أكبر للوصول إلى الجنوب، تصطدم، كما في لبنان، بجدران مذهبية (رغم الاختراقات التي سجلوها لدى قوى شافعية)، لم ترتفع في الحملة من صعدة إلى صنعاء. وربما أن المقاربة العسكرية لن تكون ناجعة، كما في لبنان، لمواصلة التمدد باتجاه أصقاع أخرى. لذا يعود الحوثيون إلى صنعاء من جديد، بمؤتمر “الحكماء” يتوعدون به نظام الحكم برمته، مهدّدين بحسم قادم، بمعنى آخر يتحرى الحوثيون أمر واقع دستوري، على شاكلة ما اقترف في الدوحة لصالح حزب الله وحلفائه بعد غزوة “7 أيار”. وإذا ما لاح تعذّر ذلك أمكن التوقيع تكتيكياً على اتفاق تشكيل حكومة كفاءات بعد ساعات على تهديدات “الحكماء”، بانتظار نضوج ظروف أفضل للهيمنة الكلية على شؤون الحكم في صنعاء.

لم يتلقّ حزب الله أي ضربة موجعة منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. تمكّن الحزب من خوض معاركه دون ردّ، ودون محاسبة، ذلك أن البلدَ بحكومته وتشكيلاته السياسية لا يملكُ إمكانات ذلك. وفي كل مرة كان الحزبُ يشعر بضغط حقيقي، كان يعود ببراعة للاحتماء بمؤسسات الدولة. ذهب الحزب للاختباء داخل حكومة نجيب ميقاتي حين شهّر المجتمع الدولي بجدية المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ثم هرع الحزب للاستغناء عن تلك الحكومة والتخلي لتيار المستقبل عن وزارات مفصلية في حكومة تمام سلام، متدثراً من جديد بالمؤسسات الدستورية لتغطية عورة التورط في الوحل السوري.

لم يتلق الحوثيون ضربات موجعة تدفعهم نحو خيارات بديلة عما هو متّبع حالياً. لم تقف بمواجهة “أنصار الله” مقاومة مجتمعية أو رسمية، كتلك التي عرفوها في حروبهم الست ضد نظام علي عبدالله صالح (المقاومة القبلية الحالية هي أولى إرهاصات ردّ جدي). بدا في غزوات الحوثيين أن هناك تواطؤاً داخلياً وإقليمياً يفسّر انهيار الأسوار وفتح أبواب القلاع. في اليمن من يتهم “اليمن العميق” الموالي للرئيس السابق علي عبدالله صالح بتسهيل مسعى الحوثيين نكاية بنظام الرئيس عبدربه منصور هادي (حول ذلك تعمل واشنطن لتمرير قرار أممي لفرض عقوبات على صالح والحوثيين). وفي المنطقة من فهم الصمت الخليجي بأنه رضى عن سياق يضرب الإخوان المسلمين في اليمن، اتساقاً مع ما بات رسمياً ومعلناً من حرب ضد تلك الجماعة وامتداداتها.

وبغض النظر عن تفاصيل اليوميات السياسية والعسكرية والأمنية لليمن، فإن غُرف العمليات الدولية والإقليمية تراقبُ عن كثب الشأن اليمني من ضمن المشهد الاستراتيجي العام للمنطقة برمتها. تسعى إيران لتحسين شروط موقعها المقبل في المنطقة، وهي وإن يسجل لها كرٌّ في اليمن، يُسجّل لها فرٌّ في سوريا والعراق. وإذا ما كانت الحربُ معارك وجولات، فإن يوميات المنطقة، من أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، تكشفُ كل يوم عن فرضيات تلغيها فرضيات. في تلك الفرضيات أن ربيع الحوثيين سيصطدم في الوقت المناسب بما ينهي رواجه.

وإذا ما أخرجت الخصوصية اللبنانية السورية المفاعيل المحددة لربيع حزب الله منذ عام 2000، فإن خصوصيات يمنية، وما أكثرها وأعقدها، معطوفة على خصوصيات خليجية ودولية، ستفسر ظهور المفاعيل الكابحة. يكفي التذكير أن الأولويات الأميركية في هذا البلد كانت، وما زالت، ضرب القاعدة وتجفيف موارده (لافت قيام الطائرات الأميركية بضرب أهداف للقاعدة فيما الحوثيون يزحفون نحو ما بعد صنعاء!). وفق تلك الأولوية، لن تقبل واشنطن أن تتأمل رواجاً للبيئة الحاضنة للقاعدة، كرد فعل على الزحف الحوثي الراهن.

عشية انطلاق داعش البغدادي في العراق، كانت المنطقةُ تتحضر لابتلاع الصفقة الأميركية الإيرانية العتيدة. جرى بعد ذلك ما يطيحُ بالصفقة، بعد أن ضاعت توازناتها. أمام إيران وحلفائها في اليمن تحوّلات قادمة، ذلك أن اللعبة الدولية لا تطيقُ العبث بالتوازنات.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8