أنوار الحكمة جسر بين الشرق والغرب

الثلاثاء 2013/11/12
صفحتان من مخطوطة عربية عرضت في المعهد

باريس - "أنوار الحكمة، المدارس خلال مرحلة القرون الوسطى بين الشرق والغرب" عنوان المعرض الذي يقام حاليا في "معهد العالم العربي" في يأتي هذا المعرض بمناسبة إعادة افتتاح مكتبة جامعة "السوربون – باريس الأولى" وضمن أنشطة وفعاليات "كرسي حوار الحضارات" الذي تشرف عليه وزارة التعليم العالي السعودي والذي يقام بالتعاون بين جامعة الإمام محمد بن سعود في مدينة الرياض وجامعة "السوربون – باريس الأولى".

يستعيد معرض"أنوار الحكمة، المدارس خلال مرحلة القرون الوسطى بين الشرق والغرب"، من خلال مجموعة نادرة من المخطوطات والتحف، أجواء معاهد التعليم في مرحلة القرون الوسطى في الشرق الإسلامي والغرب اللاتيني ويبين دورها الرائد والمركزي في حركة تبادل العلوم والمعارف ونشرها وكيف مهّدت لتأسيس الجامعات الحديثة كما نعرفها اليوم.

مجالس العلماء

من الأمور التي يكشف عنها المعرض أنّ التعليم في تلك المرحلة كان يقوم على العلاقة الشخصية والوثيقة بين الطالب والمدرّس وكذلك على مطالعة الكتب المرجعية. من العالم المتوسطي انتقلت حركة العلوم إلى بقية دول العالم على الرغم من الحواجز اللغوية والدينية والثقافية والصراعات التاريخية. فالحوار بين العلماء لم يتوقف يوما وهذا ما تشهد عليه بعض صفحات المخطوطات الإسلامية واللاتينية التي تطالعنا فيها رسوم لمجالس العلماء القادمين من الشرق والغرب ومنهم أرسطو وجالينوس وابن سينا…

لقد لعبت حركة الترجمة بين الشرق والغرب دورا أساسيا في نشر المعارف وانفتاح الشعوب على بعضها البعض.

وكان لمدينة طليطلة في أسبانيا دورها الرائد في إطلاع الغربيين على تراث العرب والمسلمين لكونها أقرب المراكز الحضارية للأوروبيين. إلى ذلك، كان للعلاقات الدبلوماسية والتبادلات التجارية دورها الهام أيضا. ولقد ساهم التجّار دائما وبصورة إيجابية في التفاعل الحضاري ونقل السلع الثقافية بين ضفّتي المتوسط.

لا بدّ من التذكير بأنّ المدارس الإسلامية الكلاسيكية نشأت خلال مرحلة الخلافة العباسية وبالتحديد في زمن صعود النفوذ التركي في الشرق الإسلامي مع ظهور السلاجقة كقوة عسكرية وسياسية مطلع القرن الحادي عشر.

في زمن كانت فيه الدولة العباسية تعاني من الانقسامات الحادة التي أدت إلى نشوء إمارات ودويلات عديدة في العالم الإسلامي، نشأت الدولة السلجوقية وأعلنت ولاءها للخلافة العباسية والمذاهب السنية. أما نظام الملك الذي كان وزيرا في زمن السلطان السلجوقي ألب أرسلان وابنه السلطان ملك شاه فقد اشتهر بثقافته الواسعة وبتأسيسه للمدارس التي صارت تعرف بـ"النظامية"، وكان من أهدافها تدريس المذاهب السنية الأربعة: الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي. في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، شيّدت المدرسة المستنصرية في عهد الخليفة المستنصر بالله الذي حكم من عام 1226 حتى عام 1242 وكانت معدّة لتدريس علوم الدين واللغة والفلك والطب والصيدلة، وهي ما زالت إلى اليوم من معالم بغداد التاريخية وشاهدا على الحضارة العباسية قبل الغزو المغولي للمدينة عام 1258.

مخطوط لاتيني بين المعروضات

وتعتبر هذه المدرسة تحفة عمرانية، وتعتمد هندسيا على نظام الإيوانات الأربعة المفتوحة على صحن مكشوف تحيط بها قاعات ممتدة على طابقين، وكان يسكنها الطلبة والأساتذة.

جسر التثاقف

من العراق وبلاد فارس انتشر بناء المدارس ليشمل بلاد الأناضول ومصر وسوريا وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا. ولقد تحدث الرحالة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر عن هذه المدارس وكيف انتشرت في كافة الديار الإسلامية.

في العصر المملوكي، صارت المدارس تكوّن جزءا من مجموعة معمارية كبيرة تضم أقساما عدة منها مدفن فخم، ومن أشهرها أيضا مدرسة ومدفن السلطان قلاوون ومدرسة ومدفن السلطان حسن في القاهرة.

يواكب المعرض كتاب فخم وجميل صدر عن منشورات جامعة "السوربون" و"معهد العالم العربي"، تتجاوز صفحاته الـ400 صفحة وقد أشرف عليه إيريك فالي، المستعرب والأكاديمي المتخصص في الحضارة الإسلامية، ومؤرخة الفنون الإسلامية ساندرا أوب، والمتخصص في تاريخ الجامعات تييري كووامي.

يضمّ الكتاب مجموعة من الدراسات لمتخصصين من جنسيات مختلفة، وهي تتناول مختلف المدارس ومراكز التعليم في مرحلة القرون الوسطى، كما أنها مرفقة بصور لمخطوطات نادرة تعدّ من روائع الفنون الإسلامية وبالإمكان التعرف على نماذج منها في المعرض. وهي تعكس المكانة الهامة للمخطوطات وللكلمة المكتوبة في الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي.

تشهد هذه المخطوطات، كما سبق أن أشرنا، على الدور الذي لعبته المكتبات ودور العلم في الشرق الإسلامي وأسبانيا في نقل المعارف -بمعناها الشامل – والعلوم والفلسفة اليونانية إلى الدول الأوروبية ومنها فرنسا وإيطاليا. فمع نشوء الحضارة الأندلسية التقت الثقافتان العربية الإسلامية واللاتينية المسيحية، ومما ساهم في هذا اللقاء أنّ الحضارة الأندلسية لم تعرف الانفصال الجغرافي ولا محاكم التفتيش بين المسيحيين والمسلمين واليهود.

وكان المستعربون وعدد من اللاتينيين الذين أتقنوا العربية واللاتينية صلة الوصل بين الثقافتين فتفاعلتا وجرى بينهما تأثير متبادل.

كان العديد من أبناء البعثات الأوروبية يقصدون معاهد التعليم في قرطبة وإشبيلية بسبب تفوّقها وتميّزها للاستفادة من علومها وفنونها، وعندما كانوا ينهون دراستهم، يعودون إلى بلادهم الأصلية حاملين معهم المؤثرات العربية الإسلامية.

هنا، لا بدّ من التذكير بأنّ الكثير من المعاهد الأوروبية اعتمدت في تلك العصور المناهج التعليمية والمؤلفات العربية الإسلامية في مجالات العلوم الطبيعية والطب وغيرها من المجالات والحقول المعرفية.

14