أنقرة تمهد لتطبيع العلاقات مع النظام السوري

باتت الأزمة السورية عبئا ثقيلا على تركيا التي كانت أول المنخرطين الإقليميين فيها، وهو ما يفسر بداية استدارتها ومقاربة الملف من زاوية مختلفة تماما عن السنوات الخمس الماضية، علها تستعيد البعض من توازنها.
الخميس 2016/07/14
يد ممدودة لدمشق

أنقرة – أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم رغبة بلاده في إعادة العلاقات الطبيعية مع سوريا، في تطور لافت يعكس الانعطافة الحاصلة في سياسة تركيا الخارجية بعد أن فقدت الكثير من الحلفاء والأصدقاء، وباتت محاصرة داخليا وخارجيا بمشاكل لا حصر لها.

وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم “نعتزم توسيع صداقاتنا في الداخل والخارج، ولقد بدأنا في فعل ذلك خارجيا، حيث أعدنا علاقاتنا مع إسرائيل وروسيا إلى طبيعتها، ومتأكد من عودتها مع سوريا أيضا”.

جاء ذلك في كلمة ألقاها رئيس الحكومة التركية، خلال الاجتماع الموسع الـ110 لرؤساء فروع حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي الحاكم، الذي عُقد في المقر العام للحزب في العاصمة أنقرة، الأربعاء.

واعتبر يلدريم، الذي يسعى إلى العودة إلى سياسة “الصفر مشاكل” قبل انطلاقة ما سمى بـ”الربيع العربي” وتضخم طموحات أنقرة الإقليمية، أن إرساء الاستقرار في سوريا “أمر لا مفر منه، حتى يتسنى لنا النجاح في مكافحة الإرهاب”.

ولفت يلدريم في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة، إلى أن “الشعب التركي والإنسانية جمعاء تنتظر من الدول الفاعلة في المنطقة، وقوات التحالف، وشركاء تركيا الاستراتيجيين، إعادة تقييم الوضع في سوريا، وتنحية التنافس على المنطقة جانبا في أقرب فرصة، وعدم غض الطرف، عن إبادة الإنسانية فيها”.

وأضاف مخاطبا الجهات المذكورة “إذا كنتم تشكون اليوم من الإرهاب الذي أصبح كابوسا للجميع، فإن ذلك من وراء حالة عدم الاستقرار في سوريا والعراق”.

وتعتبر هذه التصريحات الأقوى والأوضح نحو تغير الموقف التركي حيال الوضع في سوريا. وكان يلدريم قد قال قبل أيام “لا يوجد سبب للخلاف مع سوريا”. مضيفا في كلمة ألقاها أمام تجمع لحزب العدالة والتنمية حول السياسة الخارجية لتركيا “كفانا صراعا مع العراق وسوريا ومصر فلا توجد أسباب كثيرة لفساد علاقاتنا، ولكن يوجد الكثير من الأسباب لإعادة علاقتنا مع تلك الدول”.

ويذكّر تواتر تصريحات يلدريم حيال ضرورة إعادة مد الجسور مع دمشق، بتصريحات كانت سبقت إعادة تطبيع أنقرة لعلاقاتها مع كل من موسكو وتل أبيب.

وبدأت بوادر تطبيع العلاقات التركية الروسية، عقب إرسال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رسالة اعتذار إلى نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في 27 يونيو الماضي، عن إسقاط الطائرة الروسية العام الماضي، وتعاطفه مع أسرة الطيار القتيل.

وفي اليوم التالي جرى اتصال هاتفي بين الجانبين، اتفقا فيه على إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، وأوعز بوتين إلى حكومته برفع القيود المفروضة على التجارة والمنتجات التركية والرحلات الجوية.

سيرجي لافروف: سنحاول مع أنقرة العمل بصراحة أكبر للتوصل إلى اتفاقات بشأن سوريا

وفي نفس اليوم أعلن الطرفان الإسرائيلي والتركي التوصل إلى تفاهم حول تطبيع العلاقات بينهما.

وتؤشر تصريحات يلدريم، على تغير كبير في السياسة التركية التي كانت تضغط بشدة من أجل الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، على مدار الخمس سنوات الماضية، وذلك عبر دعم الفصائل الإسلامية المناوئة له سياسيا وتسليحيا.

ويتوقع متابعون أن تأخذ تركيا خطوات عملية في العلن في الفترة المقبلة، تؤكد هذه الاستدارة، وسط معطيات عن وجود أكثر من قناة تواصل فتحت بين الطرفين، منذ أشهر.

وتدور أنباء غير مؤكدة عن وجود وزير الدفاع السوري السابق العماد علي حبيب حاليا في أنقرة وذلك لإجراء مشاورات مع القيادة العسكرية التركية، لتشكيل حكومة عسكرية موسعة.

وذكرت هذه الأنباء التي أوردتها “أورنيت نت” أنه تم استقبال العماد حبيب بشكل رسمي في مطار أنقرة، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي، ومدير جهاز الاستخبارات التركية الجنرال حقان فيدان، لينتقل بعدها العماد إلى مقر إقامة كبار الزوار في هيئة الأركان التركية في إحدى ضواحي العاصمة التركية.

وأضافت أن المسؤولين الأمنيين الأتراك سيبحثون مع وزير الدفاع السوري السابق في تشكيل حكومة عسكرية موسعة برئاسته بمشاركة عدد كبير من ضباط النظام والضباط المنشقين، وإنشاء نواة موسعة لجيش وطني، يتألف من حوالي 10 آلاف ضابط وجندي كمرحلة أولى. والعماد حبيب تخرج من الكلية الحربية عام 1962، وعين في عام 1994 قائدا للقوات الخاصة حتى تم تعيينه نائبا لرئيس هيئة الأركان عام 2002، وفي عام 2004 عين رئيسا لهيئة الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة، ونائبا للقائد العام للجيش والقوات المسلحة وعين وزيرا للدفاع في عام 2009.

وقد دخل في خلاف مع الرئيس بشار الأسد في بداية الأزمة السورية، على خلفية رفضه تدخل الجيش لقمع الانتفاضة في مدينة حماة وقد تمت إزاحته بعد ذلك عن منصبه.

وتبقى زيارة العماد حبيب إلى أنقرة غير مؤكدة، ولكن الثابت وجود انعطافة تركية في الملف السوري الذي ألحق بها ضررا كبيرا سواء في علاقاتها الدولية وأيضا في إيقاظ التمرد الكردي.

وكانت أنقرة تأمل قبل خمس سنوات في إزاحة النظام الحالي في سوريا “في أيام معدودة” وإرساء نظام إسلامي يدين لها بالولاء التام، ولكن هذا الأمل سرعان ما خبا ليكشف عن واقع مرير حيث باتت على هامش المشهد الإقليمي، فضلا عن التهديد الكردي.

وتريد تركيا اليوم وبكل السبل التخلص من هذا العبء، وهو ما ستستثمره موسكو جيدا، لجذب أنقرة إلى صفها، لدعمها في التوصل إلى حل وسط ينهي هذا الصراع الذي كلف الجانب الروسي أيضا الكثير.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، إثر محادثات مع نظيره الأذربيجاني إيلمار ماميدياروف في باكو، الثلاثاء، إن لقاءه الأخير بنظيره التركي حمل طابعا صريحا، وهو ما يبعث على الأمل في تقليص عدد “المواربات” لدى التعامل مع الشركاء الأتراك.

وأضاف “سنحاول (موسكو وأنقرة) العمل بصورة أكثر صراحة للتوصل إلى اتفاقات بشأن تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي والمجموعة الدولية لدعم سوريا”.

2