أنظمة التعليم العربية عاجزة عن استيعاب الثورة التكنولوجية

السياسات غير الواضحة تفشل مشاريع التعليم الإلكتروني وتطرح فرضية تغلغل التيارات الدينية المتعددة داخل المنظومة التعليمية.
الأربعاء 2019/10/16
فجوة كبيرة بين ما تقدمه التكنولوجيا وما يحصل عليه الطالب في الفصل

تواجه الدول العربية الراغبة في مواكبة العصر واللحاق بركب التطور التكنولوجي العديد من التحديات، في سياق تطوير أنظمتها التعليمية واعتماد التعليم الإلكتروني، تبدأ أساسا بغياب أرضية صلبة لإرساء هذا النظام إلى جانب عدم وجود سياسات تعليمية واضحة وتنسيق بين مختلف دول المنطقة.

القاهرة - يطرح التعليم الإلكتروني في العالم العربي الكثير من التحديات التي لا تقتصر فقط على تهيئة البنية التحتية للبدء بتنفيذ هذا النظام الحديث، لكن تعود جذوره إلى الصعوبات والنقائص التي يشكو منها نظام التعليم العربي بشكل عام.

يرى الدكتور شريف الأتربي، خبير التعليم الإلكتروني ومسؤول تفعيل أنظمة التعلم الإلكتروني لدى شركة تعمل في مجال تطوير تقنيات التعليم بالسعودية، أن مصطلح التعلم الإلكتروني كان موجودا منذ عدة عقود، لكن لم يكن يطلق عليه هذا الاسم، ففي صيغته الأولية كان عبارة عن معلومات تعرض على شكل كتابة خضراء تعرض أمام المستخدم وتخزّن في حاسوب مركزي ضخم تتصل معه عدة حواسيب من نهايات مختلفة، وتستطيع الحصول على تلك المعلومات بشكلها الأخضر.

ومع التقدم التقني الحاصل في مجال الحاسبات وصناعة أول حاسوب شخصي  وكذلك مع التطور الحاصل في برامج متصفحات شبكة الإنترنت حصل تقدم كبير في مجال تقنيات التعلم.

وأنجز الأتربي العديد من المؤلفات من بينها، “استراتيجية التعليم الإلكتروني وأدوات التعلم” و”التعليم الإلكتروني والخدمات المعلوماتية”، فضلا عن تقديمه للكثير من الدورات التدريبية والحلقات الدراسية والخبرات العلمية.

بعض الدول العربية تقوم بمحاولات حثيثة لتقديم خدمات تعليمية متميزة أما أغلب دول المنطقة فتعاني من صراعات داخلية تجعل مستوى التعليم بها ضعيفا مقارنة بغيرها

وقال الأتربي، في حوار مع “العرب”، إن تاريخ التعلم الإلكتروني بدأ مع فهم لكيفية التصميم التعليمي والتكنولوجيا التعليمية التي تطورت في القرن الماضي، وهذا يشمل أيضا وجود فهم أساسي للتعلم عن بعد، والذي يعد مصطلحا واسعا يجمع مختلف أنواع التعلم.

وأوضح أنه بالنسبة إلى البعض يبدو أن التعلم عن بعد والتعلم الإلكتروني هما نفس الشيء، نظرا إلى أنه لديهما بعض التشابه في طريقة تطورهما. ومن التفاصيل التي توضح الفرق بينهما هو الفصل الواضح بين المعلم والمتعلمين في التعلم عن بعد، في حين أن التعلم الإلكتروني هو جزء من بيئة الفصول الدراسية التي تقوم في الأساس على التواصل المباشر بين المعلم وتلاميذه لتحقيق فائدة التعلم ،التي تكون نتيجة لاستخدام التقنية للتدريس داخل الفصول.

ويعد البحث والتطوير المستمران في تكنولوجيا التعليم الإلكتروني والقدرة على تطوير الفصول الدراسية الافتراضية وبيئة التعلم الافتراضي أيضا جزءا مهما من تاريخ التعلم الإلكتروني وتطوره.

وأوضاع التعليم في البلدان العربية، الجامعي وما قبل ذلك، بالإضافة إلى استيعاب التطورات التكنولوجية ووسائل الاتصال والاستفادة من إمكانات الثورة المعلوماتية، كلها مسائل تطرق إليها الأتربي في انتقاده للأنظمة التعليمية العربية.

تفاوت عربي                          

ويرى أنه بالنسبة إلى التعليم ما قبل الجامعي هناك تفاوت فيما يقدم على مستوى الدول العربية، قائلا “لا يمكن أن نجمعها في عبارة واحدة تحكي واقع هذا النظام التعليمي في كافة الدول العربية”، فما يقدم مثلا من خدمات تعليمية في السعودية وفي الإمارات وفي دول الخليج عامة يختلف تماما عما يقدم في باقي الدول العربية.

وتوجد في البعض من الدول العربية محاولات حثيثة لتقديم خدمات تعليمية متميزة، أما أغلب دول المنطقة فتعاني من صراعات داخلية تجعل مستوى التعليم بها ضعيفا مقارنة بالبعض من الدول العربية دون مقارنتها بالبلدان المتقدمة.

شريف الأتربي: نحن بحاجة إلى تغيير تام في النظرة إلى التعليم من داخل المجتمع لتنعكس على العملية التعليمية إيجابيا
شريف الأتربي: نحن بحاجة إلى تغيير تام في النظرة إلى التعليم من داخل المجتمع لتنعكس على العملية التعليمية إيجابيا

ويأسف الأتربي أن في البعض من الدول العربية أصبح التعليم بمثابة حقل تجارب دون وجود سياسة واضحة.

وإجمالا، يعتبر الأتربي أن ما يقدم من تعليم على مستوى الدول العربية هو محاولات للتشبه بالكثير من الدول الغربية دون مراعاة للشخصية العربية وطبيعتها.

أما التعليم الجامعي فحدّث ولا حرج، فقد أصبح الدخول إلى تصنيف إحدى المؤسسات العالمية هو الهدف، وليس جودة التعليم نفسه في غياب خطط واضحة للتعليم الجامعي مرتبطة ارتباطا وثيقا باحتياجات السوق، بخلاف البعض من الاستثناءات.

كما أصبح التحاق الطالب بالجامعة مرتبطا بالمجموع وليس بالكفاءة، وهو ما يفسر زيادة عدد العاطلين عن العمل سنويا بسبب سوء التخطيط.

وأشار الأتربي إلى أنه رغم تعدد البرامج التي تقدمها الجامعات واستحداث الكثير من البرامج الجديدة إلا أن مفهوم التعليم الجامعي لازال مرتبطا بأذهان الطلاب وأولياء أمورهم بما يطلقون عليه تسمية “كليات القمة”. ويقول “للأسف أغلب خريجيها (كليات القمة) عاطلون عن العمل، ولعل ذلك يرجع في المقام الأول إلى غياب البرامج التوعوية ونشر ثقافة التوجهات التعليمية في المجتمع من خلال وسائل التواصل المتعددة”.

ويضيف “أعتقد أننا بهذه الأنظمة التعليمية المتأخرة لن نستطيع استيعاب التطورات التكنولوجية ووسائل الاتصال وما قدمته من ثورة معلوماتية، ولن يتم الاستفادة منها بالشكل الصحيح”.

وأكد أن هناك فجوة كبيرة بين ما يحصل عليه الأطفال والشباب عبر أجهزة الهواتف المحمولة وما تحمله من تقنيات وبرامج وتكنولوجيا وبين ما يقدم لهم داخل الفصول، ولم يتم استثمار هذه المهارات وتوجيهها بشكل صحيح لخدمة العملية التربوية ورفع قدراتهم التعليمية بما يتناسب مع ما يتمتعون به من فرص تقنية لم تكن متوفرة في الماضي.

ويمثل المدرس جزءا رئيسيا من العملية التعليمية، وهو معطى يفرض تعزيز جهود تأهيله ليواكب التطورات. وقال الأتربي “حين تتحول العملية التعليمية وبناء الأجيال إلى مجرد وظيفة توفر راتبا شهريا، لن تحصل على أي مردود صحي ولا نتائج متوقعة”.

وينتقد الأتربي فقدان التعليم لرمزيته باعتباره رسالة نبيلة، ويعتبر أن ذلك هو نتاج أسلوب تعليم يعطي أهمية للحصول على مؤهل عال على حساب الجودة والكفاءة، ما جعل المدرسين يبحثون عن أكبر منفعة مادية يجنونها من وظيفتهم، فيما أصبح ينظر إلى البرامج والدورات التأهيلية، إن وجدت، كفرصة للتغيب عن العمل، وغالبا ما تخضع هذه البرامج لمعايير تقييم تركز على الكم وليس الجودة ما يفرز نتائج سلبية.

تحتاج عملية تطوير التعليم في العالم العربي والارتقاء بها إلى خطط مستقبلية مشتركة ومحددة، وهو ما دفع الأتربي إلى التنبيه إلى وجوب الاعتراف بغياب التنسيق العربي في مجال التعليم. ويقول “حتى الجامعة العربية، بيت العرب كما يطلق عليها والمجالس المشتركة بين أكثر من دولة والمؤتمرات التي يتم رعايتها والمبادرات التي يتم إطلاقها، ليست سوى فقاعات هوائية تنتهي مع نهاية المؤتمر أو المبادرة”.

ويعتبر أنه بالتمعن في تاريخ هذه المؤتمرات والمبادرات والتوصيات يُتبين أن مخرجاتها لم تبارح أدراجها منذ صيغت. وأكد “كنا نطمح إلى وضع خطط لتطوير التعليم والارتقاء به”.

وشدد على ضرورة تشخيص واقع التعليم في المنطقة العربية وتحدياته، ليتم في مرحلة لاحقة وضع خطط قصيرة المدى للنهوض به وتطويره، إلى جانب خطط بعيدة المدى تعتمد على أهداف مستقبلية تُبنى على الاحتياجات “وليس على الأمنيات”، معتبرا ذلك أولى خطوات الارتقاء بالتعليم في العالم العربي، ومؤكدا ضرورة التنسيق الجاد بين كل بلدان المنطقة.

يشمل الإنفاق على التعليم، وفق تعريف البنك الدولي، الإنفاق الحكومي والذي يكون بتخصيص نسبة من إجمالي الناتج المحلي.

كما يوجه الإنفاق العام على التعليم نحو المؤسسات التربوية التابعة للقطاع العام والبعض من مؤسسات القطاع الخاص، بالإضافة إلى إدارة التعليم والمنح والمساعدات المالية المقدمة للطلاب والأسر والمنظمات.

وفيما تنفق دولة مثل إسرائيل على التعليم حوالي 10 بالمئة من ناتجها المحلي، نجد هذه النسبة في الدول العربية لازالت تتراوح حسب مؤشرات عام 2014 حول متوسط 5 و6 بالمئة.

إنفاق متواضع

أنظمة تعليمية متأخرة مقارنة بغيرها
أنظمة تعليمية متأخرة مقارنة بغيرها

رغم رغبة الدول العربية وطموحها في تطوير التعليم إلا أن الميزانيات المرصودة لهذا القطاع لا تلبي حاجياته، بل إن الكثير من هذه الميزانيات توجه نحو بنود لا تعود بفائدة على تطوير التعليم نفسه. يقول الأتربي “نحن بحاجة إلى تغيير تام في النظرة إلى التعليم من داخل المجتمع أولا، لتنعكس على العملية التعليمية بأثر إيجابي”.

وأكد أن التعليم الإلكتروني لم ينجح عربيا لأن الأهداف والرؤى غير واضحة ولا توجد أي خطط تدعم هذا النوع من التعليم العصري سوى مبادرة بوابة المستقبل في السعودية وهي على مستوى المدارس المتوسطة والثانوية، ولم يظهر أثرها حتى الآن فهي لا زالت في بداية عامها الثالث.

ويشير إلى أن الحديث عن مبادرات للتعليم الإلكتروني يُطرح بالنسبة إلى الدول ذات الكثافات السكانية المرتفعة، والتي تعاني من ارتفاع عدد الطلاب داخل الفصل الدراسي، بالإضافة إلى طول المسافة التي يقطعها التلميذ للوصول إلى مؤسسته التربوية وغيرها من الأسباب التي تجعل من التحول نحو التعلم الإلكتروني وسيلة لحل الكثير من المشكلات التي تواجهها هذه الدول.

وندد الأتربي بغياب سياسات التعامل مع التعليم الإلكتروني، سواء الجامعي أو ما قبل الجامعي، وترك المبادرة في هذا الشأن بيد كل مؤسسة، وهو ما يفشل مشاريع التعليم الإلكتروني.

ولفت الأتربي إلى أن المكتبات المدرسية تعاني من سوء التخطيط وعدم تهيئتها أو تأهيل العاملين بها ليكونوا ركنا أساسيا في العملية التعليمية، بداعي أن زمن الكتاب المطبوع قد قارب على الانتهاء وأن الكتب الإلكترونية هي التي ستسود الموقف حاليا ومستقبلا.

لكن جميع أنظمة التعلم الإلكتروني تهتم بتوفير مصادر معلوماتية للطلاب سواء من خلال المكتبة الافتراضية أو المكتبة المدرسية، ويمكن لأخصائي المكتبات المدرسية أن يكونوا عاملا مؤثرا في عملية التعليم خلال تطبيق النظام الإلكتروني من خلال تقديم مجموعة من الخدمات التي تلبي حاجات المستفيدين، والتي يمكن قياسها باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي، ومن هذه الخدمات جمع وأرشفة الجلسات التعليمية وتصنيف المواقع الإلكترونية التعليمية وبناء بنوك الأسئلة والمواد، وغيرها من الخدمات المرتبطة ببيئة التعلم الإلكتروني.

ويؤكد الأتربي أن “أي فشل في العملية التعليمية هو مفتاح لتغلغل التيارات الدينية المتعددة داخل المنظومة التعليمية، فإذا تم وضع خطط للتعليم قائمة على الطالب نفسه تجعل منه هو محور العملية التعليمية”. ويعتقد أن وجود مثل هذه التيارات الدينية أو العادات والتقاليد لن يكون له أي تأثير خاصة مع المهارات التكنولوجية التي أصبح يمتلكها هذا الجيل والتي تيسر له سبل الوصول إلى المعلومة بسهولة.

12