أنطوان حبشي "قواتي" يقتحم منطقة سيطرة حزب الله

سياسي لبناني جريء يمتلك خبرات ميدانية عالية تجعله يقول ما يقول بقوة فهو يتنبأ بأن يدفع نصرالله غاليا ثمن ارتباطه بإيران.
الثلاثاء 2018/06/19
الخلاف عميق مع حزب الله

تغييرات عديدة طرأت على المجلس النيابي اللبناني الجديد المنتخب وفقا لقانون النسبية مطعما بالصوت التفضيلي. وقد شملت تلك التغييرات وجوها اعتاد عليها اللبنانيون وشكّلت جزءا من ذاكرتهم النيابية، لعل أبرزها الغياب الطوعي لرئيس اللقاء الديمقراطي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورئيس تيار المردة المرشح الرئاسي السابق سليمان فرنجية.

غير أن وجوها جديدة دخلت إلى “جنة” ساحة النجمة تعد بمستقبل تشريعي باهر، من بينها المرشح عن المقعد الماروني في دائرة البقاع الثالثة “بعلبك – الهرمل” أنطوان حبشي.

وما يجعل من النائب المنتخب الشاب حالة فريدة من نوعها أنه فاز عن المقعد الماروني في الدائرة التي هي معقل حزب الله الشيعي وشريكه في الثنائية الشيعية حركة أمل واللذين لطالما تحكّما بمفاصل الحياة اليومية والسياسية لهذه المنطقة، حتى أنهما كانا يفرضان المرشح الماروني على لائحتهما ويفوز وفقا للقانون السابق بالأكثرية الساحقة.

حتى أن النائب السابق أميل رحمة جاهر بأنه حاز على أعلى نسبة أصوات في تاريخ الانتخابات اللبنانية بعيد انتخابه نائباً في العام 2009 مرشحا على لائحة هذا الثنائي.

مرارة الفوز

أكثر من ذلك، فإن حبشي عضو في حزب القوات اللبنانية المناهض الشرس لسياسة “حزب الله” وهذا ما يجعل من طعم فوزه مرارة كبيرة بالنسبة لحزب الله تحديدا الذي كان أثناء التحضير للمعركة الانتخابية يخشى من احتمال خرق لائحته بمقعد شيعي رشّح عليه المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد، ما دفع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إلى الإعلان صراحة أن خسارة مقعد شيعي في هذه الدائرة يوازي خسارة 127 مقعدا نيابيا في كل لبنان.

حبشي من مواليد العام 1971 وكان قد تولى مراكز قيادية في حزب القوات اللبنانية بعدما انخرط فيها شابا يافعا فتابع دورة تدريب كوادر عسكرية في “معهد” بشير الجميل العسكري، وتدرّج بعدها ليصبح مديرا لمنظمة تدريب النخب في القوات. كما ساهم في تأسيس مجلة “آفاق” ورابطة المعلمين، وجامعة “الشعب” في القوات اللبنانية قبل أن يعيّن رئيسا لدائرة التنمية والتنشئة السياسية في الحزب.

القرى المسيحية في المنطقة عانت طويلا من عدم صحة تمثيلها، وفقا لحبشي، بسبب القانون الأكثري السابق الذي كان يطيح بأصوات الناخبين المسيحيين والسنة
القرى المسيحية في المنطقة عانت طويلا من عدم صحة تمثيلها، وفقا لحبشي، بسبب القانون الأكثري السابق الذي كان يطيح بأصوات الناخبين المسيحيين والسنة

لاقى فوز حبشي ارتياحا بالغا في القرى المسيحية في الدائرة ذات الغالبية الشيعية واعتبرت أنها المرة الأولى التي يصل من يمثلها إلى الندوة البرلمانية، بعدما كان ذلك ينحصر في من يختاره الثنائي الشيعي على لائحته.

ونوّهت الأوساط الشعبية في المنطقة بخطابه خلال حملته الانتخابية والذي ركز فيه على الإنماء مبتعدا عن شد العصب الطائفي وسياسة التخوين التي اتبعت من قبل خصومه.

خرق انتخابي يغير قواعد اللعبة

وكان حبشي خاض الانتخابات النيابية على لائحة “الكرامة والإنماء” التي كان يرأسها النائب السابق يحيى شمص ونال 14858 صوتا تفضيليا أي ما نسبته 8.625 بالمئة من مجموع الأصوات التفضيلية التي تبلغ 172271 صوتا أدلى بها المقترعون في انتخابات دائرة بعلبك – الهرمل لمرشحي اللائحتين اللتين حازتا على الحاصل الانتخابي.

وحلّ أولا بين رفاقه في اللائحة، وهو ما اعتبر حدثا لافتا بحد ذاته، إذ أنه ترشّح على لائحة تضم نائبا “شيعيا” سابقا ينتمي إلى عشيرة كبيرة من عشائر المنطقة ويفترض أن الأصوات التي كان سيؤمنها للائحة ستجعلها تفوز بأكثر من حاصل انتخابي وبالتالي أن تخرق لائحة الثنائي الشيعي بأكثر من مقعد واحد، غير أن الحقيقة المفاجئة كانت أن الحاصل الانتخابي مكّنها من الخرق بمقعد واحد كان من حصة المرشح الماروني بعدما استوفت اللائحة المقابلة، أي لائحة الثنائي الشيعي، حصتها من المقاعد الشيعية، والمقعد السني والمقعد الكاثوليكي.

حبشي حالة نيابية فريدة في لبنان، كونه فاز عن المقعد الماروني في الدائرة التي تعتبر معقل "حزب الله" الشيعي وشريكه في الثنائية الشيعية "حركة أمل"، واللذين لطالما تحكّما بمفاصل الحياة اليومية والسياسية لهذه المنطقة، حتى أنهما كانا يفرضان المرشح الماروني على لائحتهما ويفوز وفقا للقانون السابق بالأكثرية الساحقة

وجاء حبشي سابعا في ترتيب لائحة المرشحين، بعد 6 مرشحين شيعة من لائحة “الأمل والوفاء”. وكان الفارق بينه وبين المرشح السني على لائحة الثنائي الشيعي، الوليد سكرية الذي حل ثامنا في لائحة المرشحين هو 7942 صوتا تفضيليا، والفارق بينه وبين منافسه الماروني، على لائحة الثنائي الشيعي، النائب إميل رحمة الذي حل في المرتبة الثالثة عشرة في لائحة المرشحين هو 10997 صوتا.

واعتبر نائب القوات اللبنانية المنتخب أن القانون الانتخابي الجديد “النسبي” أعطى حياة جديدة لمنطقة بعلبك-الهرمل رغم بعض الشوائب التي كان من الطبيعي أن تظهر خصوصا خلال تطبيق قانون جديد للمرة الأولى.

معاناة المسيحيين

 يعتقد حبشي أن القرى المسيحية في المنطقة عانت طويلا من عدم صحة تمثيلها بسبب القانون الأكثري السابق الذي كان يطيح بأصوات الناخبين المسيحيين والسنة، بسبب ترشيح الماروني والكاثوليكي والسني على لائحة الثنائي الشيعي، وبالتالي ذهاب أكثرية الأصوات إلى اللائحة التي كانت تفوز بالمقاعد العشرة المخصصة للدائرة بالكامل.

لكنه يضيف أن القانون النسبي الذي اعتمد في الانتخابات الحالية أتاح للمسيحيين تحديدا، ولباقي القوى الفاعلة في المنطقة، اختيار مرشحهم، وبالتالي احتمال وصوله إلى النواة البرلمانية، وهو ما حصل مع القوات اللبنانية التي تمكنت من الفوز بالمقعد الماروني وأثبتت بذلك حضورها الذي كان مغيبا في السابق بسبب القانون الانتخابي الأكثري.

خطاب نيابي جديد

حبشي يقول عن العلاقة مع شيعة بعلبك إن "بيننا وبين حزب الله خلافا سياسيا كبيرا وعميقا، وهذا أمر يخضع للنقاش، لكن لا مفر من التعاون بيننا كنواب لبعلبك – الهرمل".
حبشي يقول عن العلاقة مع شيعة بعلبك إن "بيننا وبين حزب الله خلافا سياسيا كبيرا وعميقا، وهذا أمر يخضع للنقاش، لكن لا مفر من التعاون بيننا كنواب لبعلبك – الهرمل".

وعن العلاقة مع حزب الله، يقول حبشي “بيننا وبين الحزب خلاف سياسي كبير وعميق وهذا أمر يخضع للنقاش، لكن لا مفر من التعاون بيننا كنواب لبعلبك – الهرمل، ومن يريد الهروب من هذا التعاون لا يريد مصلحة المنطقة وأهلها، نحن يدنا ممدودة للجميع من أجل التعاون”.

وأثناء استقباله المهنئين من بلدات رأس بعلبك، القاع والجديدة المسيحية في القضاء، خاطبهم حبشي قائلا “كنتم على قدر التحدي، واليوم حان وقت العمل، والتحدي هو أن نعمل لنصل إلى إحداث فرق في حياة أهلنا نحو الأفضل، وستكون لنا لقاءات دائمة كي نسير بالطريق الصحيح”. وأضاف “للنائب ثلاثة أدوار، دور خدماتي وهذا ثانوي لولا التقصير الحاصل من الدولة، دور إنمائي ودور تشريعي، وسيكون لنا مكتب في بعلبك – الهرمل، وسيتم تشكيل لجان مختصة ستعمل في القرى، بالتعاون مع الكنيسة أولا، ومع المجالس البلدية ومع السلطة السياسية”.

وأشار إلى أن “لكل منا نظرة سياسية، ونظرتنا كلفتنا معاناتنا لعشرات السنين، وهناك خلاف سياسي بوجهات النظر على المستوى الاستراتيجي بين اللائحة الأولى والثانية في بعلبك – الهرمل، والخلاف السياسي حق مشروع فلكل منا رؤيته والنقاش يكون عبر المؤسسات الدستورية الشرعية، ومع هذا ومنذ البداية قلت إني أمد يدي لكل النواب الذين وصلوا لنرى كيف سنطور حياة أهلنا في بعلبك – الهرمل بمشاريع إنمائية، وأجدد مد يد العون للجميع من أجل إنماء بعلبك – الهرمل، فكفانا إهمالا في هذه المنطقة”.

المراقبون يعتبرون هذا الكلام إيجابيا يوضع في خانة حبشي، خصوصا أن التعايش الذي تميّزت به المنطقة جعلها نموذجا يحتذى، والخلاف السياسي القائم بين القوات اللبنانية وحزب الله لم يكن السبب الرئيس الذي جعل المنطقة وأبناءها يعانون من الحرمان، بل بسبب غياب السياسة المحلية المسؤول عنها بالطليعة نواب المنطقة، وقد يتغّير الوضع الآن مع تغيّر التمثيل النيابي.

منطق حزب الله وكل من يدور في فلكه الذي يعتبر أن ضمانته هي سلاحه، إنما يحتكر قرار الطائفة الشيعية، كما يقول حبشي، الذي يضيف أن هذا "شكل للسوري أداة هو بحاجة إليها للهرطقة ضد إسرائيل فكان يستعمل أدوات لبنانية كي يبقي اللعبة مستمرة من جنوب لبنان وليس من الجولان السوري". ويضيف حبشي أن "حزب الله فقد شرعيته في الداخل اللبناني وأصبح سلاحه عبءا عليه خصوصا عندما تدخل في سوريا، ونحن ندعوه إلى التفكير جديا بتجربة القوات اللبنانية"

حبشي حائز على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر. وقد عرف بعلاقاته الاجتماعية المميزة وانفتاحه على جميع أبناء منطقته. وقد بدت لافتة أثناء جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب العلاقة الودية التي جمعته بزملائه النواب الشيعة عن الدائرة نفسها.

ويبدو حبشي اليوم سياسيا جريئا مثقفا، لديه خبرات ميدانية عالية تجعله يقول ما يقول بقوة لأنه يعرف أن هذا ما يجب أن يقال. كما حين صرح  بموقفه من سلاح حزب الله. فقد أكد حبشي أن بقاء السلاح بيد حزب الله وتدخله في سوريا واستمرار ارتباطه بإيران يشكل خطرا على لبنان. جاء ذلك بعد إعلان العقوبات الأميركية على حزب الله، حيث اعتبر حبشي أن العقوبات على حزب الله ستؤثر على لبنان كاملا، وأنه كان الأولى تجنبها بأن يقوم الحزب بترك المجال للدولة أن تأخذ دورها وتمارس سيادتها.

حديث حبشي ذاك الذي جاء عبر إذاعة “لبنان الحر”، كان يرسم سياسات القوات اللبنانية للمرحلة القادمة. فقد قال حبشي إن إيمان الإنسان بحقيقته أهم من أي حسابات ثانية. وأضاف أن “سمير جعجع اليوم يشارك في المستقبل اللبناني”، لافتا إلى أن “لبنان ليس قائما على المفهوم القومي ولا الديني وإنما قائم على التعددية فنحن نبحث في لبنان عن مساحة من التلاقي من دون أن يلغي أحد الآخر”.

ويؤكد حبشي أن منطق حزب الله وكل من يدور في فلكه الذي يعتبر أن ضمانته هي سلاحه، إنما يحتكر قرار الطائفة الشيعية، وهذا ما شكل للسوري أداة هو بحاجة إليها للهرطقة ضد إسرائيل، فكان يستعمل أدوات لبنانية كي يبقي اللعبة مستمرة من جنوب لبنان وليس من الجولان السوري.

ويضيف أن “حزب الله فقد شرعيته في الداخل اللبناني وأصبح سلاحه عبءا عليه خصوصا عندما تدخل في سوريا، ونحن ندعوه إلى التفكير جديا بتجربة القوات اللبنانية” لكي يدخل إلى الدولة اللبنانية بالمعنى السياسي وأن يتخطى نفسه وألا يكون “ذميّا”.

ورغم كل الشوائب التي رافقت عملية إنجاز القانون الانتخابي الجديد وتطبيقه، إلا أن من محاسنه وصول وجوه شابة واعدة إلى الندوة البرلمانية، وأنطوان حبشي أحد هذه الوجوه.

13