أنطولوجيا شعرية تونسية في القاهرة لكنها بعين واحدة

إن الأنطولوجيا في أبسط تعريفاتها وأدقها في آن، هي كتاب نصوص مختارة سواء كانت شعرا أم نثرا، تشترك في ما بينها من حيث الخصائص الكبرى: الجنس واللغة والأساليب والأصول الجغرافية. ويُحتاج إلى مثل هذا الصنف من الكتب لغايات فنية وثقافية كثيرة من بينها تقديم خصوصية تجربة عامة تضم تجارب في داخلها. وفي أفق هذا الفهم، تقرأ الأنطولوجيا بوصفها شهادة نقدية من نوع خاص ومتنا للاكتشاف والتعمّق في مدوّنة أدبية أو فكرية ما.
الخميس 2017/11/02
نظرة قاصرة لا تكشف شيئا (لوحة للفنان سليمان جوني)

تضمّن كتاب أنطولوجيا لقصيدة النثر التونسية الموسوم بـ”قصائد تضيء الطريق من تونس إلى القاهرة”، سبعا وأربعين قصيدة لشعراء يتفاوتون من حيث سنهم وتجاربهم ومدى التزامهم بتجربة قصيدة النثر.

وصدرت الأنطولوجيا أخيرا في مصر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بالاشتراك مع مؤتمر قصيدة النثر المصرية. وقد أشرفت على إعداد الكتاب، الشاعرة التونسية ماجدة الظاهري وقدّم له الكاتب والناقد عبدالمجيد يوسف.

تجاهل الشعراء

يعرض صاحب المقدمة منذ الاستهلال لعسر الاتفاق حول التأريخ لظاهرة أدبية ما. ويكشف عن جملة من الملابسات تجعل من المقاربة مبنية على تفكر ذاتي في شأن عام ووقائع متفرقة، يؤدي استقراؤه لها إلى تشكل رؤية حول الأسئلة التي تطرحها الظاهرة. وهو على وجاهة في الرأي إلى حد كبير، خاصة وأنه عرض تصوّره وتفهمه لنشأة قصيدة النثر وتطوّرها في تفاعلها بالسياق التونسي السياسي والاجتماعي على امتداد فترة تاريخية ممتدة.

تلك قراءة ممكنة. لكن السؤال العالق هو ما يلي: هل تكتفي الأنطولوجيا بتسجيل تاريخي؟ أليست عملا يقوم على انتخاب، يقوم بدوره على تصوّر نقدي دقيق؟ وعليه، ألم يكن من الضروري التطرّق، كما هو رائج في جل كتب الأنطولوجيا في العالم، إلى المعايير النقدية أو الضوابط التي تم على أساسها الانتخاب؟

لقد أغفلت مقدمة الكتاب هذه المسألة. ولم يعرض صاحبها لنواة قاعدية تمثّل محركا لتشكل المختارات. طبعا، لا شك في أن كل اختيار هو ضرورة نوع من الإقصاء كما هو قطعة من عقل صاحبه على حد عبارة الحصري القيرواني. لكن اختيارا ما يجب أن يستند إلى رؤية تكشف في موضع كهذا من الكتاب. ويبحث في تناسقها وطبيعة النصوص الموجودة في المتن.

لقد عرضت المقدمة الموسومة بـ”قصيدة النثر التونسية، ملابسات النشأة” لبعض أسماء شعراء من قبيل سوف عبيد ومحمد أحمد القابسي معتبرة إياهما من مؤسسي هذا النمط من الكتابة الشعرية، وهو ما يمكن أن يُنسب ويُختلف فيه. لكن غياب اسم مثل اسم الشاعر يوسف خديم الله يعتبر أمرا مستغربا جدا، وهو المعروف بكنية اصطفاها لنفسه هي “ش.س” أي شاعر سابق، والمنتشرة نصوصه ومقالاته منذ عقود طويلة في المشهد التونسي وفي الصحف والمجلات.

عرف عن خديم الله هجره للنشر. وقد نشر متأخرا جدا مجموعة شعرية صدرت عن بيت الشعر بتونس موسومة بـ”هواء سيء السمعة”. وقد صدر هذا الكتاب ضمن ثلاثية انتخبها بيت الشعر التونسي احتفاء وتثمينا للتجربة. ينضم إلى هذه الثلاثية كتاب “الحدائق المسيجة” لسفيان رجب وكتاب “مثل كل شيء تنتهي” لمحمد الناصر المولهي. في المقابل، لا يدرج في هذه الأنطولوجيا من بين الثلاثة سوى سفيان رجب.

ويغيب خديم الله رغم ما يشبه إجماعا لدى الشعراء والكتاب في المشهد التونسي حول ريادته لا من حيث الأسبقية الزمنية فقط. إذ لا معنى لأسبقية زمنية لا تنخرط حقا في نمط الكتابة تلك وبوعي حاد ونصوص مؤسسة. ومن خديم الله نمرّ إلى أسماء من قبيل الباسط بن حسن، صاحب المدوّنة الممتدة في مجاميع جاءت ضمن جنس قصيدة النثر. وآخرها عن دار الجمل كتاب “من يدري؟” و”تجري في عيون أوقاتنا”.

أنطولوجيا مرتبكة لقصيدة النثر في تونس

هناك أيضا شعراء الألفية الثالثة كما اصطلح على تسميتهم في أكثر من موضع، هؤلاء الذين حولوا كتابة قصيدة النثر في تونس إلى خيار رئيس ونزعة مهيمنة، بالإضافة إلى ما جددوه في كتابتها. يبدو غريبا غيابهم الذي يكاد أن يكون كليا لولا حضور كاتب هذه الكلمات والشاعر سفيان رجب والشاعرة منى الرزقي وأسماء أخرى قليلة.

قصيدة النثر والوزن

تضمنت الأنطولوجيا عددا لا بأس به من قصائد النثر الطريفة والمميزة، من بين غيرها قصيدة الشاعر المميز والمترجم محمد علي اليوسفي وقصائد رضا عبيدي وفتحي قمري ومنى الرزقي وغيرهم. إلا أن نصوصا أخرى كان من العسير من وجهة نظر نقدية إدراجها في مقولة قصيدة النثر.

إذ لا يكفي أن يغيب الوزن التقليدي المتواضع عليه ضمن بحور خليلية، ليكون الكلام قصيدة نثر أو ليكون الكلام قصيدة. كما لا يكفي عجز نص عن تحقيق نجاحه في بلوغ وزن متفق عليه من البحور حتى يدرج إذن في قصيدة النثر. ويمكن في هذا السياق ذكر مثال من الأنطولوجيا وهو نص “أمي” لعائشة الخضراوي الذي تقول فيه:

“أمي أنا/ عن وصفها،/ لا تسألوا جما لساني/يتلعثم…/عن سرها،/ لا تسألوا شعري الحزين (…) أمي أنا…أمي أنا… أمي أنا…/ بستان شعري يستحي/ من عجزه عن رسمها”.

مع هذين المقطعين تنضاف أسطر أخرى غاب عنها الإيقاع الوزني وأخرى أفصحت نزوعا إلى الوزن دون النجاة من الهنات الخليلية. وليس هذا مجال اشتغال قصيدة النثر طبعا. فهي تذهب إلى النثر طوعا وتحفر فيه عميقا وبوعي حاد حتى مصاف الشعر. وتنجح في قتل نثريته أيضا وعلى نحو معقد يحتاج إلى مجالات أوسع لبيانها وتبيينها. “أنطولوجيا قصيدة النثر في تونس” مبادرة تثمن في أصلها.

لكنها على الأرجح عرفت ارتباكا كبيرا وخلطا فادحا. وما غياب النصوص الأكثر تجذرا في هذا الجنس ووعيا به إلا دليل على ذلك، خاصة وأن نصوصا كثيرة في الكتاب إذا ما تم النظر إليها نقديا، وعلى نحو موضوعي، كادت تخرج عن الشعر من جهة خروجها عن قصيدة النثر.

14