أنقرة في مأزق دبلوماسي تحت ضغوط موسكو وواشنطن

الصدع الذي لحق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن القس أندريو برونسون تسبب في أزمة مالية. والآن تلوح في الأفق بوادر أزمة جديدة تشمل هذه المرة روسيا في ما يتعلق بمدينة إدلب السورية.
الأربعاء 2018/08/15
تركيا تواجه لحظة محاسبة في مواجهة روسيا

هل وصلت أنقرة إلى طريق مسدود في ما يتعلق بسياستها الخارجية؟

في يوم من الأيام كانت تركيا تتبنى سياسة تهدف إلى عدم الدخول في أي مشاكل مع الجيران؛ لكن هذا كله انهار، وهو الأمر الذي جعل حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بلا خيارات. والصورة في المجمل هي قوة إقليمية تعتصرها الولايات المتحدة زميلتها في حلف شمال الأطلسي وروسيا.

تسبب الصدع الذي لحق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن القس الأميركي المنتمي إلى الطائفة الإنجيلية أندريو برونسون في أزمة مالية.

والآن تلوح في الأفق بوادر أزمة جديدة تشمل هذه المرة روسيا في ما يتعلق بمدينة إدلب السورية. فالمدينة القريبة من الحدود التركية في قبضة جماعات جهادية مسلحة ويستهدفها نظام الرئيس السوري بشار الأسد وروسيا.

كان الأمر مسألة وقت لتصبح إدلب محط تركيز موسكو وسوريا التي باتت بحكم الأمر الواقع تحت الحماية الروسية. فقد هُزم تنظيم الدولة الإسلامية وتحققت تقدمات سورية حاسمة في درعا والغوطة الشرقية في الوقت الذي يحدث فيه تقارب بين أكراد سوريا ونظام الأسد. وأعلن الرئيس السوري في يوليو أن الاستيلاء على إدلب هو هدفه التالي.

صارت إدلب، التي يعيش بها 2.5 مليون نسمة، قضية ملحة بسبب تطورين؛ فهي المعقل الأخير لجماعات جهادية مسلحة مثل هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، والكثير من الجهاديين وأسرهم موجودون في إدلب.

كما أن بعض الجهاديين الأجانب قدموا من روسيا، وهو الأمر الذي يجعل إدلب أولوية لموسكو في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة ما ترى أنه استعادة لسوريا. ومن المرجح تنفيذ هجوم مشترك قبل حلول الشتاء. وتحظى إدلب بأهمية نظرا لأن أي عملية هناك من المرجح أن تتسبب في موجة نزوح كبيرة للاجئين.

وترى روسيا وسوريا، وكذلك إيران والولايات المتحدة، أن تركيا ستكون وجهة للاجئين لا محالة. كما يبدو أنهم جميعا متفقون على أن هذا إلى حد كبير نتيجة لسياسات حكومة أردوغان الشاذة التي مهّدت الطريق أمام وجود الجهاديين في سوريا في المقام الأول. وإذا بدأ اللاجئون في النزوح من إدلب، فسيُضافون إلى نحو 3.5 مليون لاجئ سوري في تركيا بالفعل.

ومن ثم فإن قضية اللاجئين السوريين تعود إلى الأجندة الدولية من جديد. وحذر جان إيغلاند، مستشار المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، تركيا من أن تُبقي حدودها مفتوحة في حالة حدوث أزمة إنسانية أخرى.

وعبر عن أمله في أن تبذل دول روسيا وإيران وتركيا “كل ما بوسعها” من أجل تجنب حدوث معركة في إدلب. وإلى الآن، لا توجد إشارات واضحة من أنقرة تؤكد تصريحات إيغلاند.

وتحرص موسكو على أن ترفع الكلفة التي يتحملها أردوغان. وخلال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أنقرة، ذكّر نظيره التركي مولود جاويش أوغلو بحاجة تركيا إلى أن تكون جزءا من الهجوم على إدلب.

وفي واقع الأمر، تقول بعض المصادر العربية إن روسيا أعطت تركيا موعدا نهائيا يحل في سبتمبر لنزع سلاح هيئة تحرير الشام واستسلامها في إدلب. على الجانب الآخر، تشير أنباء إلى أن دمشق أوضحت أنها ستطلب من ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية المساعدة إذا لم تتعاون أنقرة عسكريا بشأن إدلب. وهذا تحرك دبلوماسي فيه دهاء.

كيف ستتعامل أنقرة مع الضغوط من روسيا وسوريا في الوقت الذي تدق فيه عقارب الساعة إيذانا باقتراب لحظة الحسم؟ قد يحاول جاويش أوغلو كسب الوقت؛ قد يبلغ لافروف بأن هيئة تحرير الشام أينعت وحان وقت تحويلها إلى قوة أكثر اعتدالا.

وهناك خطط لإعادة تسمية الهيئة ليصبح اسمها الجديد جبهة التحرير الوطني للاستفادة منها في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية. بيد أن هذا المقترح قد لا يكون مقنعا كثيرا؛ وأكثر ما يمكن أن تتوقعه تركيا هو أن تحتفظ بمواقع المراقبة التابعة لها في إدلب والبالغ عددها 12 موقعا.

أنقرة في مأزق دبلوماسي؛ فهي في خلاف مع الولايات المتحدة في المنطقة وتواجه الآن لحظة محاسبة في مواجهة روسيا.

في الوقت ذاته، مازال الأكراد حقيقة قريبة من الحدود التركية وداخلها؛ أيضا، تفاقم الأزمة الاقتصادية يجعلها أكثر عرضة للمخاطر، بينما سياستها الإقليمية تجعل من الصعب عليها المضي قدما في أي حوار يتطلب ثقة وجلَدا.

6