أنقرة تستثمر في سياسات الخرطوم المتخبطة

لفت توقيت زيارة الرئيس التركي إلى الخرطوم أنظار المحللين الذين اعتبر بعضهم أن أردوغان أراد استغلال حالة الفتور التي بدأت تظهر في العلاقة بين الرئيس عمر البشر ودول خليجية وازنة من جهة وقبلها قطعه للعلاقة مع إيران، لكسبه كحليف استراتيجي خاصة وأنه يرى في السودان بوابة مهمة لمد نفوذ تركيا في القارة الأفريقية.
الثلاثاء 2017/12/26
براغماتية يعوزها بعد النظر

الخرطوم - شكلت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السودان أهمية كبرى باعتبارها أول زيارة لرئيس تركي إلى هذا البلد العربي منذ استقلاله في العام 1956، فضلا عما تضمنته من توقيع على إنشاء مجلس للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، إلى جانب اتفاقيات اقتصادية وعسكرية.

وشهدت العلاقات التركية السودانية منذ تولي حزب العدالة والتنمية التركي السلطة في العام 2002 نقلة نوعية.

وتقول أوساط دبلوماسية إن التقارب بين النظامين التركي والسوداني أمر طبيعي، حيث أنهما يتبنيان نفس الأيديولوجيا، كما أن لتركيا أطماعا في اختراق العمق العربي وأيضا مد نفوذها في القارة الأفريقية وترى في السودان بوابة لدعم هذا التوجه.

وصرح الرئيس عمر البشير خلال مؤتمر صحافي عقده مع أردوغان بالخرطوم بأن بلاده تنظر إلى “تركيا على أنها آخر معاقل الخلافة الإسلامية”.

وتشير الأوساط الدبلوماسية إلى أن من العوامل التي دفعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القيام بزيارته، التي وصفها المسؤولون السودانيون بـ”التاريخية”، في هذا التوقيت هو رغبته في استثمار السياسات المتخبطة للخرطوم، وحالة الفتور التي بدأت تظهر في علاقاته مع دول المنطقة وخاصة السعودية.

وشهد السودان خلال السنوات الأخيرة تغيرات كبرى على مستوى سياساته الخارجية، حيث أنه وبعد عقود طويلة من العلاقات مع إيران على وجه الخصوص، قام نظام البشير في العام 2014 باستدارة أدهشت في سرعتها الحلفاء قبل الخصوم بإعلان القطيعة مع طهران، والانفتاح على دول الخليج وبخاصة المملكة العربية السعودية.

ويقول مراقبون إن التحول في السياسة السودانية كان منطقيا لجهة أن تقاربه مع إيران كلفه الكثير دون أن يجني منه شيئا، حيث أن طهران حرصت على الاستفادة قدر الإمكان منه سواء كان على الصعيد الاقتصادي وحتى العسكري، دون أن تقدم له على أرض الواقع سوى المزيد من العزلة الدولية.

وأثمرت الاستدارة السودانية نتائج ملموسة لعل من أبرزها أن السعودية والإمارات لعبتا دورا بارزا في رفع الحظر الاقتصادي الأميركي المفروض عليه منذ 1997، والذي يكلفه سنويا خسائر فادحة أثقلت ميزانيته.

ويشير مراقبون إلى أن السودان كان يتوقع من الرياض على وجه الخصوص المزيد من الدعم المالي والدبلوماسي خاصة في القضايا الخلافية مع جارته مصر ومنها قضية حلايب والشلاتين، بيد أن للرياض حسابات أخرى فهي حريصة على احتواء الخرطوم ولكن ليس ذلك على حساب تحالفها مع القاهرة التي تعتبره استراتيجيا.

فتور العلاقة مع دول الخليج فضلا عن خسارته للعلاقة مع إيران يفتحان شهية تركيا لنقلة جديدة في العلاقة مع السودان

وهذا الوضع وفق المحللين دفع الخرطوم إلى كبح اندفاعتها صوب المملكة، وهو ما بدا واضحا في تراجع الزيارات الدبلوماسية للرياض، فضلا عن أنه وخلال الأشهر الأخيرة لا يكاد يترك المسؤولون السودانيون مناسبة دون التأكيد على عمق العلاقة مع قطر التي تواجه مقاطعة من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، جراء دعمها للإرهاب.

ويرى مراقبون أن فتور العلاقة مع دول الخليج فضلا عن خسارته للعلاقة مع إيران يفتحان شهية تركيا لنقلة جديدة في العلاقة مع السودان وهي التي تتسابق والقوى الكبرى على تركيز موطئ قدم ثابت لها في القارة السمراء التي تعتبر سوقا استثمارية كبرى، فضلا عن أنها تضم أهم الممرات البحرية إلى جانب ثرواتها الطبيعية.

وقال محمد عبدالقادر رئيس تحرير دورية شؤون تركية، تصدر في مصر، إن النظام التركي يعمل منذ سنوات على تشكيل جبهة أفريقية عن طريق السودان لخدمة أفكاره الأيديولوجية ومصالحه الاقتصادية.

وترجم ذلك، وفق عبدالقادر، في نمط الزيارات المتتالية عالية المستوى بين تركيا والسودان خلال الفترة الماضية، وأهمها الزيارة الأخيرة للرئيس رجب طيب أردوغان، مصحوبا بـ200 رجل أعمال.

وخلال الزيارة التي لاقت اهتماما إعلاميا كبيرا من وسائل الإعلام السودانية توافق الرئيسان أردوغان والبشير على تشكيل مجلس للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وأعلن الرئيسان أيضا توقيع 12 اتفاقا في المجالات الزراعية والاقتصادية والعسكرية.

وقال أردوغان في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوداني بعد جلسة مباحثات في القصر الجمهوري “تم التوقيع على إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين وسيجتمع مرة واحدة كل عام”.

وأضاف “كما تم التوقيع على اثنتي عشرة اتفاقية في المجالات الزراعية والاقتصادية والعسكرية”. وأوضح أردوغان أن “حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين يبلغ 500 مليون دولار وهذا لا يليق بِنَا ونطمح لزيادته إلى مليار دولار تمهيدا لنصل إلى عشرة مليارات دولار”.

وأكد الرئيس التركي أن “السودان دولة مهمة بالنسبة لنا في علاقاتنا مع القارة الأفريقية التي تم إقرار علاقة استراتيجية معها عام 2005 عندما كنت رئيسا للوزراء”.

ولاقى أردوغان حفاوة لافتة خلال زيارته إلى الخرطوم التي تأتي كمحطة أولى في إطار جولة تمتد إلى 27 ديسمبر الجاري، وتشمل كلا من تونس وتشاد.

ولا يستبعد مراقبون أن يكون هذا الاهتمام السوداني الكبير بزيارة أردوغان يعود إلى رغبة الرئيس عمر البشير في الانضمام إلى محور قيد التشكل الآن بين تركيا وروسيا وإيران، لافتين إلى الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني مؤخرا إلى موسكو، وعروضه المغرية لروسيا بشأن إقامة قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر على أراضيه، وعودة الخطاب المعادي للولايات المتحدة تشي بوجود هذه الرغبة.

ويشير هؤلاء إلى أن السودان رغم حرصه على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، بيد أنه تبقى لديه شكوك في ذلك، خاصة وأن بلوغ هذه المرحلة ليس سهلا فأمامه الكثير لفعله، وقد يصطدم بشروط أميركية يصعب عليه هضمها، وهذا أيضا يجعله يرغب في توسيع دائرة الحلفاء ولم لا حتى إحياء العلاقات مع دول هجرها كإيران.

وكان البشير قد أطلق في الفترة الأخيرة جملة من الرسائل اللافتة تجاه طهران لعل من بينها تصريحه من موسكو بأنه “لا توجد حكمة في أي مواجهة عربية مع إيران.. وأن لا سلام بسوريا دون الأسد (حليف طهران)”.

ويرجح عطية عيسوي الخبير في الشؤون الأفريقية في تصريح لـ”العرب” أن يكون الرئيسان البشير واردوغان قد اتفقا على إنشاء قاعدة عسكرية تركية علي ساحل البحر الأحمر عوضا عن القاعدة التي طرحها الرئيس السوداني على روسيا والتي تبدو الأخيرة مترددة بشأنها. وأنهى أردوغان زيارته الاثنين إلى السودان بجولة في مدينتي بورتسودان وسواكن المطلتين على البحر الأحمر.

2