أنطولوجيا القصة القصيرة السعودية في نصف قرن

على عكس ما يعتقده البعض بضمور جنس القصة القصيرة تطور هذا الجنس الأدبي ومازال قادرا على الإنتاج المتجدد. وتعد القصة القصيرة جدا أهم المناطق السردية التي بات يجرب فيها الكثير من الكتاب العرب. لكن نشأة هذا الجنس ليست جديدة إذ حاول الكتابة فيه الكثير من الكتاب العرب سابقا. لكنه يستحق الدراسة والنقد اللذين مازالا قاصرين عن متابعته.
الثلاثاء 2017/05/02
القصص السعودية عوالم متعددة (لوحة للفنان فهد خليف)

اختار القاص السعودي خالد أحمد اليوسف في كتابه الجديد عنواناً جمالياً يذكِّرنا بمفهوم “الدهشة”، الذي اعتبره أرسطوطاليس عنصراً أساسياً في الإبداع الجمالي، فعنوان “دهشة القص” تصب دلالته في صميم الكتابة السَّردية، سيما العنوان الفرعي “القصّة القصيرة جداً في المملكة العربية السعودية”، هذا الجنس الأدبي السَّردي الذي أخذ ينمو في الوطن العربي على نحو بطيء لكنه مؤثر في السنوات الأخيرة بعد أن أخذ نقّاد السَّرد يلجون عوالمه سواء عبر الكتابة عنه أو عقد ندوات متخصصة بشأنه.

ولعل اهتمام “مجلة الفيصل” بنشر كتاب “دهشة القص” يصب في ميدان تطوير الكتابة عن هذا الجنس الأدبي خفيف الظل على القارئ العربي.

التعريف والريادة

تبدو أنطولوجية هذا الكتاب المكثف أنها تقدم للقارئ العربي مفتاحاً عن القصّة القصيرة جداً أو “الأقصوصة”.

في مقدِّمته للكتاب، أخذنا المؤلِّف إلى دلالات القصّة القصيرة التي يراها “كتابة إبداعية خلاقة متجددة”، فضلاً عن ذلك أنها تلتزم بشرطي “القص والحكاية”.

ويعود بنا إلى “القرآن الكريم” الذي احتفى منذ شروقه بملفوظ “القص” على نحو واضح وأصيل، وبقدر ما يستعين اليوسف برؤى بعض النقاد العرب الذين تصدوا لتعريف هذا الفن، نراه يلخص أنطولوجيتها الإبداعية على النحو الآتي “يأتي هذا الكتاب ليبرز، شكلاً وحجماً، في كتابة القصّة القصيرة، اصطلح على تسميته بالقصّة القصيرة جداً”.

ويضيف قائلاً “أعرّفها بأنها هي: الحدث والتكثيف والدهشة والصدمة واللغة المجنحة والبلاغة بأرقى جمالها والتأويل والفلسفة والاقتصاد اللفظي: 30 – 50 كلمة”.

ولكي يضع المؤلِّف قارئ كتابه في أجواء القصّة القصيرة جداً عملياً، فإنه يلجأ إلى إيراد نماذج منها وصل تعدادها إلى خمس عشرة قصَّة لأجيال متواترة من الكاتبات والكتاب في المملكة العربية السعودية.

لعل من فضائل هذا الكتاب أنه يرسم معالم زمانية لنشوء القصّة القصيرة في السعودية بداية والقصّة القصيرة جداً تالياً، وهذا عمل تطلب من الباحث جهداً كبيراً، ومتابعة حثيثة في هذا المجال.

المؤلف يضع قارئه في أجواء القصة القصيرة جدا عمليا، ويلجأ إلى إيراد نماذج مختلفة منها وصل تعدادها إلى خمس عشرة قصة

ومن ذلك أنه عكف على تقديم توصيف ببليومتري للمنتوج الإبداعي القصصي بالمملكة التي شهدت نشر نحو 1500 مجموعة قصصية قصيرة بإطلاق، أما بشأن القصّة القصيرة جداً فيعتقد خالد اليوسف أن أولى النصوص ظهرت في أبريل 1976 بقلم جبر المليحان، ومن ثم تبعه محمَّد علوان سنة 1977، لتتطوَّر لاحقاً في مرحلة الثمانينيات حيث “تتالى التجريب والمحاولات للخروج من الكتابات الأدبية بنص قصصي يفرقها عن الخاطرة أو البوح العاطفي أو وصف الحدث المباشر”.

ويرى هنا أنه في ثمانينات القرن ذاته “بدأت القصّة القصيرة جداً تتشكّل وتنطلق في أشكال كثيرة، وفي تجارب فردية وجماعية، وتجريبية كتابية، برز منها عدد غير قليل، وكان ميدانها الصحافة السعودية بكل أشكالها وملاحقها، فدخلت القصّة القصيرة جداً في الثورة القصصية إلاّ أنها لم تصدر في مجموعات إنَّما في الصحافة الأدبية”.

لهذا، وعلى نحو تأصيلي، يعتقد اليوسف أن بدايات كتابة القصّة القصيرة في المملكة العربية السعودية إنما جرت في سبعينات القرن العشرين، لكنَّ ظهورها في مجموعة قصصية بعينها لم يجر إلاّ مع القاص والروائي السعودي عبدالعزيز الصقعبي في مجموعته “فراغات”، التي اتخذت ملفوظاً عنوانياً أجناسياً في الغلاف “قصة قصيرة جداً” على نحو ريادي منذ عام 1992، وهو تأريخ صدور هذه المجموعة ليس بعيداً عمّا تزامن معها من صدور مجموعة قصصية قصيرة جداً أخرى كانت بقلم الكاتب السعودي تركي السديري، وبذلك كان العام 1992 عاماً مميزاً لصدور القصّة القصيرة جداً في مجموعات أجناسية متخصِّصة. فحتى منتصف سنة 2016 صدرت، وبحسب إحصاءات اليوسف نفسه، ثلاث وسبعون مجموعة قصصية، وخلال عام 2014 صدرت أربع عشرة مجموعة قصصية.

رسم معالم زمانية لنشوء القصة القصيرة في السعودية

مقابل ذلك، ظهرت النصوص القصصية القصيرة جداً في مئة وتسع وسبعين مجموعة قصصية عامة للفترة من 1977 حتى منتصف 2016. وشهدت سنة 2011، وكذلك سنة 2014، ارتفاع عدد المجموعات التي ضمَّت نصوصاً من هذا الجنس الأدبي.

سفر علمي

وإذا كان الصقعبي والسديري انفردا في مطلع تسعينات القرن العشرين بإصدار أول مجموعتين على انفراد، فإن هذا الجنس الأدبي شهد تطوّرات إنتاجية لاحقة، إذ أصدر الكاتب حسن البطران ست مجموعات، وهو أول من صدرت له مجموعة باللغة الإنكليزية في هذا المجال، لتتبعه الكاتبة السعودية شيمة الشمري التي أصدرت أربع مجموعات قصصية قصيرة جداً، لتمضي سفينة الكتابة بالتطوَّر العددي والنوعي تباعاً في السنوات اللاحقة، فحتى الآن شارك فيها ثمانية وثلاثون كاتباً وثلاث عشرة كاتبة في المملكة العربية السعودية لغاية منتصف عام 2016.

أما بشكل عام فقد “وصل عدد المجموعات الخاصَّة والعامَّة المتضمنة قصصاً قصيرة جداً إلى مئة وتسع وسبعين مجموعة، ووصل عدد كتابها إلى تسعة وخمسين كاتباً، والكاتبات إلى تسع عشرة كاتبة، وأربع مجموعات جامعة لهم”.

أما على الصعيد القرائي – النَّقدي، فقد نال هذا الجنس السَّردي الاهتمام من جانب الدراسات والبحوث الجامعية “الأكاديمية”، وهذا يعني “تبدل الصورة والواقع المهمش للقصَّة القصيرة جداً، وفرضت نفسها في الكثير من الدراسات والكتابات، وفي معظم وسائل النشر الورقي والإلكتروني، وصدر عنها عدد من الكتب، واعتمدت الرسائل الجامعية لدراستها”.

نختم بالقول: إن قارئ كتاب “دهشة القص.. القصّة القصيرة جداً في المملكة العربية السعودية” يجِد متسعاً من المعلومات عن أنطولوجية هذا الجنس السردي الصعب بالمملكة العربية السعودية في هذا السفر العلمي الدقيق، لا سيما أن مؤلِّفه القاص خالد اليوسف ختم كتابه الصغير كثير الأهمية بمسارد عن كل المنتوج القصصي السعودي الذي وقف عليه، ناهيك عن كشّاف بالأسماء الواردة في متن الكتاب بكل مباحثه، وكلاهما مفتاح قرائي ودراسي لكل مهتم بهذا الجنس السَّردي، خاصة وأن اليوسف نفسه جرب كتابة هذا الجنس الأدبي في نحو ثلاث مجموعات قصصية ضمَّت خمسا وسبعين قصة قصيرة جدا.

14