أنطونيو تاجاني حرب من نوع آخر تبدأ من قمة مالطا

الأحد 2017/02/05
طيار حربي أوروبي لكشف ساحات الصراع مع ترامب

باريس - الإيطالي الرابع الذي ينجح في الوصول إلى رئاسة البرلمان الأوروبي، متجاوزاً منافسيه الستة. حيث لم يستطع أيّ منهم أن يحصل على الأغلبية، في حين حصل أنطونيو تاجاني، وهو ممثل الحزب الأوروبي الشعبي (يمين- يمين وسط) في الجولة الرابعة والأخيرة من الاقتراع على 315 صوتا مقابل 282 لمنافسه اليساري جياني بيتيلا الإيطالي أيضا.

وبناء على هذا النجاح تسلم تاجاني مهامه كرئيس للبرلمان الأوروبي في الثامن عشر من يناير 2017. ومن طيار حربي، إلى صحفي. من ملكي إلى يميني وسطي. ومن مذيع إلى ناطق رسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء الايطالي. تنقلات جمة شهدتها حياة الإيطالي الطموح الذي ولد في روما في الرابع من أغسطس عام 1953، ودرس وأكمل تعليمه في روما وتخرج من كلية الحقوق بجامعة سابينزا.

سرعان ما التحق تاجاني بسلاح الجو ليصبح بعد التدريب طياراً حربياً برتبة ضابط في سلاح الجو الايطالي بعد دورة عسكرية مختصة، قبل أن يصبح مشرفاً على الرادار ومتفرغاً لهذا العمل في قاعدة سان جوفاني للدفاع الجوي التابعة للجيش الايطالي.

رجل أوروبا لا إيطاليا

تاجاني صاحب الشخصية المزاجية والمتقلبة سرعان ما ملّ العمل العسكري، ليقرر فجأة الالتحاق بعمل أكثر ديناميكة وأكثر أهمية بحسب وجهة نظره. فعمل كمقدم برامج ونشرات إخبارية في إذاعة إيطالية محلية هي رايي أونو.

لم يطل به المقام طويلاً خلف المايكروفون، فانتقل للصحافة المطبوعة التي وجد فيها ضالته أخيراً. فعمل كصحافي مختص ومحرر لصحيفة “سيتي مانال” المختصة بشؤون البرلمان الإيطالي والتي من خلالها سيتعرف تاجاني لاحقاً على السياسي المعروف برلسكوني وسيكون مقرباً منه ما سيغير مجرى حياته كلياً.

لم يكن تاجاني الشاب ذا توجه سياسي واضح في حياته قط، باستثناء انضمامه لحركة شكلت فلول الموالين لبقايا الملكية في البلاد سميت وقتها بـ”جبهة الشباب الملكي”. انخرط الشاب المندفع بها غير عارف لما يريده بعد من الحياة، ووصل إلى درجة نائب لأمينها العام.

إلا أننا سنتوقع بالطبع عدم استمراره طويلاً في تلك الجبهة. وفعلاً تخلى سريعاً عنها ولم يستمر طويلاً في صفوفها، ولكن يمكن القول إن هذه الحركة شكلت لتاجاني المدرسة السياسية الأولى. إذ أصبح بعد تجربته هذه يعلم جيداً ما الذي يريده وبدا يستطيع أن يحدد ميوله السياسية الحقيقية.

تلك التجربة هي التي جعلته يتلاقى مع برلسكوني السياسي الإيطالي الصاعد آنذاك. فمن خلال عمله الصحافي في صحيفة مختصة بالشؤون البرلمانية التقى الصحافي تاجاني بالبرلماني برلسكوني فالتقى المتشابهان.

أسسا معاً حزب “فورزا إيطاليا” الذي ترأسه برلسكوني، والذي استطاع أن ينجح خلال زمن قياسي ويوصله إلى رئاسة وزراء إيطاليا في العام 1994 موصلاً معه تاجاني لأولى مهامه السياسية الحقيقية على مستوى بلاده، وعلى المستوى الأوروبي إذ شهد هذا العام حصول تاجاني للمرة الأولى في حياته على كرسيّ برلماني في البرلمان الأوروبي كنائب عن إيطاليا. وعاود الكرة في العام 1999 ثم العام 2004 ثم في العام 2014 ودائما كمرشح عن حزب الشعب الأوروبي اليميني المحافظ.

في نفس العام كافأه برلسكوني بتعينه كناطق رسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء.

عمل تاجاني في الصحافة يعتبر البوابة التي جمعته ببرلسكوني، السياسي الايطالي الصاعد آنذاك. فأسسا معا حزب (فورزا إيطاليا) الذي ترأسه برلسكوني، والذي استطاع أن ينجح خلال زمن قياسي ويوصله إلى رئاسة وزراء إيطاليا في عام 1994 موصلا معه تاجاني لأولى مهامه السياسية الحقيقية على مستوى بلاده

ومع بداية العام 1996 كان لتاجاني اسم جيد في عالم السياسية المحلية ما دفعه لأن يتقدم للانتخابات البرلمانية، لكن توقعاته لم تكن في مكانها. فلم يحصد إلا عدداً قليلاً من الأصوات لم تعطه فرصة النجاح فسقط في تجربته الانتخابية الأولى.

تخلى تاجاني عن حلم مجلس النواب، واكتفى بدرجة نائب بالبرلمان الأوروبي حتى العام 2001 إذ قرر التوجه للانتخابات المحلية كعمدة لمدينته روما لكنه خسر هذه الانتخابات أيضاً ولم يحصل على العدد الكافي من الأصوات. لكنه عاد من جديد إلى عضوية البرلمان الأوروبي وصار واحدً من نواب رئيس البرلمان العشرة وبقي عضواً في دوراته المتتالية.

بالرغم من أنه لم يحظ بموقع سياسي هام داخل إيطاليا، إلا أنه نجح كسياسي أوروبي بامتياز. وتوالت عليه المهمات فتسلم رئاسة المفوضية الأوروبية للنقل، وكان له أثر كبير فيها إذ يعود له الفضل في إنقاذ شركة أليتاليا للطيران (الخطوط الجوية الايطالية)، عن طريق تمويل القطاع الخاص بخصخصة جزئية من أسهمها ما أنقذها من الإفلاس وأبقاها قيد التشغيل. كما يعود له الفضل بإقرار قانون حماية المسافرين بالمطارات بين دول الاتحاد عن طريق إجبار شركات الطيران على تعويض المسافر عن البضائع أو المواد أو المنتجات التي تمنعها الشركات من الصعود إلى الطائرة ويتم استغناء المسافر مضطراً عنها، أو تتم مصادرتها، فيكون لزاماً على شركة الطيران أن تعوض المسافر عن هذه المواد. وأيضا يضمن القانون تعويض المسافرين عن أيّ تأخير بالرحلات أو تعطيل أو إلغاء فأعاد للمسافر احترام وقته وماله واختياره. وقد طبق هذه الاستراتيجية على كل المطارات ضمن الاتحاد الأوروبي وعلى الرحلات المغادرة والقادمة من الاتحاد وإليه.

الجبهة الصناعية

ما أن انتهت مهمته كرئيس للمفوضية الأوروبية للنقل حتى تسلم تاجاني رئاسة المفوضية الأوروبية للصناعة وريادة الأعمال، وخلال فترة قصيرة، أعلن عن خطة جديدة اعتبر فيها السياحة حقاً من حقوق الإنسان في أوروبا، مؤكداً على أن قدرة الأوروبيين على السياحة والاصطياف هي دليل مهم على رفاهية حياة المواطن الأوروبي.

شهد ذلك التصريح الكثير من الانتقادات خاصة في وسائل الإعلام البريطانية والتي كانت ما تزال متذبذبة بخصوص خروجها من الاتحاد فما كان منه إلا أن سحب تصريحاته وقال إنها تسريبات كاذبة.

طرح تاجاني خطة أوروبية للصناعة لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية بعنوان “ثورة صناعية جديدة في أوروبا” وكان الهدف منها أن تشكل الصناعة 20 بالمئة من الناتج القومي لدول الاتحاد كحد أدنى بحلول عام 2020 وتحقيق تنمية مستدامة وتوفير فرص عمل بشكل مستمر ونمو دائم بالناتج القومي لدول الاتحاد كافة.

وفي11 يونيو من العام 2013 أصدر تاجاني أول قرار يخص منتجي الحديد والصلب وكان يهدف إلى مساعدة المنتجين الأوروبيين على مواجهة المنافسة بالقرن الـ21 عن طريق تسهيل وصول المصنعين إلى مناجم الحديد خارج دول الاتحاد عبر السوق الحر.

يشهد له بأنه كان واحداً ممن شاركوا في إعداد القانون الذي بدأ تطبيقه عام 2014 لتسهيل تسجيل المركبات الآلية في دول الاتحاد وإيجاد مركز تسجيل مركزي لكل دول الاتحاد وبالتالي تصبح سرقة سيارة من دولة وتسجيلها بدولة أخرى أمرا مستحيلاً، كما سهل الإجراءات الإدارية لنقل الملكية وتسجيل السيارات والمركبات الآلية لسهولة البيع والشراء والتنقل.

قادة أوروبا ينوون رفض سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي المرشح من قبل ترامب تيد مالوك، بسبب تصريحاته المستفزة ووصفهم إياه بأنه "معاد وحاقد".

مشاريع بلا حدود

أطلق تاجاني مشروع كارس 2020 برئاسته، وهذا المشروع يهدف لتحويل المركبات والسيارات بأوروبا لوقود بديل عن الوقود الأحفوري، وإيجاد مواد بديلة نظيفة للصناعة ووقود بديل من مراكز طاقة متجددة بهدف تحقيق تنمية مستدامة ومنافسة دولية لمصنعي السيارات الأوروبيين في الأسواق العالمية.

ومن أهم أعماله الاقتصادية كانت خطته “أكشن بلان”، وهي خطة عمل تهدف إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتسهيل حصولها على تمويل وقروض وتخفيض الضرائب عليها وإعطاء الشركات فرصة ثانية بعد الإفلاس الأول.

تاجاني طرح خطة الـ”50 ألف سائح” وهي خطة تعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول أميركا اللاتينية. وجاءت هذه الخطة في فترة تدنّي السياحة في دول الاتحاد، على أن تكون بالاتفاق بين وزارات السياحة بدول الاتحاد ودول أميركا اللاتينية وشركات الطيران، من خلال تخفيض تكاليف السفر لاستقطاب السياح من ذوي الدخول الأقل بتكلفة اقتصادية خارج المواسم السياحية والعكس بالعكس.

حياة تاجاني السياسية أوروبياً زاخرة بنشاط ونجاحات مشهودة له لتتوج بفوزه ووصوله إلى رئاسة البرلمان الأوروبي. توجه تاجاني بخطابه للجميع قائلاً “سأكون رئيسا لكم جميعا، وسأحترم كل المجموعات”. وأضاف “أريد أن أهدي هذا الفوز لضحايا الزلزال الذي هزّ بلدي، أريد رسالة تضامن قوية من هذا البرلمان مع كافة ضحايا الإرهاب دون أن ننسى من يعانون حاليا سواء من كانوا بلا مأوى أو بلا عمل”.

تقف اليوم بوجه تاجاني الطموح والمتحمس الكثير من التحديات أهمها البطالة والهجرة غير الشرعية والحفاظ على الوحدة الأوروبية خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، ناهيك عن نزاعات اليمين المتطرف داخل أوروبا. وتلاحقه التحفظات من قبل جمعيات حقوق الإنسان فيما يخص المتحولين جنسياً وجمعيات حقوق المثليين والترانس جندر.

ترامب وإنقاذ الاتحاد الأوروبي

رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك الذي ينتمي أيضا للحزب الشعبي الأوروبي، هنأ في تغريدة خاصة، تاجاني باسم الدول الأعضاء وقال إنه “مستعد للتعاون” معه مضيفا “إن اتحادا أوروبيا قويا وموحدا يحتاج برلمانا أوروبيا بنّاء وناجعا”.

ويبدو أن جبهة تتشكل اليوم في أوروبا لمواجهة ما يمكن أن يسفر عن وصول الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وبدئه بالفعل بتطبيق ما وعد به أثناء حملته الانتخابية.

إذ يتجه قادة البرلمان الأوروبي إلى رفض سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي المرشّح من قبل ترامب.

وقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا حول نية رؤساء الأحزاب السياسية الرئيسية في البرلمان الأوروبي رفض ترشيح تيد مالوك، كسفير للولايات المتحدة بالاتحاد الأوروبي، بسبب وصفهم إياه بأنه “معادٍ وحاقد”.

حياة تاجاني السياسية أوروبياً زاخرة بنشاط ونجاحات مشهودة له لتتوج بفوزه ووصوله إلى رئاسة البرلمان الأوروبي

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن تلك الخطوة المذهلة قد تهدد بأزمة دبلوماسية كبرى، بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، خاصة وأن قادة الجماعات المحافظة والاشتراكية والليبرالية للمفوضية والمجلس الأوروبي لدول المنطقة الـ28 سيرفضون تعيين مالوك. وأرجعت الغارديان سبب الرفض الأوروبي الحاسم لمالوك إلى تصريحاته السابقة، التي أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، عقب ترشيحه مباشرة من قبل ترامب.

ولذلك تشهد الأروقة الأوروبية اليوم حرباً حقيقية استعداداً لما سيحدث في قادم الأيام.

وتعتبر قمة مالطا التي عقدت قبل أيام أهمّ تعبير عن القلق الأوروبي من مستقبل العلاقة مع أميركا. فقد حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند دول أوروبا الوسطى من إقامة علاقات ثنائية مع الولايات المتحدة بمعزل عن الاتحاد الأوروبي، قائلا إن الضغوط التي يمارسها ترامب على الاتحاد غير مقبولة، ومؤكدا أن العلاقات بين ضفتي الأطلسي لا يمكن أن تستمر ما لم تحدد لها أطر مشتركة من قبل الأوروبيين.

وقال هولاند لدى وصوله إلى فاليتا إنه “لا يمكن القبول بأن يكون هناك، عبر عدد من تصريحات رئيس الولايات المتحدة، ضغط بشأن ما ينبغي أن تكون عليه أوروبا أو ما لا تكون عليه”. مشدداً على أنه “لن تكون هناك علاقات مستقبلية مع ترامب ما لم يتم تحديد إطار مشترك لها” من قبل الأوروبيين مضيفا أن “مصير الاتحاد الأوروبي نفسه على المحك”.

وتساءل الرئيس الفرنسي “من يعلم ما الذي يريده الرئيس الأميركي فعلا، خصوصا في ما يتعلق بالحلف الأطلسي؟”.

أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقد دعت إلى الوحدة إزاء الرئيس الأميركي. وصرّحت عند وصولها إلى القمة في مالطا “لقد قلت إن أوروبا تتحكم في مصيرها. وأعتقد أننا كلما عبّرنا بوضوح عن الطريقة التي نحدد بها دورنا في العالم تمكنّا من إدارة علاقاتنا بشكل أفضل مع الولايات المتحدة”.

وكان مالوك، سفير ترامب المرشح، قد قال “كنت أعمل في السابق بمنصب دبلوماسي، وساعدت على سقوط الاتحاد السوفييتي، وبترشيحي هذا ربما يكون هناك اتحاد آخر يحتاج قليلا إلى الترويض”.

8