أنصاف حقائق: توظيف التقارير الدولية في اللعبة السياسية في مصر

الحكومة المصرية تروج للإشادات والمعارضة لا ترى إلا التقارير السلبية.
السبت 2018/11/24
تضارب بين الواقع والأرقام

القاهرة - يبحث الكثير من القادة السياسيين عن اصطياد شهادات تعزز من كفاءة رؤاهم وتؤكد لشعوبهم أنهم على صواب، بغض النظر عن نتيجة تراكم السياسات الخاطئة، ويجد هؤلاء القادة في التقارير الاقتصادية ملاذا خاصة عندما تكون صادرة عن جهات خارجية تتسم بالحياد.

وتعد مصر من بين هذه الدول التي تتأثر أوضاعها السياسية بمثل هذه التقارير، حيث تتداخل المكونات الاقتصادية مع السياسية، فكل طرف يؤثر ويتأثر بالآخر، وتلعب زاوية الرؤية دورا مهما في تحديد القيمة الحقيقية لبعض التقديرات، لأن هناك أرقاما يمكن التلاعب بها في التقديرات النهائية.

يمثل تضارب التقارير الدولية الأخيرة عن حال الاقتصاد المصري مثالا واضحا لتلك المشكلة، ففي ظل عدم اكتراث المسؤولين بحقيقة معاناة عامة المصريين، أصبح التركيز منصبا على تبرئة ساحتهم من الاتهامات التي تلاحقهم بالتقصير، واللجوء إلى أي معلومة خارجية لتحسين واقعهم المرير سياسيا.

وكان المنتدى الاقتصادي العالمي في جنيف وجّه سهامه نحو الاقتصاد المصري عندما وصفه في تقرير التنافسية الدولية الذي يصدره بأنه “يحل في المرتبة قبل الأخيرة عربيا، وفي المرتبة 94 عالميا”، ضمن قائمة تشمل 140 دولة. وذكر التقرير أن أداء مصر إيجابي، فيما يخص حجم السوق، حيث حلت ضمن أكبر 30 سوقا عالميا في المرتبة 24 من حيث الحجم، لكن ذلك لم يحل دون وضعها ضمن أسوأ خمسة اقتصادات عالمية في التعريفة التجارية والجمركية، وجاءت في المرتبة 137، وفي استقرار الاقتصاد الكلي بالمركز 135، أي ضمن الخمس مراتب قبل الأخيرة.

وفتح هذا التقرير بابا صبت من خلاله قوى معارضة وجماعات ضغط غضبها على النظام السياسي الحاكم في مصر، وأسهبت في الحديث حول الخراب الذي ينتظر البلاد، نتيجة التوجهات والتصرفات الخاطئة، والتي تفتقر إلى محددات استراتيجية واضحة.

بعد احتدام الصراع الاقتصادي والسياسي وزيادة التجاذبات بين المؤيدين والرافضين، أطل على الساحة تقرير مناخ الأعمال، والذي يصدره البنك الدولي، وأظهر تقدم مصر بثمانية مراكز، حتى وصلت إلى المركز 120، ونفذت أكبر حزمة إصلاحات اقتصادية على مدار عشر سنوات. واستغلت عناصر المعسكر المعارض للحكومة هذه الشهادة لترد بها على سهام خصومهم التي أطلقوها من قوس تقرير التنافسية العالمية.

وصف أحمد جلال، وزير المالية الأسبق، تلك المعارك بأنها “بحث عن أنصاف الحقائق، فالواقع مرير ويحتاج لمزيد من العدالة الاجتماعية، والأرقام يتم اجتزاؤها وتطويعها لخدمة أغراض سياسية قد تكون غير حميدة”. وأضاف لـ”العرب”، “الخروج من هذا المأزق يتطلب شجاعة الكشف عن الحقائق ما أمكن ذلك، والعمل الدؤوب على توفير الإطار المؤسسي الذي يحد من انتشار أنصاف الحقائق”.

وأوضح أن السياسيين يفضلون الاعتماد على التقارير والأرقام وفق مبدأ “الأرقام لا تكذب”، والتي تستمد قوتها من أنها توصيف دقيق لواقع يصعب إنكاره أو الاختلاف عليه، لكن المشكلة تطل برأسها عندما يتم انتقاء أرقام من بين أطنان المعلومات المتاحة وصياغتها بشكل سياسي معين لكشف جزء من الحقيقة.

يتكرر هذا السيناريو كل عام لإسكات الأفواه قبل تطبيق الموازنة العامة للبلاد، حيث يتم التأكيد على برامج الحماية الاجتماعية لغير القادرين، وزيادة مرتبات الموظفين لمواجهة غلاء المعيشة، والمأساة تزداد عندما يكون الحديث عن رصد مليارات الجنيهات لدعم غير القادرين، في حين يزدادون معاناة.

تحاول الحكومة خطب ود الشعب بتعزيز قاعدة سياسية لتأييدها، لكن في النهاية النوايا الطيبة لا تصنع المعجزات، ولا يبقى للمواطن سوى استشارة حافظة نقوده قبل إعلان تأييده أو معارضته لسياسات الحكومة.

وأكد قدري أبوإسماعيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، أن تقارير المؤسسات العالمية، تنتظرها المعارضة لاستغلالها سياسيا. وأشار، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن التقارير الإيجابية والسلبية تؤثر معا على الأوضاع السياسية في أي بلد، سواء في زيادة مستويات السعادة أو الإحباط للمواطن، لكنّ المسؤولين في مصر يثنون على التقارير الإيجابية فقط ويتجاهلون دوما السلبية، لأن الأولى تحقق مرامي سياسية أكثر من كونها تعبر عن حالة اقتصادية.

يتحقق الرضاء السياسي والشعبي لأي نظام حكم من خلال التنمية الحقيقية التي تظهر آثارها على المواطن، فالأزمة تكمن في زيادة أعداد الفقراء والعاطلين وتدني مستويات المعيشة، وهي من أهم أدوات الحرب السياسية من جانب المعارضة.

وأوضح حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن تضارب التقارير الدولية عن مصر، قد تكون وراءه دوافع سياسية أو اقتصادية معينة، فكل جهة تعد تقريرا تركز فيه على وجهة نظر بعينها. ولفت، في حديثه مع لـ”العرب”، إلى أن المواطن المؤيد للحكومة يتأثر بالتقارير الإيجابية، فهي تبث الثقة في النفس، بينما السلبية تؤدي إلى يأس وإحباط، فضلا عن ارتباك قد يسود أوساط المسؤولين جراء التقارير المتضاربة.

ويمكن الفصل بين هذه التقارير وتأثيرها على المواطن في الشارع، لأن القوى المعارضة تسعى إلى إبراز الجوانب السلبية، وتلح على نشرها، فوسط صعوبات المعيشة وارتفاع الأسعار، ربما تظهر انعكاساتها السياسية العميقة، في شكل حركات احتجاجية.

وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة على أن الاقتصاد المصري يسير على الطريق الصحيح، عقب منح القاهرة قرضا بنحو 12 مليار دولار، ولن يخاطر الصندوق بهذه الأموال ويصدر تقريرا ضد سياسات الحكومة، بل سيدعمها لإثبات جدارة التوجهات التي تتبعها، بناء على روشتة للإصلاح الاقتصادي التي قدمها، أملا في تشجيع بلدان أخرى للاقتداء بالنموذج المصري، وهو ما ينطوي على ملامح سياسية لدى القوى المتحكمة في المؤسسات الدولية. ويسير البنك الدولي الذي ضخ أموالا في مشروعات تنموية في مختلف محافظات مصر على الدرب نفسه لتخفيف الضغوط على الحكومة، وبث الثقة في سياساتها.

7