أنطولوجيا الذات كتاب يضم أصوات ملايين الذوات العربية

استنطاق الأنا، ومحاولة إخراجها من مستنقع القطيع المساق من قبل جماعة تحكم باسمها ولأجلها إلى حيز تحقيق وجودها وإثباته بمعزل عن القطيع، عن طريق التعرف على مكنونات هذه الأنا وحالاتها والبحث فيها عميقا. بهذه الكلمات الموجزة يمكن التعبير عن مشروع الدكتور أحمد برقاوي منذ نشره كتب “الأنا” قبل عقد من الآن، كيف لا وهو القائل “غير أن هاجسا آخر وقف وراء تناولنا للأنا، ألا وهو تذكير بالأنا الذي ضاع في خضم النسيان والإعلاء من شأن النحن”.
الخميس 2015/05/07
البرقاوي: العودة إلى الذات مواجهة مصيرية

اليوم وفي خضم الثورات العربية والانتفاضات الشعبية، ما كان من الباحث أحمد البرقاوي إلا أن يطل بكتاب جديد “أنطولوجيا الذات” بمثابة استكمال لذات المشروع ووفاء منه لهذه الأنا، معبرا في هذا الكتاب عن مراد ملايين الأنوات في الوطن العربي التي خرجت مطالبة بحريتها، على هيئة “بيان من أجل ولادة الذات في الوطن العربي”.

يعرف الدكتور برقاوي أن القارئ سيطرح أول ما يطرح عند تناوله الكتاب سؤال “لماذا هذا البيان في هذا الوقت بالتحديد؟”، لذلك تراه يبدأ تقديم كتابه بالسؤال التالي “لماذا الذات الآن، والأوروبي بكل ما يملك من شعور بالتفوق، كان قد أعلن منذ منتصف القرن موت الذات؟”.

وقبل أن يجيب كان لا بد له من إيضاح “لست ممن يسيرون وراء طغاة الفلسفة وتلامذتهم، لست مهموما بهمّ زائف، مثل العودة إلى السلف أو استعادته لأسأله أجوبة عن مشكلات وجودي، ولست مكترثا بإيجاد تشابه ولا بإزالة اختلاف”، والبداهة تقودنا إلى أن مثل هذا الإيضاح تتجلى أهميته بأن من يريد التفلسف، لازم عليه أن ينظر إلى إشكاليات مجتمعه نظرة بعيدة عن أساطير الأولين والعودة إلى ما قاله فلان من الفلاسفة أو غيره على عظمتهم، بل نظرة تنبع من روح عصره المعيش، وتصب في الظروف الحاضرة والمحيطة بالإشكاليات.

الفلسفة تشكل جزءا من البناء الفكري للمجتمع

وانطلاقا من هذا الحاضر، تأتي إجابة الدكتور برقاوي عن السؤال الذي طرحه “لماذا العودة إلى الذات؟” بأن “العودة إلى الذات مواجهة مصيرية مع العقل التقني- الرأسمالي، مع العقل المصرفي- العولمي، الذي لا يرى الإنسان ابنا للأم- الطبيعة، العودة إلى الذات ليست عودة رومانسية إلى الطبيعة، بل عودة إلى الطبيعة من أجل حمايتها من التدمير الإجرامي الذي يمارسه الرأسمالي والسلطة المدافعة عنه”.

وإيمانا من الدكتور برقاوي بأن الفلسفة تشكل جزءا من البناء الفكري للمجتمع، ولها دورها في إصلاح المجتمع وتغيير الواقع، رافضة الزائف محطمة القديم، نلاحظه لم يتوان عن التعبير عن هذه الفكرة المهمة في الكتاب، إذ أن الوقت قد حان “للانتقال من حافة الفلسفة إلى الدخول في أتونها، متكئين على وعي أولي بالفلسفة، لا ليست مهمة الفلسفة إضاءة الكهف وإبقاء الناس فيه، بل إخراج الناس من الكهف إلى الكينونة الحرة، غير أن مهمة كهذه تتطلب أولا وقبل كل وعي، وعيا بالكهوف نفسها وبحال الساكنين فيها”.

في زمن الربيع العربي، لم يعد من الصعب معرفة الخونة من المثقفين ممن انحازوا إلى السلطات ووقفوا ضد إرادة الشعوب الحرة في اختيار مصيرها، وقادها هذا الربيع أيضا إلى تحديد الأوفياء من المثقفين ممن أرادوا النصر لهذه الإرادة، وكون أولئك المثقفين هم من أبناء هذه الشعوب، فإن الواجب يحتم عليهم أن يمارسوا دورهم في تنوير الشعوب والمساهمة في إزالة وتذليل العقبات التي تواجهها الذات حديــثة الولادة.

وهذا الواجب هو ما رنا إليه كتاب “أنطولوجيا الذات”، والمرام الذي يريد المؤلف برقاوي الوصول إليه “الذات التي أسعى وراءها هي الذات التي أعيد لها صوتها بعد أن أصمتوها، أزيل خفر الظهور عن وجهها بعد أن حجبوها، أعيد لها قلبها بعد أن حجروها، أكشف عن جمالها بعد أن قبحوها، أنشر تنوعها بعد أن قتلوها. أعيد لعقلها حق التفكير بعد أن شلوها، أعيد إليها جناحاها بعد أن سمروها، ثم أضع بيدها المرفوعة الشعلة بعد أن رمدوها”.

15