أنقاض الجسد والعقل في رائعة بيكيت السيريالية "أيام سعيدة"

الأحد 2015/03/15
بيكت شاعر الاستعارات التهكمية الكبرى في المسرح

خمسون عاما تقريبا مرت على "أيام سعيدة" هذه التحفة الوجودية للكاتب الأيرلندي صامويل بيكيت، خمسون عاما على معاناة ربة منزل قادرة على إطلاق الأنفاس رغم ما يغشاها من ركام جسدي وعقلي، عقود ولا تزال تبث فينا على مسرح يونج فيك اللندني تساميا أقرب إلى التجارب الروحية ورواقية مستسلمة منبعها بطلة مبتهجة تعتليها الأنقاض.

إن شخصية ويني هي ذروة أية ممثلة، المعادل النسائي لهاملت، وتعدّ من أصعب الأدوار، الرجالية والنسائية، على مسرح العبث. ومثلما خاطر بيكيت، أستاذ التقمص العاطفي، بالاستعانة بممثليْن لا غير في مسرحيته “في انتظار غودو”، ضيّق في الظاهر أدواته بالاتكال على امرأة واحدة في عرض يكاد يبدو منفردا.

قد تتراءى المشاهد متقلصة على مستوى المكان والزمان، إذ نعايش في خلال يومين لا غير بطلة غارقة حتى خصرها في الحطام، ولكن جولييت ستيفينسون الحاصلة على لقب قائدة الإمبراطورية البريطانية والمتألقة في دور ويني تلغي من وجداننا هذا القصور، وبالضربة القاضية تتغلب بعبقريتها على البريطانية بيللي ويتلو التي برعت من قبل في الدور نفسه، وبهذيانها المهتاج تمثّل جوهر الحالة الإنسانية المتقوّضة لا محالة في سبيلها إلى اللّحْد.


ساعتان تراجوكوميدتان


وخلال ساعتين من مشاهد كوميدية، وأخرى تراجيدية، يخالجنا شعور ضار باليأس خليق بمسرحيات إسخيلوس بينما يغوص النص في تأمل موحش لانعزال البشر. لا تتحرك الرحلة قيد أنملة، وفي أثناء تدميرها للبطلة -وكذا للمتفرج- نتعرف على أيام الفناء الأخيرة. تردد ويني في أزمتها عبارات تسعدها، تخوض في شعائر يومية لا تقهر كي تحس بنبض الحياة.

النص محبوك النسيج بثراء مفعم بالشفقة والرثاء، لا كلمة ضائعة أو دقيقة مهدرة، تسلي البطلة نفسها قائلة، “ابدئي يومك يا ويني”. في العام الماضي دفنت مخرجة العرض البريطانية ناتالي إبراهامي نفسها حية، قالت في حوار صحفي بلسان غير مكترث، “أردت فقط أن أقف على التجربة. الواقع أني شعرت بدفء وراحة متناهيين وكأني جنين”.

مشاهد من العرض المسرحي البيكيتي: نص عبثي ساحر في كل وقت


الجرس هو السيد


بلغت إعدادات المسرح درجة الكمال حين اختار فنان الضوء بول كونستابل أن يغلف الخشبة نور شبيه بنور القمر. أتتنا أصوات صلصلة مثيرة للأعصاب تلاعب بها مهندس الصوت توم جيبونز من وراء الستار، فويني تمتثل صاغرة لأمر صادر من جرس فترخي عينيها وتستغرق في النوم. وإذا جرؤت ونعست خلال النهار، يصدمها الجرس بقعقعته البشعة.

يكاشفنا النص دون مواربة: أن تكون إنسانا هو أن تكون جثة معصوبة العينين، رهينة لجرس، أو ربما جِذْل من شجرة مدفون، وبالكاد تتنفس. تصفع ويني شمس حارقة ملتهبة طيلة اليوم، يوم لا فرق بين نهاره وليله، ويشبهها بيكيت “بطائر يتلطخ ريشه بالزيت”. والبيئة التي تنغرز فيها ما هي إلا صحراء لا تشي بأي دليل على دورة الحياة البشرية.

ولكن ويني لا تلين ولا تتباطأ في التباهي بمرحها، وتجد ما تفعله رغم الورطة، تصلي للمسيح، تغسل أسنانها، أي شيء يسعها تأديته من أجل البقاء. ننزعج من إصرارها على الثرثرة إلى زوجها الكئيب الفظ، ولا يخرج حديثها عن الاستخفاف به والانتقاص من قدره، زوج لا مبال يقوم بدوره على نحو باهت البريطاني ديفيد بيميز.

لا يحيا هو الآخر حياة إنسانية، يقطن في كهف، وقلما تقع أعيننا عليه. نادرا ما يجيب على مونولوجاتها العابثة عدا حين يرسل زمجرة بين الحين والآخر ليطمئنها أنها ليست وحيدة في البرية وأن هناك روحا بشرية لا تزال تتعلق بها، تصفها بأنها “واحدة من النعم العظيمة”. ولو حدث وردّ عليها بجملة، تشع بالسرور والامتنان وينشق وجهها بابتسامة قائلة، “آه، هذا يوم سعيد، إنه يوم آخر سعيد”.

لو اعتقدت أن حياة ويني قاتمة، انتظر وستجدها في الفصل الثاني حتى عنقها في الرمال! تعجز عن تحريك رأسها من جانب إلى الآخر، ينتحب الوجه على خسارة الذراعين والصدر، حتى نظارتها المكبرة وزينتها حرمت منهما، وذكريات الفصل الأول “السعيدة” تخبو من مستنقع وعيها. يرقد مسدس في المسافة الفاصلة بينها وبين ويلي، والسؤال يعذبها، هل تحاول أن تنهي بؤسها؟ لا تقدم على شيء، فغريزة الحيوان المتأصلة فينا تدفعها إلى الحياة.

ولكن بيكيت يسمح لويلي بتدبر فكرة الخلاص. يرتدي في مشهد عبثي زيا رسميا أنيقا، يتسلق نحو ويني، نحو السلاح. وبيكيت، استراتيجي الحبكة اللامع، لا يشفي غليلنا، ولا نقف على القرار. هل بلغ ويلي جانب زوجته؟ هل يقصد المسدس أم يبغي تعزيتها؟ وكما هو حال الدنيا، لا تنغلق الدائرة أبدا ولا تضع القصة أوزارها.

المسرحية لا تتداخل مع أية وشائج معاصرة


قبضة محكمة


يتسلح بيكيت، المسرحي بدرجة شاعر، بالاستعارة والتهكم المرير لخلق عالم لا ينفلت أبدا من قبضته. يعتقد أن التقليد المتعارف عليه الذي يقضي بالتعاون بين الكاتب المسرحي من جانب وبقية العاملين من جانب آخر انتهاكا للكاتب. أراد بيكيت أن يكتفي مخرجو مسرحياته بدور المترجم الحرفي، دون مطمح إلى الاضطلاع بأي دور إضافي.

اشتعل غضبه مخيفا إن خالف المخرج توجيهاته المكتوبة، وفي “أيام سعيدة” تتراوح التعليمات بين الالتزام الصارم بشبه الجمل ونبرات الصوت حتى إن المغامرة بتعديل المسرحية وصل ذات مرة إلى أن جرجر ورثته المخرج إلى قاعات المحاكم! شأنه شأن آلهة خفية أو قوة طبيعية أو جماعة إرهابية ورطت ويني وويلي ليذعنا إلى مصيرهما الأسود، ينهض بيكيت هو الآخر بدور الدكتاتور المطلق.

وهكذا لا تتداخل المسرحية مع أية وشائج معاصرة خشية إهدار نوايا بيكيت الفنية، كيف وبيكيت يصر ألا تحرّك ويني الحقيبة من مكانها وهي تفتش عن زينتها؟! والويل لمن يعترض. تلتزم المخرجة بتعليماته التزاما مبهرا ليتكل العرض كلية على عنصر التمثيل الذي تعالى بستيفينسون إلى قمة الإبداع وإن شعرنا وكأننا نتفرج على لوحة فنية متحفية، فالحوار حقا محفوظ، وكذا كل نفس وكل همسة.

ومع استعارة النص المخيفة المصوّرة لشخصين في منتصف العمر يعانيان خواء وجوديا وصراعا مع الموت، لا يسعنا إلا التماهي مع ديناميكية التحدّي أولا ثم هاوية الاستسلام ثانيا. نراهما يكافحان كالجنود بكل طاقتيهما، يقعان ضحية لمصير قاس لا يستوعبانه ولا يقدران على صدّه.

إنها الإنسانية تتحدّى، خاسرة، عوامل الفناء. وويني، رمز الجلَد في مواجهة ذعر التلاشي، تمرح مرح المحتضر حتى النفس الأخير، والمتفرجون يتلقفهم اليأس والتفاؤل والغضب في عودتها إلى التراب، فيفتشون في دواخلهم على الخلاص والتثبت بالحياة.


إقرأ أيضاً:


كراهية الذات وعقدة الذنب في المسرحية اللندنية "يهود سيئون"

12