أنوثة الفكرة

الأحد 2013/11/03

I


القصيدة الجميلة سرّ عصي، لأن مصدرها، بداهة، كما يتبيّن لنا، باستمرار، ليس الكلمات فحسب، بل الخبرات الشعورية والفكرية التي تحملها الكلمات؛ وتقدُّ هذا السّر علاقات من طبيعة ما، جديدة، بينها.

لربما إن السرّ يكمن في الطبيعة التي ألّفت هذه القصيدة، في الخبرة غير المعلنة، غير المفصح عنها، الخبرة المتوارية، التي تبقى أبداً متوارية بين السطور ووراء الصور ودلالاتها، في اكثر مناطق القصيدة إغراء وصعوبة معاً.

ليس في وسع عالم نفس الوصول الى تلك الأسرار، كما انه ليس في وسع ناقد أدبي حصيف، او طبيبة تهوى الشعر. فالصعوبة، حتى لا نقول الاستحالة، كامنة (قبل ان تكون في علاقات الكلمات) في ذلك المنحى اللاعب، في المواربة التي يتسلح بها الشاعر، في الإزاحات المتعمدة والعفوية التي يقوم بها شاعر، اثناء كتابة قصيدته، على سبيل دفن الخبرة التي تسببت له بها، في غرف قصية من تلك القصيدة، لا يملك هو نفسه مفاتيحها.

ما أن تولد قصيدةٌ حتى يكون الأثر الذي قاد اليها قد امّحا. ليس لأنه زال تماماً، بل لأنه توارى، ليتيح للإغواء ان يتحقق. فالقصيدة التي لا يمكن أن تغوي هي قصيدة فاشلة بالضرورة.

يفضل أن لا يعني هذا التشخيص للفكرة أن الشاعر يتقصّد، باستمرار، إخفاء الآثار، وإلا فإن ذلك يعني ان الشعر صناعة تخلو من التلقائية. أبداً، وعلى النقيض من هذا الاحتمال، لعل عمل الشاعر (بالطريقة التي يعمل بها ليخفي آثار الخبرات الباعثة على الكتابة)، انما يتسلح بتلقائية كلما عَلَتْ، كلما كان الأثر الفني (كمعادل للأثر الضائع) أشدّ ايهاماً بالصدق، وبالتالي اكثر قدرة على الإغواء.


II


إن فكرة الغواية تمنح عبر (القصيدة)، وهي مؤنث بصرف النظر عن (الصوت) الذي يمكن أن يكون مذكراً، صفة جديدة للمؤنث ما كان لها ان تتحقق وتنسجم (كدال على مدلول) لولا أنها مشتقة من طاقة مؤنثة فعلاً، كامنة في الذات الشاعرة لشاعر. أتكون هذه واحدة من مناطق الأسرار في الكتابة وملمحاً طفيفاً جداً مما لا يعرفه الشعراء عن مكونــــات انفسهم، وهـــــو كثيرٌ.

إن كبرى الخطورات، وموطن أعصى الأسرار في الشعر، ان هذا المؤنث الذي هو القصيدة هو من فعل شاعر قد يكون ذكوري النزعة قبل الكتابة وبعدها لكنه اثناء الكتابة هو شخص آخر. (لا أجازف في تثبيت هذه الملاحظة بصورة نهائية. ولا بد من العودة إلى النقطة التي تثيرها لاستجلائها بدقة والتأمل في ما هو عمق فيها، وما هو سطح خادع. لكنها الآن تثيرني بشكل خاص، وبصورة كبيرة ومحرّضة على التأمل).

فالكلام، حتى الآن، على الشاعر، دون الشاعرة، وعلى صنيعه المؤنث الذي هو القصيدة. وفي حال (الشاعرة في موضع الشاعر) لا يعود هناك مجال لما يبدو تناقضاً او تعارضاً بين الشعر ومبدعه.


III


ان القصيدة التي هي نظام مؤنث للعب اللاعب المذكر، وصورة حيّة للطاقة المبدعة وهي تستعيد أشخاصها الشعراء من غربتهم في الشكل (الفورم) الاجتماعي الذي وضعوا فيه كرجال. إنهم الآن وهم يكتبون القصيدة أكثر صفاء وأكثر صدقاً، وأكثر جمالاً، أعني أكثر اتصالاً بطبيعتهم الأصلية. وبتعبير آخر لا يبقى من الرجال الشعراء أي رجولة في حالات شعورهم بقلق القصيدة ومخاض ولادتها ومن ثم خروجها الى النور.

إنهم، ربما، في أقل الحالات تطرفاً، يعودون أطفالاً، أي أنهم يتشقق عنهم إسار "الرجل"، ليخرج منه الطفل، أكثر المخلوقات اثارة لعاطفة المرأة، ورغبتها في منح الحب.

إلى هذه المنطقة الجمالية اللاعبة يخرجُ الشاعر: ليهيم بالمرأة، يندفع نحوها، ويرتدُّ عنها، يقبل عليها، يتعشّقها، يلاعبها، يتباهى بها، ويخاصمها، يصالحها، ويشاكسها، تأخذه، وتستبعدهُ، تعطيه وتمنع عنه، تتذلل له، وتتوعّده، لكنه، أبداً، يبقى طفلها الأكثر اثارة لما ينطوي ويغور فيها من أسرار الشعور.

في هذه العلاقة بين الشاعر والقصيدة، والشاعر والمرأة، والمرأة والشاعر، فإن هذا "الشخص" الذي يخرج من وراء القناع الاجتماعي بمجازفة قاتلة أحياناً هو ذلك الباحث الأبدي عن نفسه خارج نفسه (كما قدمها له المجتمع) انه الميّال ابداً إلى إعادة تركيز وجوده في المؤنث، وعلى مقربة منه.

لذلك فإن الشاعر هو الأقدر اجتماعياً على فهم المرأة (بمعنى الوقوف الى جانبها ضد صرامة المجتمع).

ولا يعني هذا انه لا يمكن ان يذهب ضحيتها، او ان تذهب ضحيته، فهذه مسألة أخرى!

يبحث الشاعر عن نفسه خارج نفسه الاجتماعية ولا يتمكن من تحقيق طلاقته، الا بهذا الخروج، "الانخلاع". ولا يجد الشاعر بديلاً من النظام الاجتماعي إلا بـ "نظام القصيدة".

انها إذن رحلة العودة الى الطبيعة الأولى، وخروجٌ من الأسر، وانشقاق عن القناع.

11