أنطولوجيا القصيدة السوداء: أشعار اللون المجروح

السبت 2018/02/03
تطلع إلى عوالم الحرية والتحرر

فاس (المغرب)– يتضمن كتاب “أنطولوجيا القصيدة السوداء” للمترجم محمد أخريف، قصائد لشعراء من أفريقيا وأميركا وأوروبا في عصور مختلفة. وهو يهدف إلى إبراز معاناة السود ونضالهم للحصول على حريتهم وانعتاقهم، إضافة إلى اعتزازهم ببشرتهم السوداء التي أصر البيض على جعلها رمزا لعبوديتهم عبر العصور.

في تقديمها للكتاب، الصادر حديثا عن مؤسسة مقاربات في مدينة فاس المغربية، بيّنت الأكاديمية سعاد الناصر، الأستاذة بجامعة عبدالمالك السعدي بتطوان، أن أخريف، مؤرخا وشاعرا ومترجما، ارتقى بالنصوص إلى مستوى الوثيقة التي تفتح الآفاق المتصلة بين الشعوب، وترسم خارطة جمالية، تدعو للتأمل في المشترك الإنساني، وأن القارئ أمام ديوان شعري يضم منتخبات شعرية منتقاة بدقة، ومترجمة بذوق إبداعي استطاع النفاذ إلى روح القصائد، وما يجمع بينها من خيط رقيق يتمثل في تطلعها إلى عوالم الحرية والتحرر.

وأضافت الناصر “لقد استطاع أخريف أن يضم في الديوان المنتخب شعراء من مختلف العصور والتوجهات، يجمعهم حس إنساني يصب في مجال تغيير النظرة الدونية للإنسان الأسود، أينما كان، والذي مازال يعيش مفارقة الوعي بعدم وجود أي دخل له في تحديد لون بشرته، إلا أنه بسببها يتجرع أصنافا من المهانة والاحتقار وألوانا من الظلم والتهميش. وإذا كانت الحرية من أهم مقومات الشخصية الإنسانية وحقا مكتسبا للإنسان، فإن صاحب البشرة السوداء ظل في صراع دائم مع معاني العبودية والاستبداد والظلم وغيرها من المعاني التي تفقد الإنسان كرامته، يسعى إلى الانعتاق منها بشتى الطرق والصيغ”.

وفي رأيها فقد كان الشعر دائما خير معبر عن هذا الصراع، يلهمه التشبث بحريته ومعاني الاستقلال والعدل والانعتاق. لذا نجد أن شعراء الديوان سود، باستثناء شاعرين من إسبانيا. ولعل هذا الانتقاء، لفتة جميلة من المترجم ليكشف عن تماهي الشاعر الحق مع قضايا الإنسانية، على اختلاف أنواعها، مع انتصارات الإنسان وإخفاقاته. وفي هذا إشارة لطيفة إلى سؤال وظيفة الشعر في إعادة بناء الإنسان، في زمن يكاد يضيع فيه الإنسان.

ورغم تنوع موضوعات القصائد ومستويات جمالية التخييل فيها، كما تقول الناصر، فإنها تحمل في طيات صورها صدى المرارة والحزن والألم والغضب، كما تحمل رجع صوت التحدي والصمود والافتخار، لتصبح كل قصائد الديوان قصيدة كونية تعزف أنغام الحرية، وتنتصر لكل أشكال نبذ الظلم والعنف والتهميش، أعاد الأستاذ محمد أخريف صياغتها باحترافية وتذوق وكشف أيضا.

كما احتوت الأنطولوجيا على شهادتين للأكاديميين سلام أحمد إدريسو وأنس الفيلالي، جاء في الأولى أن “النص ثقانة كاملة وليس رصفا لسانيا لكلمات منظومة أو مرسلة. وترجمة خطاباته المتراكبة تتوغل في الالتباس والصعوبة كلما اقترب الفاعل المترجم إلى مركبة الشعر. إذ أن هذا الأخير خطاب مضاعف وثقافات برانية وباطنية في الآن نفسه، وإنجاز ترجمة عنه وبه يعني إنجاز حوار عميق بين ثقافتين على الأقل”.

وترى إدريسو أن الأمر يزداد التباسا حين يتعلق بقصيدة تمتح من مرارة اللون الأسود. السواد في هذه الحالة ليس مجرد لون، السواد ثقافة وزمن كامل من البحث عن إقامة آمنة في حضن حضارة بليغة. البياض في الحالة مقاومة لبقاء اللون الإنساني الأصيل في الشعر، وأعتقد أن لون الشعر وهويته، كخطاب براني وعميق في نفس الوقت, يميل إلي أن يكون غامقا في لهجته ورؤياته، وبذلك تصعب ترجمته ومحاورته.

وجاء في كلمة الفيلالي أن السود “عانوا كثيرا في فترات زمنية بعيدة وفي أماكن مختلفة في أفريقيا وأميركا وأوروبا بسبب الميز العنصري. وكان الشعر من أبرز الفنون المعبرة عن معاناة الشعراء ومجتمعاتهم، سواء من قبل المدافعين عن النظرة الدونية للسود والمتعاطفين معهم، أو من الشعراء السود أنفسم المدافعين عن بشرتهم والمعتزين بها، وأيضا حتى الشعر الذي يرمي إلى احتقار الجنس الأسود. وهذه الأنطولوجيا، التي جمعها وترجمها الباحث والمترجم محمد أخريف، تبرز كل هذه التمظهرات وتحاكي تلك التناقضات في النظرة إلى البشرة السوداء عبر العصور وعبر القارات لقصائد العديد من الشعراء من القرن السادس عشر إلى يومنا هذا، والذين لهم إشعاع في الدفاع عن السود ومحاربة الميز. وبذلك تعتبر هذه الترجمة قيمة أدبية مضافة للمكتبة المغربية في أدب القصيدة السوداء”.

15