أنقرة محارب أسطوري وإسطنبول مدينة الغسق الحزين

يثير الحنين إلى الأماكن شعورا خاصا في النفوس، قد يمرّ على الكثيرين دون تعبير، ولكنه يظل يتنفس حيّا في ذاكرة الكتّاب والمبدعين ولو إلى بعد حين، هؤلاء ترجموا أحاسيسهم ومدى ارتباطهم بالأمكنة التي صارت أبطالا في العديد من المرويات والمدوّنات، وتحوّلت إلى نصوص نقلت صورا عن الآمال والأحلام، وبقايا ذكريات، ممزوجة بمختلف المشاعر ومعبّرة عن تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تمر علينا في ثنايا طريق أو زقاق.
الجمعة 2016/08/19
إسطنبول سحر المكان وشغف المغامر (لوحة للفنان الألماني غوستاف باورنفايند)

يعد كتاب “خمس مدن.. رحلة في تاريخ وجغرافيا تركيا”، للكاتب التركي الراحل أحمد حمدي تانبينار عملا أدبيا توثيقيا، سعى فيه تانبينار إلى نقل صورة عن أهم مدن بلاده، واقعها وتاريخها، تضاريسها وصورتها المعمارية، وحاول قبل كل ذلك الإمساك بروح تلك المدن الخمس: “إسطنبول”، “أنقرة”، “بورصة”، “إيرزوروم”، و”قونيا”، ونقلها بأسلوب سلس يضع الكتاب في مرتبة مميزة بين أعماله.

ورغم أن الكاتب يبدأ رحلته في هذا العمل من “أنقرة” التي عاش فيها فإن “إسطنبول” تحتل نحو نصف صفحات الكتاب، يقول تانبينار “موضوع الكتاب يعد نوعًا من الصراع بين الشغف الذي ننميه تجاه الحداثة، والندم الذي نشعر به تجاه ما فقدناه في حياتنا. من النظرة الأولى تبدو هذه المشاعر متناقضة، لكن يمكن جمعها في كلمة “حب”. كل المدن التي اختيرت بالحب ظهرت في حياتي بالصدفة.

بناء عليه، بالنظر إلى تاريخها يمكننا أن نصل إلى فهم أفضل لشعبنا، حيواتنا، والهوية الروحية للبلاد التي تنتمي إليها ثقافتنا. مثل الأجيال التي سبقتنا، اختبر جيلنا تلك القيم من نقاط التحول الحرجة على طريق الرحلة الشاقة الذي جلبنا لهذا المدى المعروف لنا الآن بـ”الميل الحضاري”، والذي رسخ كل آمالنا. اقتربنا على مدى مئة وخمسين عامًا من شفا هاوية، ناظرين للخلف على الطريق الذي خلَّفناه وراءنا، وللأمام للرؤية المستقبلية البعيدة بوعود لإضاءة الطريق لحل مشكلاتنا”.

تفاصيل صغيرة

يشير تانبينار إلى أن كتاب “خمس مدن”، الصادر حديثا، عن دار صفصافة للنشر، ومن ترجمة مدحت طه، هو مناقشة وُلدت من الحاجة إلى مثل هذا الاعتبار. كان يمكن أن تكون أوضح، وحتى أكثر فائدة، لجلب هذه المناقشة المعقدة والتي تصعب معالجتها وتحويلها إلى مواد أكثر دنيوية، باختصار لكي نطرح أسئلة ونجيب عليها مثل: ماذا كنا؟ ما الذي نحن عليه الآن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وقد واجهتني هذه الأسئلة خلال حياتي بالصدفة فقط. فقد ظهرت بينما كنت أتجول عبر بقايا السلاجقة التي تسمى أناضوليا، أو عندما كنت أشعر بالتواضع أسفل قبة السليمانية، أو أواسي وحدتي من خلال المنظر الطبيعي في البورصة، أو أستمع لموسيقى “لتري” أو “ديدي أفندي”، تلك الموسيقى الممتزجة بالماء مع الأصوات البدوية التي تملأ مقتنياتنا الشعرية.

موضوع الكتاب يعد نوعا من الصراع بين الشغف الذي ننميه تجاه الحداثة والندم الذي نشعر به تجاه ما فقدناه في حياتنا

ويقول “لن أنسى أبدًا أنه ذات صباح على ، الأولوداج، زالت عن عيني غشاوة، في نفس اللحظة التي كنت أستمع فيها لناي راعي غنم وأشاهد قطيع أغنامه وخلافه يحيط بموسيقاه عندما تجمعت واحدًا تلو الآخر عند ندائه. أعرف أن الشعر التركي والموسيقى التركية هما حكاية المنفى، لكنني لم أدرك إلى أي مدى هما مرتبطان بهذا الجانب من حيواتنا. كان إحساسًا مؤثرًا وجميلًا بحق تملَّكني لعدة دقائق تفهمتها كعمل فني. إذا ما كُتب التاريخ الشعوري للأناضول يومًا وكانت حيواتنا في موضع الاختبار من تلك الزاوية، سنرى إلى أي مدى أنَّ ما نفكر فيه الآن باعتباره حداثيًّا نبع من النسيج الأصلي لحياتنا ذاتها. في كلمة واحدة، الطريقة التي وصلتُ بها إلى هذه التفسيرات للأحداث وتباطأت لتعكس حالتي الروحية، كانت بنفس الأهمية بالنسبة لي مثل الأحداث ذاتها.. لقد نشأ هذا الكتاب أساسًا من شظايا عشوائية من الخبرة”.

المكان والهوية

عن إسطنبول يقول” إسطنبول الحقيقية ليست فقط مدينة المساجد والمآذن حبيسة الجدران، لكنها تتكون أيضًا من مثل هذه المواقع الجغرافية المتنوعة بمظاهر جمالها الخاصة المميزة (…) كل ساكن في إسطنبول يعرف أن صباحًا على البوسفور هو سعادة مختلفة تمامًا عن أي صباح آخر في الجوار، وقلب أي واحد منا يرى أضواء إسطنبول من مرتفعات كاميلكا في الغسق يكون ممتلئًا بحزن فريد. في الليالي المقمرة”.

رحلة في تاريخ تركيا وجغرافيتها

يرى تانبينار أن الدراما الأساسية للمجتمع التركي ستستمر لزمن طويل، وهي مغامرة العيش وسط مناخ من النقد، وكتلة من الاتفاقات والخلافات، ومن الآمال والأحلام، مع فترات استثنائية من التقييم الواقعي، حتى نعيد إحياء حيواتنا، بالعمل الذي سيكون مبدعًا بحق، بكل المعاني.

يقول الكاتب ”كلنا نعلم الطريق الذي يجب علينا اتباعه. لكن كلما كان الطريق أطول، كانت هذه الدنيا التي نغادرها تبقينا مشغولين أكثر قليلًا، يومًا بعد يوم. الآن نحن نشعر بهذا بفعل الفجوة المتزايدة تدريجيًّا في هويتنا. فيما بعد بقليل أصبحت عبئًا ثقيلًا نحن أكثر من متأهبين للتخلص منه في الركن التالي. حتى عندما تكون قوة إرادتنا في أقوى حالاتها، لدينا وجع داخلي يشير إلينا أحيانًا مثل وخز الضمير. مثل هذا الغليان الداخلي ليس مفاجئًا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الظرف الذي نعرفه بأنه “تشبع بالتاريخ” يبذر البذرة، ويخلق المعنى والهوية، ليس فقط للدول والمجتمعات، لكن للشخصيات كذلك. هناك الماضي دائمًا متجسدًا. فلكي نعيش حيوات أصيلة، علينا أن نعتبر بالماضي ونتوافق مع شروطه”.

وفي حديثه عن أنقرة يقول” لطالما تخيلت أنقرة كمحارب أسطوري، ربما كنتيجة لذكريات الصراع الوطني من أجل الاستقلال، وربما من الانطباع الذي تتركه القلعة مرتفعة ومنتصبة مثل فارس من الأزمنة القديمة مكتس بدرع من الحديد. ربما كان موقعها لديه شيء من طبيعتها. ما يصدمنا فعليًّا هو الحصن الطبيعي الذي يطل على طريق بين تلين. وتتغير الملاحظة إذا ما نظرت من المرتفعات المحيطة التي تسود المدينة”.

14