أنطوان الدويهي يواجه الدكتاتور في ظلمة دهاليز السجون

الثلاثاء 2015/02/24
الدويهي: أجهزة الأمن العربية قادرة على ابتزاز مواطنيها مهما كان سلوكهم

الكاتب اللبناني أنطوان الدويهي، في روايته “حامل الوردة الأرجوانية”، الصادرة عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” و”دار المراد”، يطوف في الأماكن وينتقل من مدينة إلى أخرى، بيد أنّه يظلّ في كل الشوارع محصورا بين جدران الزنزانة التي جلس فيها البطل.

ترقّب الفناء في كل شيء هو الهاجس الواضح في تلك التفاصيل الصغيرة لرواية الدويهي، الذي عاش جلّ حياته في باريس وعاد محمّلا بثقل الغياب بعد أن أمضى سنواته باحثا عن الكتابة المطلقة.

رواية “حامل الوردة الأرجوانية”، تحمل بين صفحاتها ثنائيات أخرى لها قيمتها المعنوية والإنسانية بين الخير والشر والحلم والمتاح والوطن والمنفى والسجين والدكتاتور، تلك الثنائيات التي صهرها أنطوان الدويهي بآلية انسيابية في زوايا الرواية من خلال بعض الشخصيات التي قدّمها في سرد متميّز.

وضوح المكان وغيابه في نفس الوقت ارتبط بأزمنة مختلفة، مرّت سريعا في السرد الذاتي الذي اتّخذه الكاتب، ربّما كان الغرض من ذلك إسقاط القصة على أماكن مختلفة شرق المتوسط، فحاضرات الشرق يتحسّر الكاتب على عدم زيارتها ويعلن هنا وفاتها في مخيّلته، حين وقف على أبوابها أو هضابها ولم يستطع الوصول إلى جوهرها.


الدكتاتور في السجن


في بلاد تؤرّقها الكلمة وتذهب بصاحبها نحو الأبد إلى الظلام المنسي في عمق السجون البعيدة والقريبة، إنها قصة مواجهة ما أسماه جورج أورويل “الأخ الأكبر” ذي العيون الجاحظة والأنف المدبب، الساكن في إطار حديدي قبالة المعتقل، يشاركه سجنه وأيامه وتاريخه الباقي في الظلام، على ذات الطريقة والدرب مع زيادة في جرعة مصادرة الحياة بكل ما فيها يقود القدر الكاتب المغمور البسيط البعيد عن السياسة إلى السجن، حيث يتمّ اعتقاله دون سبب، ليصل في نهاية المطاف أنّ سبب مصادرة حريّته هو عدم حديثه عن الحرية والأوضاع السياسية في ظل وجود عدد غير منته من الكتّاب، الذين يطالبون بإنهاء حالة الطوارئ التي تسيطر على النص عموما.

اللون الأرجواني يمثّل لون الدم القاني الطاهر أمام آليات التعذيب الرهيبة وأساليبها التي يتبعها الدكتاتور وأجهزته

سرد ذاتي يتقاطع مع حياة المؤلّف في كثير من تلك التفاصيل، التي يدركها القارئ بمجرّد الاطلاع على سيرة الدويهي، الذي عاش جلّ حياته في المدن الغريبة، فتظهر الضواحي الفرنسية والإيطالية وغيرها في نوستالجيا واضحة، تحضر في تلك اللحظات الصعبة التي تمرّ على البطل في المعتقل الذي كان عبارة عن غرفة يتشارك فيها الكاتب المغمور والدكتاتور بصورته، وهذا يعيدنا إلى الروايات التي تحدّثت عن السجون السورية حيث اعتلت صورة الدكتاتور رؤوس المعتقلين في سجنهم، ليجبروا بعد سنوات من مصادرة الحريّة أن يوقّعوا رسالة شكر وامتنان للقائد الذي عفا عنهم، وسمح لهم بممارسة تفاصيل الحياة الصغيرة.

التفاصيل الصغيرة تحضر بقوّة في علاقة البطل مع مفاصل حياته، وتلك التي خلّفها وراءه منذ أن دخل إلى المعتقل، فكانت مراجعاته الحيّة مواجهة الموت بكل ما فيه من تعقيد، من خلال شخص أمّه التي واجهت الموت أوّل مرّة قبل ثلاثة وستين عاما، حين كان عمرها واحدا وعشرين عاما مع فقدان ابنها البكر.

هنا تكمن المواجهة الحقيقية مع الموت للكاتب الذي لم يستطع إعلان موته في ثنايا النص، فظهرت الكلمات كلّها بطعم الرحيل؛ ثنائيتا الحياة والموت، الحرية والسجن هما اللتان شكّلتا المفصل الرئيسي والعمود الفقري للعمل ككل، الذي تضمّن أيضا قصة حب حكمتها الصدفة أيضا، لتكون هي المنقذ لأوراق البطل التي كتبها في المعتقل أو سكنه المشترك مع الدكتاتور.


ابتزاز أجهزة الأمن


يظهر تمرّس البطل بأساليب أجهزة المخابرات من خلال “السينييردية” التي ظهرت في النص، من خلال توافد المحقّقين عليه في زنزانته المنفردة لمواجهته أيضا برسائل بريدية، كان جهاز الأمن يتعقّبه عليها في مدنه الغريبة قبل عودته إلى البلاد، ورغم أنّ فحوى تلك الرسائل لا تشي بأيّ مؤامرة لقلب نظام الحكم أو لأيّ نشاط سياسي، إلا أنّها قد تكون وسيلة لليّ ذراع البطل.

الرواية غضبٌ مشروعٌ أطلقه الدويهي في ظل مصادرة الحياة

حول هذه النقطة تحديدا هناك مفارقة مرعبة مرّرها أنطوان الدويهي، هي أنّ أجهزة الأمن العربية قادرة في أية لحظة على ابتزاز مواطنيها، مهما كان سلوكهم أو توجّهاتهم أو أماكن إقامتهم، لذا يلجأ البطل إلى الحب في كثير من الزوايا، ورغم يقينه أنّه خاضع أو محكوم بالفشل والأمل معا، إلا أنّه يستمر فيه حتى النهاية دون خوف، ويمارسه على مرأى من عيون عناصر الأمن وأدواتهم.

ورغم كل ذلك هناك مقايضة تحدث في دهاليز السجن، وهنا تتضمّن الرواية إشارة إلى أنّ الأنظمة الدكتاتورية تلجأ دوما إلى الظلام لعقد الصفقات والاتفاقات، فالنور يؤذيها ويعرّيها، وأمام كل هذا يطلب الضابط من الكاتب البدء بسرد سيرة الدكتاتور وعائلته وتاريخه مقابل الحريّة، أو سيكون طريق السجن الكبير هو الطريق الأقرب إليه، أمام هذه الثنائية أيضا يدخل السجين في دوامة الشبكة العنكبوتية، وخيوطها التي يمسكها الدكتاتور من كل الجهات.


محاكاة الواقع


محاكاة الواقع أيضا كانت حاضرة بقوّة، من خلال السرد الوجداني في نهاية الرواية التي تحدّث فيها عن تلك الجموع الثائرة الحانقة والحاقدة على الظلم، والمطالبة بالعدالة الانتقالية، نحو محاصرة عروق الدكتاتور ونظامه حتى إعلان موته بشكل نهائي، إنّها الملحمة الأخيرة التي ركن إليها البطل الكاتب، الذي ارتضى قبول العرض وبقاءه في السجن عاما آخر ليشتري الوقت في مواجهة الدكتاتور.

تعرض الرواية في ثناياها مسارات عديدة تبدأ كلّها من مقولة واحدة، تدور حول أنّ الذل عار والحياة وقفة عزّ، مهما كان الثمن ومهما كانت الأساليب التي انتهجها من وقف على الضفة الأخرى، غضبٌ مشروعٌ أطلقه الدويهي في ظل مصادرة الحياة أمام الجميع، تلك التي تتعدّى الحياة في الوطن والمنفى والسجن، لقد صادر الدكتاتور الحياة التي تقيم في الصدور ولا سبيل إلى النصر إلا بمواجهة الخوف والانتصار عليه، في اسم الرواية أيضا يظهر هذا الطرح من خلال اللون الأرجواني الذي يمثّل لون الدم القاني الطاهر، أمام آليات التعذيب الرهيبة وأساليبها التي يتبعها الدكتاتور وأجهزته.

14