أنقرة تصعّد مع طهران.. أردوغان خط أحمر

من المثير للاهتمام أن وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية تنتقد بشدة السياسيين الأتراك كلما سنحت لها الفرصة، كما لا يخفي المتشددون مشاعرهم العدوانية ضد تركيا، إلى درجة أن بعضهم قارن سياستها في المنطقة بنظيرتها الإسرائيلية، لكن أنقرة يبدو أنها تتجه نحو التصعيد مع جارتها في مشهد قد يزيد من المشاكل المتفاقمة أصلا في الشرق الأوسط.
السبت 2016/01/09
المتهور يحذر من التهور

رغم المنافسة والخلافات بين تركيا وإيران، وخصوصا حول سوريا وآسيا الوسطى وعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، فقد ساهمت هذه المواضيع الثلاثة في استمرار العلاقات الودية، لكنها تبقى دوما في إطار الهدوء الذي يسبق العاصمة.

وفي خطوة غير متوقعة، اعتبرت أنقرة المساس برئيسها خطا أحمر، حيث استدعت السفير الإيراني وأدانت في رسالة احتجاج شديدة اللهجة ربط وسائل إعلام إيرانية حكومية، بين زيارة أردوغان إلى السعودية مؤخرا، وأحكام الإعدام التي نفذتها الرياض.

وذكر بيان الخارجية التركية، في وقت متأخر الخميس، إن أنقرة طلبت من السفير الإيراني أن تقوم بلاده بوقف الأخبار التي تهاجم الرئيس التركي، وقال إن “التقارير المنشورة تعمل على رسم صورة سلبية له (أردوغان) في أعين الشعب الإيراني”.

ويرى المحللون أن ما حصل يعبر بوضوح عن عمق الأزمة التي يعيشها البلدان، فلم يسبق منذ 2002، أي العام الذي مسك فيه الإسلاميون بزمام الحكم في تركيا، أن بلغت العلاقات بينهما إلى هذا الحد من التقهقر، وبالتالي فإن ذلك قد يفتح الباب على مصراعيه حول إمكانية أن تشهد الفترة القادمة مزيدا من الشد والجذب حيث يتحكم عامل المصلحة الجيواستراتيجية في سياستيهما.

ما حصل يعبر عن عمق الأزمة بين البلدين، فلم يسبق منذ 2002 أن بلغت العلاقات إلى هذا الحد من التقهقر

ولم يرق للإيرانيين ما اعتبره الرئيس التركي، الأربعاء، أن إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، الذي أثار أزمة بين السعودية وايران “شأن داخلي” سعودي، في موقف يتناقض مع موقف حكومة أنقرة التي أعربت، الاثنين، عن أسفها لقرار إعدامه، وهو مؤشر على التذبذب الذي تعيشه تركيا في مواقفها المتغيرة في كل لحظة.

وفي ظل صراع إقليمي تغلب عليه المذهبية والطائفية، بل والطبقية السياسية, منذ عقود، وخصوصا بين الجارين المتحالفين في الظاهر والعدوين في الخفاء فإن المنطقة مقدمة، بحسب المراقبين، على المزيد من التشرذم، لكنهم في الوقت ذاته استبعدوا أي مواجهة عسكرية بين تركيا وإيران.

وليست المرة الأولى التي يحصل فيها توتر بين البلدين، فالشهر الماضي اعترف مسؤولون إيرانيون بأن لديهم أدلة تدين أردوغان وعائلته بتجارة النفط مع تنظيم داعش، فسرها البعض على أنها في إطار الحملة التي تشنها روسيا على أنقرة بسبب إسقاطها لمقاتلة روسية في الأجواء السورية.

لكن تركيا لم تنتظر طويلا للرد على تلك الاتهامات، وقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، حينها إن “سياسات إيران الطائفية خطيرة”، واعترف بأن بلاده تختلف بشدة مع سياسة طهران في سوريا والعراق.

وسبق أن اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسين جابر أنصاري، تركيا بتقديم دعم غير مباشر للتنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق. واعتبر اتهامها لإيران بشراء النفط من تنظيم الدولة عاريا من الصحة.

ومن نواح كثيرة فإن تركيا وإيران متداخلتان مترابطتان بشكل يصعب معه الفصل بينهما أو اتخاذ أي منهما مواقف عدائية ضد الآخر، وهذا التداخل لا يتضح فقط عندما يتعلق الأمر بالمخاوف الأمنية المتبادلة والناجمة حتميا عن الحدود المشتركة، بل يكمن أيضا في النسيج الثقافي الذي يمسك بجدلية العلاقة ويمنعهما من أن تتفككا.

وتنظر تركيا إلى إيران كما ينظر الألمان إلى الروس، فاعلا طبيعيا يجب التعامل معه والسماح له بالقيام بدوره بالتوازي مع توطيد الشراكة السياسية والاقتصادية معه لامتلاك القدرة على التأثير عليه، لا مواجهته بشكل مفتوح دبلوماسيا أو عسكريا.

وتوطدت العلاقات بشكل كبير خلال السنوات الثماني الأولى من حكم العدالة والتنمية، حتى بات الحليفان من أقوى التحالفات الإقيمية، إلا أن الحرب في سوريا بين نظام الأسد المدعوم من طهران والمعارضة المدعومة من أنقرة جعلت الطرفين يعيدان حساباتهما الاستراتيجية.

5