أنطون سعادة وما بقي منه ومن سوريا الكبرى

السبت 2014/09/27
أنطون سعادة.. مرجعية في العمل السياسي

“ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟” صرخة داخلية أطلقها الطفل أنطون سعادة منذ ما يقارب القرن من الزمن، كانت البلاد حينها تعيش مرحلة من التخبط والبلبلة التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى، لينتقل على إثرها المشرق العربي من حضن الرجل المريض (الدولة العثمانية) إلى أحضان دول التنافس الاستعماري الأوروبية المتمثلة في بريطانيا وفرنسا وقتذاك.

ومنذ ذلك السؤال بدأ سعادة بالتفكير لإيجاد مخرج من حالة الضياع تلك ليهتدي إلى فكرة الأمة السورية التي أعلن عنها لحظة ميلاد حزبه في العام 1932 في بلده لبنان، خلص من خلال تلك الفكرة إلى أن السوريين هم شعب بحد ذاته له مقومات “المتّحد الأتم” تاريخياً وجغرافياً وإثنيا وليسوا قبائل وجماعات تتبع إلى الدولة الفلانية والإمبراطورية العلانية.


نشوء الأمة السورية


وضع أنطون سعادة خلاصة أفكاره في مؤلَّفه الذي عنونه بدايةً “نشوء الأمة السورية” ثم أضاف إليه ليغدو أكثر شمولية في “نشوء الأمم” في الوقت الذي لم تتبلور فيه بعد مفاهيم الأمة والقومية في المشرق العربي، توصل ذلك الشاب إلى الكشف عن مقومات الأمة ووضع لها المبادئ والأسس التي تستند عليها لقيامها وما بعد قيامها لتتتالى في السنوات اللاحقة ولادة معظم الأحزاب والأيديولوجيات القائمة على الأساس القومي في المنطقة كحزب الكتائب اللبناني والبعث والعربي الاشتراكي والقومي العربي.

ولا شك هنا بأن جميع تلك الأيديولوجيات كانت قد قرأت وتأثرت بفكرة الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أنشأه وتزعمه سعادة معتمداً على أسس ومعطيات كان قد توصل إليها من خلال قراءته المتأنية والمتمعنة لكتب التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة بالإضافة إلى تجارب الغرب السياسية. ولعل أهم ما يميز المنهج الفكري للحزب هو نبذه للطائفية والمذهبية ومنطق الأقليات والشعوبية مؤكداً أن الأكثرية هو الشعب السوري الذي عاش على الأرض السورية منذ ما قبل الزمن التاريخي الجلي بكل أصوله ولغاته وأديانه وطوائفه وأنتج تفاعله وتجانسه الأمة السورية التامة ذات الحدود الطبيعية للجغرافية السورية المتمثلة بالهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص!

في صبيحة يوم التاسع من يوليو 1949 نفذ بحق أنطون سعادة حكم بالإعدام رميا بالرصاص بعد خيانة حسني الزعيم، صاحب الانقلاب العسكري الأول في سوريا بعد الاستقلال، له وتسليمه إلى حكومة رياض الصلح في لبنان لتتم هناك أسرع عملية محاكمة وتنفيذ إعدام في التاريخ


الإعدام


كل ذلك أدّى، وبزمن قياسي، إلى انضواء أعداد كبيرة من مواطني الكيانات السورية من جميع الطوائف والإثنيات تحت راية الحزب، حتى في بلاد المهجر (الأميركيتين وأوروبا وأستراليا) لا سيما أثناء هجرة سعادة القسرية إلى البرازيل ثم عودته إلى لبنان في العام 1947 ليبقى فيها يمارس نشاطه الحزبي ويملي على أعضائه محاضراته التي شرح من خلالها مبادئ الحزب الأساسية والإصلاحية لتُجمع بعد ذلك ضمن مؤلف سمي “المحاضرات العشر”.

وفي صبيحة يوم التاسع من يوليو 1949 نُفّذ بحق سعادة حكمٌ بالإعدام رمياً بالرصاص بعد خيانة حسني الزعيم – صاحب الانقلاب العسكري الأول في سوريا بعد الاستقلال- له وتسليمه إلى حكومة رياض الصلح في لبنان لتتم أسرع عملية محاكمة وتنفيذ إعدام في التاريخ.

لا يجدي الخوض في غمار ما حصل قبل وأثناء عملية المحاكمة والإعدام، فقد ألّفت حولها الكثير من الكتب تعددت فيها الروايات وإطلاق الأحكام، منها من رأى في سعادة والحزب رمزاً للنضال والبطولة ومنها من اتهمه مع حزبه بالعمالة للدول الاستعمارية ولإسرائيل الدخيلة حديثاً إلى جسم الدولة السورية، والتي كانت من ألد أعداء الحزب القومي ككيان سياسي وفكرة قومية دينية عنصرية تقوم على أساس عودة اليهود إلى أرض الميعاد.

المفكر والخارطة


يعتبر سعادة من المفكرين الذين سبقوا عصرهم إن صح القول، وخلال سنيّ حياته التي لم تتجاوز الخامسة والأربعين عاماً، وفترة عمله السياسي في الحزب الذي أسسه وتزعمه والتي استمرت ما يقارب السبعة عشر عاما، استطاع وضع العديد من القواعد والمرتكزات التي استند عليها مفكرو زمانه السياسيون في المشرق العربي ليبنوا على أساسها أفكارهم الحزبية، ثم ليتعرض الحزب بعد ذلك إلى معاداة كافة الأحزاب العلمانية منها والدينية وعلى الأخص حزب البعث الذي خطط واستغل مع بعض الأطراف الإقليمية حادثة مقتل العقيد عدنان المالكي 1955 بدمشق ليتهم الحزب القومي بتدبير العملية ثم لتتم ملاحقة قياداته وأعضائه والزج بهم في السجون وإعدام البعض ومنهم أنيس مخلوف ابن عم أنيسة مخلوف والدة بشار الأسد وخطيبها السابق.

بدأت سلسلة العمليات الاستشهادية التي قام بها الحزب القومي في جنوب لبنان ضد الوجود الإسرائيلي بداية ثمانينات القرن المنصرم واستمرت أكثر من ثلاثة أعوام، الأمر الذي دفع حافظ الأسد إلى المسارعة في تبني عمليات المقاومة والقيام بدعم الحزب بشكل معلن

كان الحزب وقتها يمتلك أوسع قاعدة شعبية في الكيان الشامي (سوريا السياسية الآن)، منذ ذلك الحين، وبعد كل تلك السنوات العجاف التي مرت على الحزب والتي أثبتت براءته من دم المالكي حسب شهادة الشهود وكتّاب المذكرات التي ألفها العديد من الساسة المعاصرين لتلك المرحلة ومن بينهم قيادات في البعث نفسه (مصطفى طلاس- مرآة حياتي) الذي ذكر بما معناه: رغم كل ما حصل للقوميين أستبعد تورطهم المباشر بمقتل المالكي، معتمداً على القاعدة الجنائية المشهورة “فتش عن المستفيد”.


سنوات المطاردة


بقي الحزب السوري القومي الاجتماعي مطارداً في سوريا ولبنان خلال العقود الثلاثة التي تلت إعدام سعادة وعانى معظم أعضائه من المعتقلات والسجون، ولم تسلم حتى زوجة سعادة جولييت المير من الاعتقال والسجن والإهانة على يد المؤسسات الأمنية التي أشرف على إدارتها في العلن أو في الخفاء أعضاء في حزب البعث، إلى أن بدأت سلسلة العمليات الاستشهادية التي قام بها الحزب القومي في جنوب لبنان ضد الوجود الإسرائيلي بداية ثمانينات القرن المنصرم واستمرت لأكثر من ثلاثة أعوام، الشيء الذي دفع حافظ الأسد إلى الإسراع وتبني عمليات المقاومة والقيام بدعم الحزب بشكل معلن، وأخذ التلفزيون السوري على عاتقه بث التسجيلات المصورة للاستشهاديين القوميين عقب كل عملية في الجنوب لدرجة أن بث التسجيل كان يسبق خبر الرئيس نفسه في نشرة أخبار الثامنة والنصف.

وبعد انتهاء حافظ أسد من استغلال الحزب وعملياته النوعية أرسل من قام باغتيال عميد الدفاع في الحزب محمد سليم المهندس والعقل المخطط لتلك العمليات على يد محمود عبدالخالق رئيس الحزب القومي سابقاً في لبنان، لتبدأ بعدها مرحلة ظهور وتمدد حزب الله في الجنوب والبقاع اللبناني على حساب تراجع القومي الاجتماعي الذي أعلن تحالفه مع نظام الأسد الأب بشكل واضح وجلي ذلك النظام البعثي الذي كان سبباً في ويلات الحزب القومي منذ نصف قرن مضى.

حزب البعث خطط واستغل مع بعض الأطراف الإقليمية حادثة مقتل العقيد عدنان المالكي في العام 1955 بدمشق ليتهم الحزب القومي السوري بتدبير العملية ثم لتتم ملاحقة قياداته وأعضائه والزج بهم في السجون وإعدام البعض ومنهم ابن عم أنيسة مخلوف والدة بشار الأسد وخطيبها السابق


مراكب التوريث


بعد تسلّم الأسد الابن السلطة عام 2000 ركب الحزب السوري القومي مراكب التوريث للتقرب أكثر من نظام الأسد، فسمح لهم بشار الأسد بفتح مقار رفعت فيها أعلام الحزب الممثلة بالزوبعة التي لم يجرؤ أصحابه على رفعها طيلة حكم والده في سوريا، ثم، وبعد خمس سنوات، تم ترخيص الحزب وضمه إلى لائحة أحزاب الجبهة التقدمية بصفته حزباً معارضاً ثم ليتم منح بعض أعضائه مقاعد في البرلمان السوري وحقيبة وزارية ليست ذات أهمية.

وحين اندلعت الثورة السورية في مارس 2011 انضم جزء بسيط من شباب القومي إلى صفوف الثورة لكن سرعان ما تم توقيفهم أو اعتقالهم أو إغراؤهم وذلك بالاتفاق بين قيادات الحزب ومؤسسات الأمن السورية التي تبادلت التقارير حول نشاطهم. فيما بعد تم تجنيد القسم الأعظم من أفراد الحزب في صف النظام وعناصر شبيحته ليشاركوا بمظاهرات التأييد له ورفع أعلام الزوبعة والهتاف لرئيس النظام، ثم ليلتحقوا بجيشه وما يسمى بالجيش الوطني، ويقوموا بالمشاركة بقتل الشعب السوري الطامح إلى نيل كرامته وحريته، ناسين أو متناسين كلمات زعيمهم سعادة حين قال يوماً: “إن لم تكونوا أحراراً من أمة حرة فحريات الأمم عار عليكم”، ولو كان سعادة شاهداً اليوم لكان توصّل إلى الإجابة عن سؤاله القديم الأول: “ما الذي جلب على شعبي كل هذا الويل؟”.

13