أنقرة تغري بغداد بالمساعدة لمدّ النفوذ التركي في العراق

قراءة تركية خاطئة لرغبة مصطفى الكاظمي في الابتعاد عن إيران.
الأحد 2020/05/17
التعاون شيء والتبعية شيء آخر

ترى تركيا، التي تضع العراق بشكل رئيسي على خارطة تدخّلاتها في بلدان الإقليم، وجود فرصة لمد نفوذها في البلد مع وجود حكومة عراقية جديدة على رأسها رجل من خارج معسكر الموالاة لإيران ما قد يسهّل، وفق القراءة التركية، استمالته وكسبه إلى صفّ أنقرة. غير أنّ تلك القراءة قد تكون وليدة عدم فهم لتوجّهات رئيس الوزراء العراقي الجديد وأهدافه.

 أنقرة – تأمل تركيا في أن يتيح لها التغيير الذي حدث في تركيبة السلطة التنفيذية في العراق فرصة إضافية لتحقيق هدف مدّ نفوذها في البلد والذي شرعت حكومة حزب العدالة والتنمية في العمل عليه منذ سنوات محاولة الاحتذاء بالنموذج الإيراني في هذا المجال واستثمار ضعف الممانعة العراقية للتدخلات الخارجية.

ورحّبت أنقرة بحرارة بتولّي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية، مغدقة الوعود ببذل المساعدات لحكومته على إنجاز مهمّاتها الصعبة.

وأكّد الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في اتصال هاتفي مع الكاظمي استعداد بلاده لدعم العراق سياسيا وأمنيا واقتصاديا ومساعدته في مواجهة جائحة كورونا، فيما أثنى وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو على رئيس الوزراء العراقي قائلا إنّه “معروف لدينا، وهو قائد سياسي على دراية بالوضع في المنطقة، ويهتم بتركيا والعلاقات بينها وبين العراق”.

تشاووش أوغلو: الكاظمي معروف لدينا وهو مهتم بتطوير العلاقة معنا
تشاووش أوغلو: الكاظمي معروف لدينا وهو مهتم بتطوير العلاقة معنا

ويأتي التحرّك التركي السريع صوب الحكومة العراقية الجديدة، على ما يبدو، بناء على معرفة أنقرة بتوجّه مصطفى الكاظمي نحو إرساء المزيد من التوازن في العلاقات الخارجية للعراق والحدّ من رجوح كفة النفوذ داخله لمصلحة إيران على العكس مما كان يقوم به أسلافه رؤساء الحكومات العراقية السابقة من حماية لنفوذ طهران في البلد، وهو الأمر الذي ترى فيه تركيا فرصة لاستمالته بعرضها مساعدته والتعاون معه في عدّة ملفات مثل ملف استيراد الطاقة الكهربائية وملف الحرب ضدّ تنظيم داعش.

وتبدو القراءة التركية لتوجّهات الكاظمي مبنية على أساس خاطئ قوامه أنّ من ليس مع إيران من السياسيين والقادة العراقيين، فهو قابل ليكون مع تركيا. وهي قاعدة من الصعب تطبيقها على رئيس الوزراء الجديد الذي يقرن إحداث التوازن في العلاقات مع بلدان الإقليم والعالم بتحقيق سيادة العراق واستقلالية قراره الوطني.

وقال الكاظمي في اتصاله الهاتفي مع أردوغان إنّ “العراق يتطلع إلى بناء علاقات شراكة أقوى مع الجارة تركيا، على أسس من الثقة والاحترام المتبادلين”.

وورد في بيان صادر عن الحكومة العراقية القول إنّ الجانبين بحثا “مسألة الحصص المائية بين البلدين، وسبل تعزيز حركة التبادل التجاري والاستثماري، ودور الشركات التركية في مجالات الطاقة والإعمار، وسبل تسهيل حركة المواطنين بين البلدين، والتنسيق في مواجهة أزمة كورونا”.

وخلال السنوات الأخيرة بدا العراق حاضرا بوضوح على خارطة التمدّد التركي خارج الحدود، خصوصا وأن البلد يمكن أن يمثّل مجالا حيويا وحزاما أمنيا لتركيا.

ولم تتردّد حكومة أردوغان في فرض تدخّلها العسكري داخل الأراضي العراقية كأمر واقع بذريعة ملاحقة مسلّحي حزب العمال الكردستاني المصنّف من قبل تركيا تنظيما إرهابيا، فيما لم تخف مطامعها في الوصول إلى الثروة النفطية العراقية ومزيد الاستفادة منها بعد سنوات من تلقّيها كميات من نفط شمال العراق عبر حكومة إقليم كردستان وخارج الضوابط والقوانين العراقية التي تحصر تسويق النفط بيد الحكومة المركزية وعن طريق شركة سومو المختصّة في المجال.

 

الانشغال بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فتح الباب أمام التدخل الخارجي
الانشغال بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فتح الباب أمام التدخل الخارجي

وقال وزير الخارجية التركي إنّ “أمن العراق أهم من أي شيء آخر وحكومة الكاظمي سيكون لها دور كبير في تلك العملية وفي تطوير العلاقات الثنائية بين تركيا والعراق”.

وتشكو السلطات العراقية منذ سنوات تعدّد الانتهاكات التركية لسيادة العراق بعد أن وسّعت تركيا من دائرة ملاحقتها لعناصر حزب العمّال الكردستاني داخل الأراضي العراقية وتنويع عملياتها بين القصف المدفعي والقصف بالطيران وصولا إلى التدخل البري من خلال عمليات خاطفة للقوّات الخاصّة.

وما زاد من جرأة أنقرة على انتهاك حرمة الأراضي العراقية وتوسيعها من دائرة تدخلها العسكري فيها وتنويع أشكاله، خلال السنوات الأخيرة، الوهن الشديد الذي أصاب الدولة العراقية المنشغلة بسوء أوضاعها السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية، بفعل فشل الطبقة الحاكمة في البلد في إدارة شؤون الدولة وتوظيف مواردها ومقدراتها المادية والبشرية.

وبفعل ذلك الفشل العام تمّ فتح العراق على مصراعيه للتدخّلات الخارجية وخصوصا التدخّل الإيراني والأميركي اللذين “تقتدي” بهما تركيا وتحاول مجاراتهما.

وبالتوازي مع محاولات استمالة القيادات العراقية وإغرائها بالتعاون معها، تعمل أنقرة على إيجاد وكلاء لها في العراق على غرار ما قامت به إيران ونجحت فيه إلى حدّ بعيد.

وفشلت تركيا في توظيف الفرع العراقي من جماعة الإخوان المسلمين نظرا لضعف قيادات ذلك الفرع وتبعيتها في كثير من الأحيان لمعسكر الموالاة لإيران بهدف ضمان حصّة لها في السلطة، وبدأت توّجه اهتمامها بشكل متزايد نحو تركمان العراق وقيادتهم السياسية لاتخاذهم ذريعة للتدخّل في الشؤون الداخلية العراقية لاسيما قضية محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها والتي لم تتردّد تركيا في القول إنّ للتركمان حقوقا فيها وإنّها لن تتركهم لوحدهم في السعي لنيل تلك الحقوق بحسب تصريحات واضحة لمسؤولين حزبيين وحكوميين أتراك من بينهم زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي الذي سبق له القول إن الأقلية التركمانية العراقية التي تربطها صلات عرقية بتركيا لن تترك لحالها في كركوك، مشيرا إلى وجود الآلاف من المتطوعين القوميين “المستعدين وينتظرون الانضمام للقتال من أجل الوجود والوحدة والسلام في المدن التي يقطنها التركمان خاصة كركوك”، وأيضا الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن الذي سبق له القول إنّ “كركوك فيها الأكراد وفيها العرب أيضا، إلاّ أن الهوية الأساسية لها أنها مدينة تركمانية”.

3