أنقرة تنقل مئات من اللاجئين إلى الحدود لابتزاز أوروبا

الخسائر العسكرية تضغط على أردوغان وليس على الأسد.
السبت 2020/02/29
أردوغان يعيد فتح طريق الابتزاز

أنقرة - أدى الهجوم الذي شنته قوات الرئيس السوري بشار الأسد على مواقع القوات التركية في إدلب، إلى مقتل العشرات من الجنود الأتراك، وإلى زيادة الضغوط على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي سعى خلال الأسابيع الأخيرة لإظهار التدخل العسكري في إدلب بمثابة جولة سياحية تنتهي دون خسائر تهزّ من صورته في الداخل.

ولجأ الرئيس التركي إلى ورقة اللاجئين لابتزاز أوروبا، حيث تولّت السلطات توفير وسائل النقل الضرورية التي قادت المئات من اللاجئين إلى الحدود وفتحت أمامهم أبواب الهجرة في خرق صريح لاتفاق أنقرة مع الاتحاد الأوروبي الذي يلزم الأتراك بمنع تدفق اللاجئين مقابل دعم مالي أوروبي سخي.

وقتل عشرون عنصراً من قوات النظام السوري جراء قصف نفذه الجيش التركي في محافظة إدلب ومحيطها، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الجمعة، غداة مقتل 34 جندياً تركياً بغارات للجيش السوري.

وأفاد المرصد عن “قصف تركي بالمدفعية والطائرات المسيّرة استهدف مواقع لقوات النظام في أرياف إدلب الشرقية والجنوبية”، ما تسبب بمقتل 16 عنصراً من قوات النظام. كما قتل أربعة آخرون جراء قصف تركي على بلدة العريمة في ريف حلب الشمالي الشرقي.

جان أسيلبورن: تركيا لم تستشر الناتو في دخول إدلب فكيف تطلب دعمه في الحرب
جان أسيلبورن: تركيا لم تستشر الناتو في دخول إدلب فكيف تطلب دعمه في الحرب

واعتبر دبلوماسي عربي يعمل في بيروت أن قوات الأسد اعتادت على الخسائر وباتت أرقامها أمرا عاديا في الشارع السوري كما في وسائل الإعلام الدولية، لكنّ ارتفاع خسائر تركيا في سوريا وليبيا يرسل إشارات سلبية على عدة مستويات، بداية من الداخل التركي حيث ترتفع نسب الرافضين للتدخل في سوريا وليبيا، وسط دعوات إلى التوقف الفوري عن التورط في المستنقع السوري، وصولا إلى المسّ من صورة الجيش التركي كثاني قوة في حلف الناتو، وما يجرّه الإنفاق على الحرب من أعباء إضافية على اقتصاد تركي في طريقه إلى الانهيار.

ولم تعلّق دمشق على التصعيد الأخير مع أنقرة، بينما ندّد مصدر عسكري، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، بما وصفه بـ “التهويل والمبالغة ومضاعفة حجم الخسائر في صفوف الجيش السوري”.

والرفع من “خسائر العدو” أسلوب يعتمده الجيش التركي للتغطية على خسائره ومحاولة امتصاص الغضب الشعبي، وخاصة تهدئة الغضب داخل مؤسسة عسكرية دأبت على إزعاج أردوغان ولن تقبل بالسكوت على ارتفاع أعداد القتلى في معارك غير محسوبة.

ومع التصعيد الأخير، ارتفع عدد القتلى في صفوف القوات التركية في إدلب إلى 53 منذ مطلع الشهر الحالي. وشهدت الأسابيع الأخيرة مواجهات عدّة بين الطرفين وتبادلاً لإطلاق النار.

وفشل الرئيس التركي في الحصول على دعم أوروبي أو أميركي عاجل. وقال مسؤول تركي إن أردوغان سعى لإبلاغ نظيره الأميركي دونالد ترامب في اتصال هاتفي بأن الدعم الشفهي فيما يتعلق بمنطقة إدلب السورية لا يكفي وأن أنقرة تتوقع دعما “فعليا”، في إشارة إلى دعم عسكري لمواجهة التفوق الجوي الروسي، وإقرار منطقة حظر جوي في إدلب، وهو أمر يعتقد المراقبون أنه صعب بسبب ما يحمله من تداعيات على رأسها تدخل الناتو بشكل مباشر في صراع لم يقرّر المشاركة فيه من البداية.

وأعرب حلف شمال الأطلسي الجمعة عن تضامنه مع أنقرة ودعمه لها بعد مقتل 34 جنديا تركيا على الأقل في سوريا، لكن دون أن يقدّم تعهّدات بأيّ إجراءات جديدة ملموسة للدفاع عن القوات التركية.

وأشار وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن، إلى أن تركيا لا تملك الحق في طلب تفعيل المادة الخامسة في معاهدة شمال الأطلسي ودعمها في عمليتها العسكرية في إدلب السورية. وأعرب أسيلبورن أثناء مؤتمر صحافي في موسكو مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، عن أمله في ألا توافق دول الناتو على طلب تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، موضحا أن أنقرة لم تطلب موافقة الحلف على عمليتها في إدلب.

ولجأت أنقرة، ككل مرة، إلى ورقة اللاجئين لابتزاز أوروبا، ودفعها إلى مساندة الرئيس التركي في أجنداته بسوريا وليبيا. وقالت أوساط محلية إن السلطات التركية وفّرت وسائل النقل الضرورية لتجميع المئات من اللاجئين وبالسرعة القصوى والدفع بهم إلى الهجرة.

وتساءل متابعون للشأن التركي من يقدر على نقل اللاجئين 1400 كيلومتر خلال أقل من 24 ساعة من إدلب إلى أدرنة سوى القوات التركية.

وسارع مسؤولون أوروبيون للرد على تهديد مباشر بنقض اتفاق مع تركيا أوقف أزمة الهجرة خلال عامي 2015 و2016، عندما وصل أكثر من مليون شخص بحرا إلى اليونان وعبروا منطقة البلقان سيرا على الأقدام.

53 جنديا تركيا قتلوا مع بدء معركة استعادة إدلب من قبل القوات السورية
53 جنديا تركيا قتلوا مع بدء معركة استعادة إدلب من قبل القوات السورية

وقال مسؤول تركي بارز لوكالة رويترز طلب عدم ذكر اسمه “قررنا اعتبارا من الآن عدم منع اللاجئين السوريين من الوصول إلى أوروبا برا أو بحرا”. وأضاف “أصبح عبور كل اللاجئين، بمن في ذلك السوريون، إلى الاتحاد الأوروبي مرحّبا به”.

وفي غضون ساعات، توجّه العشرات من المهاجرين سيرا على الأقدام نحو الحدود الأوروبية في الساعات الأولى من صباح الجمعة. وحمل رجل طفلا صغيرا بينما استقل آخرون سيارات أجرة.

وسارعت اليونان وبلغاريا على الفور لتعزيز حدودهما. وقال رئيس وزراء بلغاريا بويكو بوريسوف إن احتمال حدوث أزمة مهاجرين جديدة يشكل خطرا أكبر الآن في الوقت الذي تحاول فيه الدول الأوروبية جاهدة للتصدي لفايروس كورونا.

لكن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أشارا إلى أن التقارير عن أيّ تغيير في الموقف على الحدود لا تزال غير رسمية وإن أنقرة لم تعلن ذلك رسميا.

ومنذ 2016 تعوّل أوروبا على تركيا لوقف تدفق اللاجئين السوريين، بينما ترك الغرب مهمة المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب لموسكو وأنقرة.

وأثار احتمال نشوب أزمة هجرة جديدة قلقا في الدول الأوروبية التي تدرس بالفعل فرض قيود على حدودها الداخلية وعلى التجمعات العامة لمحاربة فايروس كورونا.

وأضاف بوريسوف، وهو يعلن نشر تعزيزات إضافية من الشرطة على الحدود مع تركيا، “في الوقت الذي نفرض فيه رقابة أشد على الحدود بسبب فايروس كورونا، تخيل لو كان لدينا تدفق لمئات الآلاف من المهاجرين.. ليس بوسعنا تحمّل ذلك”.

وإذا أقدمت تركيا على ذلك، فسيمثل ذلك تراجعا عن تعهدها للاتحاد الأوروبي في 2016 بمنع عبور اللاجئين السوريين مقابل الحصول على تمويل.

اقرأ أيضاً:

1