أنغام العيوجية وحربها لحفظ الهوية الغنائية المصرية

السبت 2017/09/09
مطربة تتمسك بالأصالة وتقدم صورة عاشقة مختلفة

القاهرة - على مدار تاريخ أنغام الفني والذي بدأته مع أبيها الموسيقار محمد علي سليمان، كانت أنغام بالنسبة إليّ وإلى كثيرين من جيلي هي المعادل لصوت الحب الدافئ الذي جسدته الفنانة القديرة نجاة الصغيرة في مرحلة سابقة لم نعشها، وإن كنا مازلنا مشدودين لها مع أغان ذات طابع يشكّل الغدر بكافة صوره أهم ملامحها، كما أبرزته صورة غدر الحبيبة في أغنية “لا تكذبي” أو نذالة الحبيب كما في “ساكن قصادي”، أو التذلل لهذا الحبيب كما في أغنية “أنا بستناك” أو “متى ستعرف كم أهواك يا أملي”.

كانت نجاة صورة لرومانسية حالمة في كلمات تختارها بعناية وألحان فارقة يغلب عليها الشجن حتى وهي في فرحها كما في مقطع الفرح في أغنية “ساكن قصادي”، وأيضًا في غضبها كما في “أيظن” و”لا تنتقد خجلي” كانت نجاة بيننا لكن لم نعش تجربتها، كنا نستعير تجربتها من أغانيها وأفلامها خاصّة “الشموع السوداء”.

جاءت أنغام الفتاة الرقيقة بارزة الأسنان وقتها لتمثلنا في حبها وهجر المحبوب لها كانت تسبقنا بأعوام قليلة فهي من مواليد 1972، لكن لم تفارق ذهني صورة الطفلة وهي تقف أمام أبيها وتغني معه، عاش الجيل كله مع محمد منير وهو يتغزل بالبنت أم المريلة كحلي، وهي تضمّ شنطتها إلى صدرها، حتى جاءت أنغام لتصدمنا بأغنية “الركن البعيد الهادئ”، في صراعية العلاقة بينها وبين المحبوب، حتى أنها من شدة ولهها به نسيت حساب الأيام والساعات لتحضر في الموعد الخطأ.

حالة أغنية أنغام في الركن البعيد الهادئ هي نفس حالة أغنية “أنا بستناك” لنجاة المُحبِّة التي تنتظر الحبيب، لكن الفارق أن أنغام تنتقل من بين المرايا والسّتائر والشّباك إلى الأماكن التي نجلس عليها، وتشرب من ذات المشروبات ومنها الليمون، لكن الفارق الحقيقي أن حبيب أنغام الذي هو منا استشعر قلبه وذهب والتقاها.

أما نجاة فظلت تنتظر بين شباكها وستائرها وما جاء قط. كان حُبّ نجاة هو الحب المستحيل لأسباب معلومة إما لأنه متزوج أو لأنه شخصية مهمة لا يحقّ له أن يتورط في إظهار محبوبته للعلن، وإن كان لا مانع من اختلاس لحظات الحب سرًّا، أما حبيب أنغام فكان من ذات مواصفاتنا ويشرب أيضًا من نفس الكأس الذي نشربه معبأ، كأس الليمون بقطع الثلج.

كسر العلاقة الفوقية

استطاعت أنغام بعفوية أن تكسر العلاقة الفوقية بين الحبيب والمحبوبة التي كانت سمة غالبة في أغاني أم كلثوم ونجاة الصغيرة، كما كان لكلمات الأغاني التي اعتمدت عليها دليلاً آخر على حالة التماهي معنا فهي من ذات قاموسنا المتداول بعيدًا عن قاموس أم كلثوم ونجاة اللتين تنهلان من تراث شعري رصين تغلب على ألفاظه الصّرامة ومخاطبة النخبة.

أما أنغام فردّتْ علينا كلماتنا المتداولة ببساطة فجاءت عناوين ألبوماتها هكذا “الركن البعيد الهادئ” (1988)، “أوّل جواب أنت العالم” (1992)، “إلا أنا” (1993) و”وحدانية” (1999)، ثم الطفرة في الشكل والأداء في “ليه سبتها” (2001)، و”عمري معاك” وصولا إلى “أحلام بريئة” (2015).

كانت صورة أنغام المسيطرة على الأذهان الفتاة أو الحبيبة المسالمة، لكني اكتشفتُ أنّها عكس هذا تمامًا، ربما بنيت حكمي على وقفتها إلى جوار أبيها وخضوعها الكليّ له، ثم تكرار حديثها عن عمّها عماد عبدالحليم الذي كانت تذكره كثيرًا في حواراتها، حتى عندما تمرّدت على صورة الأب بالمعنى القيمي والفلسفي للكلمة كانت صدمتي كبيرة، ولا أغالي لو قلت إنني فَعَلْتُ قليلاً أو ما يشابه ما فعلتْ ليس مجارة لها أو حتى مجرد تقليد محض وإنما كان ثمة واعز سربته إليّ بحكايتها في تحطيم تابو الأب. أحيانًا كثيرة كنت أجمع بين صورة أبيها المنكسرة وهو يشكو دون ألم، وصورة أبي الصامت في “غُلبه” منّي ومِن تمرُّدي المستمر والذي لم يتوقف عند مرحلة بعينها، عكس أنغام التي كان تمرّدها على أبيها لفترة محددة وإن كانتْ في النهاية عادت إليه.

أنغام تعتبر المطربة الوحيدة التي استطاعت تدمير الصورة التي أرستها نجاة للحبيبة في الأغنية العربية

إلا أنا

علامات تمرّد أنغام تحقّقت على مستوى الواقع بانفصالها عن والدها وخروجها من عباءته وزيجاتها المتعدّدة من والد طفلها مجدي عارف مهندس الصوت، وإن كان هذا الزواج هو بداية الانفصال عن الأب، ثمّ من الموزِّع الكويتي فهد وأخيرًا خروج قسيمة زواج تشير إلى زواجها من الممثل أحمد عز.

في الحقيقة هذه الزيجات كسرت صورة أنغام الفتاة الرقيقة إلى حدّ الهشاشة التي كانت تقف بجوار أبيها وهي تغنّي معه “يا أطيب قلب” في دويتو شهير بصورة أنغام الأولى قبل حالات التمرد والإحلالات التي أحلّت على جسدها كنوع من التمرد على نسق الطبيعة وأيضًا النسق الأبوي.

كان الدويتو أبويا خالصًا إلا أننا جرفناه إلى معنى يتلاءم مع حالات العشق التي تورطنا فيها بإرادة أو بغير إرادة. في لحظة فارقة اكتشفنا أنغام أخرى تكتمل فيها معالم الأنوثة والشقاوة وهو ما زحزح مكانتها من الصورة الذهنية، إلى صورة أخرى قابلة تكشف عن تنمر وقدرة على التحدي.

صارت أنغام أخرى في كل شيء؛ في التمرّد على شعرها الطويل وأيضًا على أسنانها. وهذا التمرد حملت جيناته عبر الصورة الأخرى التي رسّختها على مستوى أغانيها، فلم تقدم الفتاة المُحبِّة الخاضعة للمحب الذليلة له المنتظرة له في خنوعٍ كما قدم جيل سابق لها كانت كلمات الاستعطاف والمذلة هي خطابه لاستدرار هذا المحب المتكبر في حبه والمتدلل.

لم نرها في أغانيها تتوسَّل للمُحبِّ وإنما تتمرّد على هذا الحبّ وتقف في تحدٍّ، فما أن قرّر الحبيب الرحيل وهجرها حتى سألته في تحدٍّ “سيبك إنت من دموع العين وقولي/خدت إيه في شنطة سفر/أو إيه فاضلي”. وفي “قدرت خلاص” ألغت قاموس التوسّل أو التذلل الذي كان طاغيًا على أغاني نجاة، واستبدلته بشخصية امرأة قوية لا تتوسل إليه، بقدر ما تصدمه بالحقيقة هكذا تقول له “وقدرت خلاص تبعد عني/بكره تشوف إنت إلّي هتيجي وتقولي اعملي معروف/وسعتها هسمحك يا حبيبي/أنا لازم أسمحك يا حبيبي/ أنا ما يخلصني إنك تيجي وترجع مكسوف”.

التحدي الحقيقي لأنغام كان في “إلا أنا” حيث تُخاطبه بشموخ ورفعة ومعرفة بقدر ذاتها “تزعل من الناس كلها إلا أنا/تبعد عن الناس كلها إلا أنا”. كان لجينات التمرد عامل مهم في تحديد علاقتها مع المحبِّ بهذا الشكل فلم تسمح له بتجاوزها، لكن كطبيعة الفتاة المصرية والشرقية عمومًا كانت تستجيب للتقاليد والأنساق فمع قساوتها عليه إلا أنها في النهاية كانت تخضع للحبّ، لكن ليس خضوع المذل كما هو عند نجاة التي تكون في حيرة إذا جاء إليها وتسأل “ماذا أقول له لو جاء يسألني إن كنت أكرهه أو كنت أهواه”، وتارة أخرى الضعف الذي وصل إلى الاستسلام فتقول “حتى الأمل مبقاش من حقي أفكّر بيه، بعد الليلادي بقى غيري أولى بيه”، وإنما هو اعتراف بالحبّ لكنها تريد أن تكون في حُبّها شامخة، فهي وهج حبها تقول له “وبحبك سلمتك أمري ولو بإيدي يعني أوهبلك كل سنين عمري» لكنها لا تقبل التهميش أو الغدر منه.

الجيل كله عاش مع منير وهو يتغزل بالبنت “أم المريلة كحلي”، حتى جاءت أنغام لتصدمه بـ“الركن البعيد الهادئ”

معادلة صعبة شكّلت بها أنغام إطار علاقتها بالمحبوب وصلت إلى تضييق الخناق حوله حتى أنك تشعر بأنها طوت صفحة هذا الحبيب للأبد دون أن تذرف الدموع، وفي الوقت ذاته تبحث عن النقاط المضيئة في علاقتهما، عكس نجاة التي راحت تناجي مرآتها وكأنها تنوح وتولول من بعده “مرايتي قوليلي يا مرايتي/حبيبي مجاش لدلوقت/وفاتني لوحدتي” حتى تصل إلى أن تتحسّر على روحها.

في فترة حميد الشاعري وعلي حميدة وأغاني الإيقاع السريع امتثلت أنغام للموجة وقدمت أغنية “لالي لالي” على ذات الرتم الصارخ في العام 1988، ومع الإيقاع الصاخب الذي لا يُناسب حالة أنغام، لكن أنغام بمساحة الشجن التي في صوتها أعطت لها مذاقًا آخر، الغريب أن ملحّن الأغنية كان والدها محمد علي سليمان، وبالطبع الكلمات لخيري فؤاد.

في إحدى حفلاتها على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، غنت أنغام أغنية “أكتبلك تعهّد” من ألبومها الجديد، الكلّ لاحظ حبسها لدموعها وهي تشدو بأغنيتها، كانت أنغام تقدّم لأوّل مرة حالة المحبوبة التي سئمت وملّت من المحبوب، فتطالبه بأن يعتقها، وكأن العيش مع هذا المحبوب الذي لم يُحسن العشرة أصبح مستحيلا، وهو ما يعكس تغييرا في مفهوم الحبيب الذي “يدلّع” ويقول كلمات خادعة.

كانت أنغام تُدرك أنها لم تعد المحبوبة التي من السّهل الضحك عليها أو التي تغزل أوهامًا، بل على العكس تمامًا كانت تُدرك معنى أن يصون المحب محبوبته لذا قالتها صراحة وتدخل في مساومة لتخلص من ربقته “ممكن تسيبني أشتري عمري اللي باقي؟ قول بكام”.

ما الذي كانت تنشده أنغام وما الذي تغيّر بعد رحلة فنيّة طويلة امتدت منذ طفولتها إلى العقد الرابع الذي ترفل فيه. كان النضج الذي يظهر كل يوم في اختياراتها لأغانيها والألوان التي تقدمها. لكن المعنى الآخر من هذه المساومة التي تُرجمت في وميض عينيها وهي على خشبة المسرح أنها كانت تبحث عن الخلاص، ربما حالة الخلاص التي عبّرت عنها أنغام هي حالة عامة الكل يبحث عنها، لذا كانت الأغنية الأكثر مشاهدة عند عرضها، الكل وصل إلى حالة من الجدب والموات ويبحث عن خلاصه.

الغريب أن حالة الفرار من هذا المحب سبقتها حالة من الوحدة التي مرت بها أنغام وعبّرت عنها منذ البداية، ففي “شنطة سفر” تستشعر هذه الوحدة فتخاطبه “لسه ناوي ع الرحيل؟/تفتكر ملهوش بديل/أعمل إيه؟/أعمل إيه في الوحدة وإنت مش هنا؟/أعمل إيه؟/ومنين أجيب صبر”.

أنغام الفتاة الرقيقة بارزة الأسنان هبطت علينا لتمثلنا في حبها وهجر المحبوب لها، ويصعب أن تفارق الذهن صورة الطفلة وهي تقف أمام أبيها وتغني معه

الصعب الذي تغنيه أنغام

أنغام اليوم جديدة في كلّ شيء في كلماتها وألحانها وأيضًا وتوزيعها، وأيضًا في الكورال الذي كان يردّد خلفها كوبليه “خايله لحديت فروق راسك يا عيوجيه”، كلمات الأغنية من التراث كما يبدو وتصوّر حالة فتاة جميلة وثرية، وإذا تقدم لها شخص يبذل الغالي والنفيس تكريمًا لها بتقديم المهر الغالي “الرشرش” وهو بمثابة النيشان الذي يقدم للعروس وإن كان هنا من الذهب.

ورغم ما يظهر من حالة البذخ التي ترفل فيها الفتاة إلا أن الحقيقة عكس ذلك، فما يراه الناس من ملابس كما صوّرت الأغنية “وإن كان عليّا مالبس سوا اللي يداري هميّ” لأنها ببساطة “دانا وحدانية ما مسح دموعي غير طرف كمي”.

ستظل أنغام واحدة من المطربات المصريات فقد حافظت على مصرية الأغنية وأصالة الصوت بغض النظر عن حالات نزقها التي أحببتها كثيرًا وكرهتها أكثر في مواضع مختلفة. ولكن ستبقى صورتها بالفستان الأزرق واحدة من الصور التي جمعتها مع أنجلينا جولي وكيت ميدلتون دوقة كمبريدج، وقد أظهرن جميعهن جماليات الأزرق اللازوردي.

14