أنقرة تغامر بمعاقبة المصارف الخائفة من الإقراض

هروب إلى الأمام يهدد بانهيار البنوك تحت جبال الديون، وإجبار البنوك على منح قروض جديدة يثير القلق في ظل معاناتها من جبال الديون المتعثرة.
الثلاثاء 2019/08/27
النظام المالي الهش أمام مغامرة جديدة

دخل البنك المركزي التركي هذا الأسبوع في مغامرة غير محسوبة العواقب، تهدف في ظاهرها إلى تشجيع الاقتراض، لكنها قد تعاقب المصارف المترددة بفعل مشاكل النظام المالي، التي يمكن أن تتفاقم إثر انكشافه على القروض المتعثرة.

ويخشى خبراء القطاع المصرفي من أن التنظيم الجديد، الذي يربط متطلبات نسبة احتياطات المصارف بحجم القروض التي تقدمها، قد يقلب المعادلة لصالح البنوك العامة التي تقرض بكثافة دون خوف بفضل دعم وزارة الخزانة.

وقد يضغط تطبيق البنك المركزي لتلك المعايير على البنوك الخاصة للمغامرة بتقديم القروض حتى لو كان ذلك غير مناسب لأوضاعها وهيكلها المالي وميزانياتها.

ويرى محللون أن هذه الخطوة ستكافئ البنوك العامة التي يمكنها تقديم الائتمان بحرية بدعم حكومي، وتعاقب البنوك الخاصة، التي يجب أن تكون أكثر حذرا عند تقديم القروض.

وبموجب القرار، سيكون نمو حجم ائتمان البنوك المعيار الأساسي لنسبة الاحتياطي الإلزامي وسعر الفائدة الذي يدفعه البنك المركزي لتلك الاحتياطيات.

ويرفع القرار سعر الفائدة الممنوح للاحتياطيات الإلزامية في البنك المركزي بالليرة التركية من 13 إلى 15 بالمئة للبنوك التي لديها نمو ائتماني يتراوح بين 10 إلى 20 بالمئة. ولا يمنحها سوى 5 بالمئة إذا لم تتمكن من تحقيق النمو الائتماني، في وقت يصل فيه التضخم إلى 16.7 بالمئة.

 قرار البنك المركزي يدعم البنوك العامة ويحاول ابتزاز البنوك الخاصة
 قرار البنك المركزي يدعم البنوك العامة ويحاول ابتزاز البنوك الخاصة

بعبارة أخرى، يكافئ البنك المركزي المصارف المندفعة في زيادة الإقراض ويعاقب البنوك الحذرة في ظل الأزمات الاقتصادية العميقة. كما يفرض على البنوك التي لا تحقق هدف الإقراض بفرض احتياطي الزامي نسبته 7 بالمئة أي أعلى بنسبة 5 بالمئة من متطلبات البنوك الأخرى.

وبالتزامن مع الترتيب الجديد أعلن البنك المركزي أنه سيضخ 5.4 مليار ليرة تركية (937 مليون دولار) و2.9 مليار دولار نقدا من أجل الإقراض المحتمل.

هناك انخفاض خطير في حجم الائتمان الذي قدمه القطاع المصرفي في تركيا في السنوات الأخيرة، الذي انكمش إلى مستوى سلبي العام الماضي، أي أن البنوك فضلت الابتعاد عن الإقراض، لأنها مثقلة بالفعل بالديون المعدومة والقروض المحفوفة بالمخاطر.

وامتنعت البنوك الخاصة عن المشاركة في حملات القروض منخفضة الفائدة التي أطلقتها الحكومة لأسباب دعائية وانتخابية في السنوات الأخيرة، والتي تركزت في 3 بنوك عامة هي زراعات ووقف وخلق.

أعلن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق قبيل الانتخابات المحلية في مارس عن حزمة قروض بقيمة 25 مليار ليرة وزعها بنك خلق على الشركات الصغيرة والمتوسطة، تبعتها حزمة حوافز ائتمانية لاستثمارات التكنولوجيا الفائقة في يونيو.

وفي عام 2017، شاركت 10 بنوك خاصة في حملة قروض منخفضة الفائدة أدارها صندوق ضمان الائتمان الحكومي، بهدف تحفيز الاقتصاد عن طريق ضمان قروض الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولم يتم سداد العديد من القروض التي قدمتها البنوك خلال الحملة. وأصبحت الميزانية العمومية للبنوك بالتالي مليئة بالقروض المتعثرة، التي أعيد تصنيف الكثير منها على أنها محفوفة بالمخاطر أو باتت عرضة لإجراءات استرداد الديون.

وأدت تلك القروض المتعثرة إلى معاناة البنوك من تراجع قيمة أسهمها وملاءتها المالية، الأمر الذي انعكس في تراجع مصادر الاقتراض الخاصة بها.

كان الخلاف بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ضغط باستمرار من أجل خفض أسعار الفائدة، وإدارة البنك المركزي السابقة التي سعت إلى الحفاظ على أسعار الفائدة مرتفعة، هو القشة الأخيرة بالنسبة لمعظم البنوك، التي خفضت من عروض
الائتمان.

وفور إقالة أردوغان لمحافظ البنك المركزي في يوليو، قام المحافظ الجديد بخفض سعر الفائدة بمقدار 4.25 بالمئة في نفس الشهر، وشاركت البنوك العامة في حملة حكومية لخفض أسعار الفائدة على الرهن العقاري إلى أقل من واحد بالمئة شهريا.

ولم تشارك البنوك الخاصة في الحملة، وفضلت عدم التسرع في خفض أسعار الفائدة.

لكن ورغم خفض أسعار الفائدة على سداد الرهن العقاري، فإن أحدث بيانات معهد الإحصاء التركي تكشف أن مبيعات المنازل استمرت في الانخفاض، حيث هوت بنسبة 17 بالمئة في شهر يوليو.

ولم تصدق الأسواق المالية إعلان البيرق عن وجود أكثر من 34 ألف طلب للحصول على قروض الإسكان منخفضة الفائدة في أسبوع واحد، وأن قيمتها تصل إلى 5.1 مليار ليرة، واعتبرتها مجرد دعاية مخادعة. وبالفعل لم يتم الإعلان عن عدد المتقدمين الذين تم منحهم الائتمان بالفعل.

وكانت نتيجة حملات الإقراض الحكومية المنخفضة الفائدة تبخر الموارد ورؤوس الأموال، التي تحتفظ بها البنوك العامة وتعميق مشاكلها.

وأجبر ذلك وزارة الخزانة على ضخ تمويلات جديدة في 3 بنوك عامة بعد الانتخابات المحلية، حيث قدمت لها 28 مليار ليرة ومولت ذلك من خلال إصدار سندات بقيمة 3.3 مليار يورو.

المصارف

ويعني ذلك أن الحكومة أجبرت 3 بنوك عامة إلى جانب بنكين تابعين لها على تقدم قروض بلا فوائد. وباستثناء تلك المصارف الخاضعة للحكومة فقد قاومت جميع البنوك الأخرى المغامرة بتقديم تلك القروض.

ويشير التقرير الأسبوعي الأخير الصادر عن هيئة التنظيم والرقابة المصرفية، إلى تراجع حجم ائتمان القطاع في الأسبوع الأول من شهر أغسطس بمقدار 9.2 مليار ليرة، رغم ارتفاع إجمالي الودائع في القطاع المصرفي بمقدار 14.1 مليار ليرة في ذات الأسبوع وهذا يعني أن الزيادة في الودائع لم تستخدم في القروض.

كما تظهر بيانات الهيئة انخفاض حجم القروض الاستهلاكية بمقدار 669 مليون ليرة إلى 401 مليار في نفس الأسبوع وانخفاض القروض التجارية بمقدار 2.9 مليار ليرة إلى 379 مليار ليرة.

ورغم ذلك زادت القروض المتعثرة في القطاع المصرفي حتى 9 أغسطس بنسبة 0.07 بالمئة مقارنة بالأسبوع السابق لتصل إلى 120 مليار ليرة.

وكشفت بيانات هيئة التنظيم استمرار التراجع الحاد في الائتمان بالتزامن مع ارتفاع القروض المتعثرة وانكماش احتياطيات البنوك، ما يعني تسارع تدهور هياكلها المالية.

كل ذلك يكشف صدمة إقدام البنك المركزي على معاقبة البنوك الخاصة التي لا تقدم قروضا جديدة وابتزازها لتوفير الائتمان مع محاولة إغرائها بدفع فوائد أعلى على احتياطاتها الإلزامية.

سيكون من الصعب للغاية بالنسبة للبنوك الخاصة أن تستفيد من الإجراء الجديد للبنك المركزي على عكس البنوك العامة، التي تمكنت من توزيع القروض منخفضة الفائدة بدعم من الخزانة.

البنوك العامة تتمتع بميزة الحصول على تعويض من الخزانة عن القروض المتعثرة وخسائر التخفيضات الإجبارية لأسعار الفائدة. أما البنوك الخاصة والأجنبية فإنها تكافح لاسترداد القروض السابقة ولن تتمكن من الاستجابة لدعوة البنك المركزي لتنشيط
الاقتصاد.

في بيئة اقتصادية تجد فيها الشركات صعوبات متزايدة في سداد قروضها ويضطر عدد متزايد منها إلى إعلان الإفلاس، يبدو إجبار البنوك على منح قروض جديدة مثيرا للقلق.

كما أن المنافسة غير العادلة بين البنوك العامة والبنوك الخاصة ستثير ردود فعل خطيرة من القطاع المصرفي، وقد تؤدي إلى تشديد معايير القروض رغم الضغوط السياسية.

10