أنفاق غزة.. شريان الحياة لفلسطينيي القطاع تسبب في قطعه الإخوان

الجمعة 2013/10/04
"جيش البطالة" يتزايد في غزة بعد تدمير الأنفاق

غزّة- على باب منزله المتواضع في مخيم رفح جنوب قطاع غزة، يجلس الشاب الثلاثيني خالد أحمد يلعب الطاولة مع صديقه جمال الشاعر، بعد أن وجدا نفسيهما بلا عمل إثر تدمير القوات المصرية مئات الأنفاق أسفل الحدود المشتركة.

وقال أحمد « كنت أجهد نفسي رغم مشقة العمل وخطورته في الأنفاق لأطعم أطفالي الثلاثة، غير أن إغلاق الأنفاق أعادني إلى دوامة البطالة، ولا أدري إلى متى سيستمر هذا التعطيل هذه المرة». أما صديقه جمال فقال إنهما يقضيان نهارهما في التجول ولعب الطاولة هربا من طلبات أفراد أسرتيهما من احتياجات أساسية.

خالد وجمال نموذج لآلاف العمال الفلسطينيين في غزة الذين انضموا إلى سوق البطالة وتوقف مصدر دخلهم بعد التدمير الواسع للأنفاق التي كانت منتشرة أسفل الحدود بين رفح الفلسطينية والمصرية، وكانت تستوعب آلاف العمال.

وتعد الأنفاق بين قطاع غزة ومصر قضية شائكة متعددة الأبعاد. فبينما تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة وسيلة إمداد لوجيستي حيوية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، والفصائل الفلسطينية الأخرى، يعتبرها أهالي قطاع غزة المحاصر منفذا مهما لتزويدهم بسلع أساسية يحتاجونها. وبين الرأي ونقيضه فإن الأنفاق تمثل بالنسبة إلى أصحابها ومن يعمل في مجالها مهنة ووسيلة لكسب عيش، ولكنها أيضا طريقة مناسبة للاغتناء ليس فقط باحتكار توريد السلع الاستهلاكية للمواطنين في القطاع.

حماس تواجه أزمة في ظل الحملة المصرية على الأنفاق
غزّة- تشعر حركة حماس بالضغط من جانب الجيش المصري في ظل حملة تستهدف الأنفاق الحدودية التي كانت يوما ما بمثابة شريان الحياة لتلك الحركة التي تسيطر على قطاع غزة المحتلّ.

وكثف الجيش المصري حملته الرامية إلى تدمير مئات الأنفاق الحدودية المستخدمة في تهريب كل شيء من المواد الغذائية إلى الماشية والبنزين والأسلحة، وذلك بعد عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في تموز- يوليو.

وتجمع حماس، ذراع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، الضرائب على السلع المهربة لتمويل أنشطة حكومتها في غزة وتستخدم الأنفاق كوسيلة للتحايل على الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع الساحلي الذي يتخبط في الفقر ويأوي 7، 1 مليون فلسطيني.

ويقول طارق لبد، مدير العلاقات العامة في وزارة الاقتصاد التي تديرها حماس: «أكثر من 90 ٪ من الأنفاق توقفت عن العمل». وذكرت الأمم المتحدة في تقرير الأسبوع الماضي أن نحو 10 أنفاق تهريب يعتقد أنها تعمل مقابل نحو 300 نفق في حزيران-يونيو.

في عهد الرئيس المصري الإخواني، محمد مرسي، دعيت قيادات حماس إلى القصر الرئاسي في القاهرة للمرة الأولى على الإطلاق، وكانت الحدود بين مصر وغزة مفتوحة في الغالب للسماح بتدفق الأشخاص والسلع. لكن ذلك تغير بعد عزل مرسي وقيام الجيش بحملة شرسة ضد الإسلاميين.

وكانت إسرائيل قد فرضت حصارا على غزة في 2006 ردا على خطف جندي إسرائيلي على أيدي مسلحين تابعين لحماس، وظل في غزة لمدة خمسة أعوام. وخفف الاحتلال الإسرائيلي من حصاره على القطاع بعدما تم إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط في 2011 مقابل المئات من الفلسطينيين المحتجزين في سجون إسرائيلية. وسمح الشهر الماضي، للمرة الأولى في ستة أعوام، بدخول 70 شاحنة من مواد البناء للمشروعات الخاصة إلى غزة، لكن ذلك لا يكفي لتلبية الاحتياجات.

وقال شادي البهتيني وهو عامل بناء من مدينة غزة: «كنا نعتمد خلال الستة أعوام الماضية على الحصول على مواد البناء من مصر عبر أنفاق التهريب». وقد توقف نحو ثلثي مشروعات الإنشاء على الأقل، أما النسبة الباقية فتستخدم المواد الخام الباقية في غزة أو المواد الإسرائيلية الأغلى ثمنا.

ويقول محمد شويخ، وهو عامل إنشاءات: «منذ نهاية حزيران وحتى الآن، لا أجد عملا بسبب النقص الشديد في مواد البناء الخام خاصة الأسمنت». وأوضح أن معظم عمال الإنشاءات دون عمل، معربا عن أمله في أن يؤدي استيراد تلك المواد من إسرائيل، رغم ارتفاع ثمنها، إلى تحسين الموقف.

وتشبه منظمة الأمم المتحدة في تقرير لها الأنفاق التي تربط بين مصر وقطاع غزة بشريان الحياة لنحو مليون ونصف المليون من السكان الفلسطينيين، بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم. وأضافت المنظمة الدولية أن هذه الأنفاق قد ازدهرت وتحولت إلى قطاع اقتصادي قائم بحد ذاته. وأشار التقرير إلى أن الأنفاق باتت تشكّل مصدر رزق لآلاف الفلسطينيين، بعضهم يشارك في أعمال البناء والبعض الآخر يعمل في بيع السلع وشرائها.

ووفقا لتقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» فإن الجيش المصري دمر قرابة 300 نفق أسفل الحدود مع قطاع غزة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ولم يتبق قيد العمل سوى 10 أنفاق فقط. وبدأت الحملة المصرية الواسعة على الأنفاق بعد إطاحة الجيش المصري بالرئيس المصري الإخواني، محمد مرسي، كأحد مؤشرات تأزم العلاقة بين حماس الحاكمة في غزة والنظام المصري الجديد.

وقال العامل إبراهيم إنه كان يعمل في الأنفاق ويتقاضى أجراً يبلغ 80 شيكلا يوميا (3.5 دولارات ) تمثل دخله الوحيد لإعالة أسرته المكونة من 7 أفراد، لافتاً إلى أنه كان يعمل في نفق مختص بالوقود، وأن العمل توقف تماما.

وأضاف أنه يبحث منذ أسبوعين عن العمل دون جدوى، في ظل ارتفاع أعداد العاطلين أصلا عن العمل. وقال بمرارة «لا أخفيك أني أهرب من منزلي لأني لم أعد قادرا على توفير مستلزمات أسرتي الأساسية».

وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن نسبة البطالة كانت تصل في قطاع غزة إلى 28 بالمئة قبل التطورات الأخيرة، ويعتقد بعض الخبراء أنها ارتفعت إلى 40 بالمئة بعد تدمير الأنفاق والتوقف شبه التام للعمل فيها.

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر بغزة، معين رجب، إن «الاقتصاد في غزة يمر بمرحلة حرجة للغاية، لا سيما بعد تحول إغلاق الأنفاق من الإغلاق الجزئي إلى الكلي، ما ينذر بقطع الشريان الحيوي لغزة «. وأوضح رجب أن «الصعوبة شملت جميع مناحي القطاع من زيادة صفوف العاطلين عن العمل بشكل مباشر من خلال العمل في الأنفاق، أو غير مباشر من خلال العمل في المشاريع التي تقوم على ما يدخل من الأنفاق، وارتفاع أسعار مواد البناء والوقود والسلع الاستهلاكية وتضاؤل حجم الإنتاج والنشاط العقاري وخمول السوق».


جيش من العاطلين


تحولت الأنفاق إلى ظاهرة بارزة وجزء من اقتصاد غزة، عقب فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية عام 2006، واشتداد الحصار إثر انفرادها بحكم القطاع في يونيو – حزيران 2007، حيث تضاعفت أعداد الأنفاق وقدرتها بعض الإحصاءات بنحو 500 نفق يعمل بها نحو 15 ألف عامل.

ويقول رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، نبيل أبو معيلق، إن إغلاق الأنفاق أوجد جيشا من العاطلين يقدر بنحو 30 ألف عامل دفعة واحدة من العاملين في قطاع الإنشاءات، فضلا عن 15 ألفا من العاملين مباشرة في الأنفاق في جلب وتوزيع البضائع.

ورغم التسهيلات المحدودة التي أدخلتها إسرائيل على حركة دخول مواد البناء لغزة، إلا أن رئيس اتحاد المقاولين يقول إن قرار إدخال المواد الإنشائية بنسبة 25 بالمئة من احتياجات القطاع عبر المعابر الإسرائيلية لا يعني مطلقًا إنهاء الحصار، بل هو مجرد «خطوة تسهيلية». وأضاف أن «الاعتماد على مواد البناء الإسرائيلية سيضاعف التكلفة وسيلحق بالمقاولين خسائر كبيرة خاصة أن تكلفة النقل ستزيد نتيجة الاعتماد على المواد البترولية الإسرائيلية والتي تقدر أسعارها بضعف أسعار المواد البترولية المهربة عبر الأنفاق».

وحسب دراسة حديثة عن وزارة الاقتصاد في غزة، فإن 276 ألف عامل مهددون بفقد وظائفهم وأعمالهم جراء إغلاق وتدمير 95 بالمئة من الأنفاق التي كانت تعمل بين مصر والقطاع.

وقال التقرير إنه نتيجة لهذه الظروف تكبدّ الاقتصاد في قطاع غزة خسائر جسيمة، حيث تقدر الخسائر الإنتاجية في جميع القطاعات الاقتصادية خلال الفترة الماضية بعد 30 يونيو بما يقارب 460 مليون دولار طبقا للدراسة.


سوق نشيطة


تعتبر الأنفاق إحدى أهم هذه الوسائل التي تربط القطاع بالعالم.. وقد تطوّرت هذه المعابر السريّة واكتسبت أهدافا جديدة، فلم تعد مخبأ أنصار حركة حماس، وطريقهم لتهريب السلاح، فحسب، بل أصبحت سوقا نشيطة توجد فيها مختلف البضائع بدءا من السلاح مرورا بالمأكولات والبضائع العادية ووصولا إلى تهريب البشر.

وتتراوح الأنفاق في طولها ما بين 100 متر وكيلو متر، وتنتشر على كامل القطاع المحاصر، ومثلما يصعب تحديد عددها يصعب تحديد مواقعها أيضا، فهي تبدأ وتنتهي في أماكن غير اعتيادية تحت بلاط الأرضيات في المطابخ وداخل خزانات غرف النوم أو في حظائر الماشية أو في زوايا البنايات المهجورة. والأشخاص الذين يسمحون بأن يتم استخدام مساكنهم للأنفاق يتقاضون مبلغا مقابل ذلك.

وإذا كانت الغاية من بناء الأنفاق في البداية سياسية عسكرية فإنها باتت ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى سكان غزة الذين لا تعنيهم تجارة الأسلحة بقدر ما يبحثون عما تستمر به الحياة، لاسيما بعد أن أصبحت منطقة الحدود مغلقة منذ أن تولت حركة حماس السلطة في حزيران- يونيو عام 2007، فكانت الأنفاق السبيل الوحيدة للحياة وتوفير الغذاء والدواء، وحتى طريقا للبعثات السياسية.

تحوّلت الأنفاق من مجرد حفرة إلى ثقافة شعب صنعتها ظروف الاحتلال وحوّلتها إلى «سوبر ماركت» تنشط فيه التجارة بكثرة.. ويعتبرها سكان الأرض المحتلّة شريان الحياة الذي تسبّب الإخوان في قطعه بسبب علاقتهم بحركة حماس المسيطرة على القطاع والمتهمة بالتدخل في الشأن المصري الداخلي.

7