أنقرة تدعّم "عاصفة الحزم" إبراء للذمة

الثلاثاء 2015/03/31
أردوغان: إيران تريد أن تجعل المنطقة تحت هيمنتها وسيطرتها، فهل يمكن السماح لها

القاهرة – عدم مشاركة تركيا في العمليات العسكرية والاكتفاء ببيان إبراء الذمّة بشأن مناصرتها لعملية “عاصفة الحزم” يعكس السياسة الانتهازية لتركيا، التي تسعى إلى تحجيم دور حليفتها إيران، في المنطقة عن طريق “التخويف” و”التهويل”، الإعلامي بالخصوص، لمخاطر التمدّد الإيراني في المنطقة العربية، دون أن يكون لها دور مباشر في ذلك، فأنقرة تدرك أن مصالحها مع إيران أكبر من أن يتلاعب بها. وبالتالي يؤكّد باحثون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سقط في أول اختبار، وهو الذي يبحث عن دور قيادي في التحالف السني، الذي تسعى السعودية إلى تشكيله.

بدا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غير مقنع وهو يوجّه الانتقادات إلى إيران، ويدعوها إلى الانسحاب من سوريا والعراق واليمن، وتغيير رؤيتها المذهبية تجاه قضايا المنطقة. واعتبر خبراء أن تصريحاته، الداعمة لـ”عاصفة الحزم”، والتي جاءت بعد ساعات من انطلاق العملية العسكرية في اليمن، ردّ دبلوماسي الغاية منه التقرّب من السعودية، القوة العربية الرئيسية التي تصطفّ خلفها كل الدول العربية، مهما اختلفت توجّهاتها وسياساتها.

ووجّه أردوغان، الخميس الماضي، انتقادات للسياسة الإيرانية في المنطقة، معربا عن دعم بلاده لعملية “عاصفة الحزم”. وقال إن “إيران تسعى إلى الهيمنة على المنطقة”، و”عليها الانسحاب من سوريا والعراق واليمن وتغيير رؤيتها المذهبية تجاه قضايا المنطقة”.

وبالتوازي مع التصريحات الرئاسية، اشتغلت الآلة الإعلامية التركية، لتسوّق لنفس الفكرة، عبر تحليلات تؤيّد عملية “عاصفة الحزم”، وتصريحات خبراء تؤكّد على أهمية وضع حدّ للاستفزازات الإيرانية في المنطقة. وأوضح خبراء في تقييمهم لعملية “عاصفة الحزم” أن الدعم التركي للعملية ليس موقفا مذهبيا، مشيرين إلى أنه نتيجة لمطلب إعادة الاستقرار والتوازن في المنطقة.

وفي سياق تصريحاته، تساءل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال مؤتمر صحفي، عقده في أنقرة بعد ساعات من انطلاق علمية “عاصفة الحزم”، “إيران تبدو وكأنها تريد أن تجعل المنطقة تحت هيمنتها وسيطرتها، فهل يمكن السماح لها بذلك؟”.

محمد عبدالقادر خليل: تركيا تتبع إستراتيجية انتظر وراقب لتضمن مصالحها مع جميع القوى

يحمل هذا التساؤل في جوهره، وفق الخبراء، حقيقة السياسة التركية، التي تعتمد على التخويف والتهويل من مخاطر التمدّد الإيراني، وذلك في محاولة لتعبئة العرب ضدّ طهران، دون أن تظهر هي في الصورة. وهذا ما أكّد عليه نشأت الديهي، الخبير في الشؤون التركية، في تصريح لــ”العرب”، قال فيه إن إعلان أنقرة تقديم الدعم لعملية عاصفة الحزم لوقف تمدد الحوثيين، مجرد محاولة لدغدغة مشاعر الشعوب العربية، ومحاولة الإيحاء بخصومتها الشديدة لإيران.

ويرى مصطفى زهران، باحث متخصص في شؤون العلاقات الإقليمية، تدفع الأخطار التي يشهدها العالم العربي، بدءا من التمدد الإيراني والدفع بأنصار الله في اليمن، مرورا بالتواجد العسكري الإيراني في سوريا وخطر داعش، إلى ارتباك في المشهد السياسي، تركيا إلى إعلان التحالف مع "عاصفة الحزم" والتي تشارك فيها نحو عشر دول عربية وإسلامية.

وأضاف أن الرياض تسعى إلى وجود تحالف سني قوي، وهي رغبة دفينة تريد تركيا تحقيقها ليكون لها موطئ قدم راسخ في الشرق الأوسط، موضحا أن الدعم التركي للعملية ليس موقفا مذهبيا فقط، بل هو مطلب محوري لنفوذها في المنطقة.

واستبعد محمد عباس ناجي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية لـ”العرب”، التدخل التركي بشكل مباشر في اليمن، رغم التصريحات الرسمية الصادرة عن الرئيس التركي ووزارة الخارجية، التي توحي بأن تركيا مستعدّة لتقديم كلّ الدعم لتحالف “عاصمة الحزم”.

لكن، محمد عبدالقادر خليل، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، اعتبر أن موقف تركيا من عملية “عاصفة الحزم”، ليس سوى إبراء ذمّة، وبدا شكليا وليس عمليا.

ثلاثة سيناريوهات لأزمة اليمن
واشنطن - عرض خبير أميركي لـ3 سيناريوهات لضربات “عاصفة الحزم”، التي يشنها تحالف عربي بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن بينها “إضعاف الحوثيين عن طريق إشراك قوة داخلية، على غرار تسليح القبائل”.

فيما رأى خبير آخر أنه حتى وإن تمكنت الغارات الجوية من إخراج الحوثيين من المدن التي يسيطرون عليها الآن، فالسؤال هو من سيملأ الفراغ الذي يخلفونه؟

في إجابته عن هذا السؤال، توقع محمد إبراهيم المصبح، الخبير والمراقب لشؤون اليمن، أنه “ستكون هنالك في النهاية، حاجة لقوات برية” إلا أنه لا يمكن الاعتماد في هذا الشأن على الجيش اليمني بسبب انقسامه بين أطراف الصراع.

واستبعد أن تنضم “القوات الداعمة لأحمد نجل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في وقت ما إلى القوات الخارجية (عاصفة الحزم) ضد الحوثيين”.

وتوقع المصبح أن تقود “عاصفة الحزم” إلى واحد من بين 3 سيناريوهات:

◄ الأول، أن يستمر الصراع لعدة سنوات بالنظر للكم الهائل من الأسلحة التي حصل عليها الحوثيون بعد سيطرتهم على العاصمة (صنعاء)، وأغلب البلاد لكنه سينتهي بانتصار التحالف لكونه يمتلك الكثير من الأسلحة المتطورة بيد أن ذلك سيستغرق سنين طويلة قبل أن يتحقق“.

◄ الثاني، سيكون “بإضعاف الحوثيين عن طريق إشراك قوة داخلية، على غرار تسليح قبائل مأرب (شرقي صنعاء) في اليمن، وهو ما قد يؤدي إلى الاقتتال الداخلي، والحرب الأهلية، ويسقط البلاد في الفوضى والصراعات“.

◄ السيناريو الثالث، أن “تدفع الغارات الجوية، الحوثيين إلى الحوار والتفاوض بدعم من الأمم المتحدة، والقوى الإقليمية والمجتمع الدولي، ليستمر الحوار حيث توقف”.

وحلّل خليل في دراسة له، صدرت عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، كيف أن البيان الذي أصدرته الخارجية التركية، بعد 12 ساعة من انطلاق عملية “عاصفة الحزم” يعكس تلكّؤ أنقرة في الإعلان عن موقفها من العملية، وهي التي قالت إن “السعودية أعلمتها بتفاصيل العملية قبل انطلاقها”.

وكتب محمد خليل تحت عنوان “إبراء ذمة”، كان من المستغرب عدم مشاركة تركيا في “عاصفة الحزم”، وهي التي تسعى إلى تحسين العلاقات السياسية والأمنية مع السعودية.

ومن المثير للاستغراب والشكوك، حول حقيقة تصريحات تركيا، الداعمة لعملية “عاصفة الحزم”، أنه كان من المفروض لتركيا، التي تروّج لنفسها باعتبارها قوة سنيّة دولية، أن تشارك إلى جانب عشر دول عربية وإسلامية، من بينها باكستان، بأدوار مختلفة في مواجهة التمدّد الحوثي. لكن تركيا، وفق دراسة محمد عبدالقادر خليل، غابت عن هذا التحالف، بما يجعلها أشبه بالشريك في المكاسب الغائب عند المغارم، فيما يمكن تعريفه سياسيا بـ”الانتهازية التركية”، التي تحضر وقت تصاعد التهديدات وتغيب لحظة المبادرة بمواجهتها.

تفسير الارتباك

أسباب موقف أنقرة الانتهازي والمرتبك، من عملية “عاصفة الحزم”، وفق دراسة محمد عبدالقادر خليل، عديدة، ويمكن إرجاعها إلى:

◄ طبيعة العلاقات التركية- الإيرانية: على الرغم من محاولة بعض الدول الخليجية تحسين العلاقات مع تركيا لتدشين “محور سني” في مواجهة طهران، غير أن هذا غير ممكن بسبب النفوذ الإيراني في المؤسسات الأمنية التركية والعلاقات الاقتصادية مع طهران، هذا بالإضافة إلى أن هناك شبه اتفاق تركي- إيراني على حدود التصعيد المتبادل بشأن قضايا الخلاف، فإيران تدعم بشار الأسد، ومع ذلك لم يرَ أردوغان مانعا في أن يدلي بتصريح مثير عندما زار إيران العام الماضي حيث قال “إيران هي بيتي الثاني”، ومن المنتظر أن يزور أردوغان إيران هذا العام أيضا.

◄ نمط التعاطي مع التهديدات الأمنية: كان من الواضح أن إستراتيجية تركيا حيال التهديدات الإقليمية التي تواجهها هي ذاتها أو تلك التي تواجه بعض القوى الإقليمية الأخرى، تقوم على تأجيل المخاطر لا على إنهائها، كما أنها تتبع ذات التكتيكات الإيرانية التي تقوم على بناء النفوذ ودعم التقسيمات العرقية والطائفية في المنطقة، بما يجعلها بمنأى عن مواجهة سياسات هي ذاتها تتبناها.

◄ الموقف من التحالفات العسكرية: تركيا لم تشارك عسكريا في التحالف الدولي لإسقاط صدام حسين عام 2003، ولكنها دعمت بعد ذلك تنظيمات إسلامية متطرفة، كما أنها تكاد تكون الدولة الإقليمية الرئيسية عبر الإقليم التي لم تشارك في التحالف الدولي– الإقليمي لمواجهة تنظيم داعش في سوريا والعراق، سواء من خلال طلعات جوية أو من خلال فتح قواعدها العسكرية أمام دول حلف الناتو، واستعاضت عن ذلك بدعم التيارات التركمانية وتيارات متطرفة عبر الإقليم.

◄ التخوف من التحالفات الأمنية العربية: شهدت الساحة العربية تطورات ملموسة نقلت العمل العربي المشترك من مأزقه التاريخي كأسير لسياسات رد الفعل إلى إستراتيجيات المبادرة، اتضح ذلك من خلال ضربات مصرية لتنظيمات متطرفة في ليبيا بغطاء سياسي من الدول العربية، هذا بالإضافة إلى تبلور تعاون عسكري عربي متصاعد جسده مؤخرا عدد غير مسبوق من المناورات العسكرية بين كل من مصر والسعودية والإمارات.

قوات الأمن التركية تؤمن مظاهرة في أنقرة ضد العملية العسكرية في اليمن

وقد يزيد ذلك من مخاوف تركيا من أن تشكل هذه التطورات، بالإضافة إلى العمليات العسكرية العربية في اليمن، المنطلق الذي يجعل مقاربة مصر لتشكيل قوات عسكرية مشتركة واقعا عمليا بمقتضى التطورات على أرض العمليات، خصوصا بعد موافقة وزراء الخارجية العرب على قرار بهذا الخصوص، وهو ما يحد من الدور الإقليمي لتركيا، الذي تأسس على أنقاذ فراغ القوة الإقليمي، الذي ارتبط بحالة التشتت العربي والافتقاد لأجندة الحد الأدنى لتنسيق المواقف حيال ملفات التوتر في الإقليم.

◄ القلق من التحول في توجهات الحلفاء: بدا واضحا أن ثمة تحولات في علاقات بعض حلفاء تركيا التقليدين، حيث شاركت قطر في العمليات العسكرية كما أعلنت السودان عن إغلاق كافة المكاتب الإيرانية فيها وأعلنت كذلك مشاركتها في التحالف العربي الإسلامي لمواجهة الانقلاب الحوثي في اليمن، وهو أمر يقلل من هامش المناورة التركية، لتبدو معزولة إقليميا كونها من القلة القليلة التي لم تشارك في العمليات العسكرية. وقد سبقت ذلك تحولات ملموسة في مسار العلاقات المصرية السودانية، وهناك حديث عن جهود مبذولة لتوفير أجواء مناسبة لتحسين العلاقات المصرية مع قطر، بفعل جهود سعودية تعي قدرة مصر وأهمية دعم ومساندة دورها الإقليمي الداعي إلى الاستقرار في مواجهة القوى الداعمة لتيارات العنف والتطرف.

◄ الخشية من التداعيات الاقتصادية: المتابع لطبيعة السياسات التركية بشأن التعاطي مع ملفات الإقليم الملتهبة وبالتحديد في المناطق القريبة من منطقة الخليج العربي، يجد أن الدافع الأساسي لها المحركات الاقتصادية، بما يجعل تركيا في حقيقة الأمر رغم بيانها بشأن “عاصفة الحزم” قلقة من مسار التفاعلات في الإقليم، وذلك لكونها قد تؤثر على أسعار النفط عالميا، وكذلك تراجع معدلات السياحة العربية في تركيا، فمن ناحية تمثل قيمة واردات النفط التركية ثلثي العجز في ميزانها التجاري، فيما تشكل عائدات السياحة أهم بند في تغطية هذا العجز.

◄ الانتخابات البرلمانية: تشهد تركيا في الوقت الراهن نمطا غير مسبوق من التوترات السياسية بسبب الصراعات المتصاعدة داخل الحزب الحاكم، فضلا عن تطورات العملية السياسية مع الأكراد، هذا بالإضافة إلى مواقف الأتراك من أي مشاركة تركية في عملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن. ويأتي ذلك في ظل الاستعداد التركي للانتخابات البرلمانية في يوليو المقبل وفي ظل المؤشرات التي تعكس تراجع شعبية حزب العادلة والتنمية في الأوساط التركية.

توازنات مستجدة

يؤكّد محمد خليل في دراسته للحسابات التركية من عملية “عاصفة الحزم” ما ذهب إليه خبراء آخرون، أكّدوا بدورهم في تصريحات لـ”العرب” أن تركيا لا تتحرك إلا سعيا وراء أهدافها فقط، دون النظر إلى مصالح المنطقة.

وقال خليل إن عدم مشاركة أنقرة في العمليات العسكرية والاكتفاء ببيان إبراء الذمة يوضح أن التصريحات التركية المختلفة بشأن مناصرتها للعملية الديمقراطية والحكومات الشرعية في دول المنطقة ليست موجهة إلا للاستهلاك المحلي، فحينما وضعت في الاختبار لم تعلن مشاركة فعلية في مواجهة القوى التي تسعى إلى الانقلاب على شرعية الرئيس اليمني. ويبدو واضحا أن تركيا ستظل تتبع إستراتيجية “انتظر وراقب”، لتضمن مصالحها مع جميع القوى المتصارعة بما فيها إيران ذاتها.

والتداعيات الرئيسية لذلك قد تزيد من عزلة تركيا، التي ستدفعها أكثر نحو إيران، فما يجمعهما أكثر مما يفرّقهما. وكلاهما يلهث وراء إحياء امبراطوريته. تركيا وإيران تعلمان أن ما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، وهما وإن تشاركتا في الهدف؛ إلا أنهما تختلفان في سياسة تطبيقه؛ فتركيا تطمح إلى أن تكون عاصمة “العالم السني” في المقابل ترى إيران في نفسها زعيمة “العالم الشيعي” وممثلته الوحيدة. وكلا النظرتين تخفيان مطامع كثيرة في الشرق الأوسط ورغبة قوية في منافسة مكانة المملكة العربية السعودية في المنطقة.

7