أنور أبو عيشة: الثقافة ليست ثيابا موحدة يلبسها جميع الناس

الاثنين 2014/05/05
أبو عيشة: كنفاني ودرويش وسميح القاسم يشكلون دولة في حد ذاتهم

تونس - ملامح التعاون الثقافي بين تونس وفلسطين، ومدى فاعليته في تعزيز العلاقات بين كتاب هذيْن البلديْن، هما ما مثّل فاتحة أسئلتنا لأنور أبو عيشة الذي قال في الغرض: «في الحقيقة نحن نعلم أن الشعب التونسي، مثل كل الشعوب العربية والإسلامية، متضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته.

وأهمية مثل هذه الزيارات والنشاطات أننا نذكر الناس بالوضع الفلسطيني لكي تبقى القضية الفلسطينية حية في وجدان كل مواطن عربي.

ويجب أن يعلم العالم أجمع بأننا في مرحلة نضالية دقيقة وحرجة، ونحن الآن ضحية سياسة استيطانية بشعة وانتهاكات لحقــوق الإنسان بكل الأنـــواع، ومن هنا تأتي مثل هذه النشـــاطات لكي تبرز أننا مازلنا صامدين، وأن الشعب الفلسطيني مازال صامـدا ويقـــاوم الاحتـلال بكل شراسة وتحدّ».

تضامن وجداني

لأن الثقافة هي آخر القلاع التي تسقط في أية معركة، سألنا ضيفنا إن كانت هناك مشاريع جدية للتعاون ثقافيا بين الجانب التونسي والجانب الفلسطيني، فأجاب بقوله: «أولا هناك وجود القضية الفلسطينية في وجدان وضمير كل مواطن تونسي، وهذا ما لاحظته فعلا على أرض الواقع، ولذلك فواجبنا كقائمين على قطاع الثقافة وواجب كل المثقفين أن يكون لهم دور ريادي وأن يطوّروا هذا التضامن الوجداني إلى فعل حقيقي ومشاريع ثقافية جادّة على أرض الواقع.

وهي مشاريع تساهم في رفع صوتنا عاليا وتفك عنا الحصار الكبير والمضايقات المستفزة اليومية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرئيلي. الدول العربية والإسلامية مطالبة بأن ترفع صوتها عاليا لدى المجموعة الدولية لكي تطالبها بالضغط على إسرائيل حتى تطبق مبادئ القانون الدولي والمعاهدات الدولية، وبذلك تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس، وتؤدي أيضا إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية على المقدسات والمساجد الإسلامية، وأخص بالذكر المسجد الأقصــى بالقدس والحرم الإبراهيمي بالخليل».

الحديث عن الثقافة الفلسطينية وعلاقتها بالثقافة العربية وما سبل تجسيرها مثّل محور حديث أبو عيشة، حيث قال: «أعتقد بأن لدينا إنتاجا ثقافيا غزيرا، ولدينا مثقفون مقتدرون يؤمنون بجدوى النضال الثقافي من أجل القضية الفلسطينية ويسعون جاهدين إلى تبليغ صوتهم إلى المجتمعات العربية وخاصة إلى الأوساط الثقافية العربية.

نحن نسعى إلى التواجد دائما في كل التظاهرات الثقافية العربية من مهرجانات ومعارض كتب، وكان إصرارنا على القدوم والتواجد في تونس بمناسبة الاحتفال بيوم الأرض هو أكبر دليل على ذلك.

إذن هذا التمازج والتواشج وهذه الزيارات المتبادلة تولد حوارا بناء وتخلق علاقات تعاون جدية من شأنها أن تبقي القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان كل مواطن عربي».

أنور أبو عيشة يدعو إلى تطوير التضامن الوجداني العربي مع فلسطين ليتحول إلى فعل حقيقي

خيمة فلسطين

لعل إجابة ضيفنا جرّتنا إلى أن نتعرّف منه حال الثقافة الفلسطينية بالداخل، وعلاقة مثقفي الداخل ببعضهم بعضا، وخاصة بين مثقفي رام الله وغزة وحيفا وبقية المناطق الأخرى؟ وهل استطاعت الثقافة في الداخل أن توحّد ما فرقته السياسة وخاصة بين غزة ورام الله؟ عن كل هذا يقول أبو عيشة: «أولا الثقافة حسب رأيي ليست ثيابا موحّدة يلبسها جميع الناس، لدينا نشاطات ثقافية متنوّعة وباتجاهات سياسية متعدّدة توحّدها منظمة التحرير الفلسطينية.

اليوم أعتقد أن أكثر المثقفين غزارة في الإنتاج هم الفلسطينيون المقيمون في المناطق التي احتلت سنة 1948، والثقافة التي ينتجونها تحمل خصوصياتهم وتعبر بدقة عن مشاغلهم داخل هذه المناطق والتي هي في نهاية الأمر تصبّ في مشاغل المثقف الفلسطيني وقضيته الأساس من أجل إثبات وجوده والدفاع عن هويته وحقوقه ومبادئه الوطنية.

كل المثقفين الفلسطينيين من الداخل ومن الضفة ومن غزة ورام الله وحتى في المهجر يعملون ضمن اتجاه واحد وتجمعهم القضية الفلسطينية والنضال المشترك لأننا نرزح تحت احتلال واحد وعدونا موحد وغايتنا موحدة. وفي النهاية أريد أن أؤكد أن اختلاف المناهج والأساليب وأشكال التعبير بين المثقفين لا يعني أنهم مختلفون في الهدف، بل بالعكس هذا الاختلاف يثري ويغذي جذوة النضال ويقترب من الهدف الأساسي».

دولة المثقفين

عرفت القضية الفلسطينية منذ البداية بقيمة مثقفيها ودورهم الريادي في مطالب التحرّر الوطني، على غرار غسان كنفاني وفدوى طوقان وسميح القاسم ومحمود درويش، غير أن الظاهر اليوم هو خفوت صوت المثقف الفلسطيني وتراجعه لصالح صوت السياسي الذي أصبح يحتكر كل شيء ويهمّش دور المثقف.

وعن مدى صحة هذه الملاحظة، يقول أبو عيشة: «غسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وغيرهم كثيرون كانوا مناضلين بالكلمة والإبداع ويشكلون دولة في حدّ ذاتهم، حينها لم يكن لدينا دولة، واليوم كذلك مازال لدينا مناضلون فاعلون في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي أيضا.

وحسب اعتقادي ليس بالضرورة أن يحتل المثقف منصبا كبيرا في الدولة حتى ينهض بدوره الثقافي والنضالي وينتج إبداعا وثقافة جيدة، ولكن في المقابل من واجب المنظمة والدولة أن تحمي المثقف وتساعده وتشجعه وتوفر له المناخ الممتاز لكي ينتج ثقافة جيّدة ويقوم بدوره على أكمل وجه.

الدولة لا تنتج ثقافة وإنما الشعب والأفراد هم من ينتجون الثقافة، وبالتالي على الدولة والطبقة السياسية أن تتعاون وتشجع المثقفين لا أن تتجاهل دورهم وتهمّشه».

عرفت القضية الفلسطينية دائما بمثقفيها ومبدعيها الكبار، فهل هناك أصوات إبداعية شابة مهمة اليوم في الساحة الثقافية الفلسطينية الداخلية يمكن أن تأخذ المشعل وتساهم بقوة في كسر الحصار عن هذه القضية وتبليغ صوتها عاليا إلى العالم؟ يجيب ضيفنا بالقول: «أنا متأكد أن هناك جيلا جديدا من المبدعين المهمين الذين ينشطون الآن في الساحة الثقافية الفلسطينية ونحن نرعاهم ونواكب نتاجاتهم ونشجعهم، ومتأكد أنه سيكون لهم شأن كبير في المستقبل القريب على مستوى عربي ودولي أيضا.

وعلى كل حال نحن مجبرون في هذه المرحلة النضالية الدقيقة، مجبرون على أن يكون لنا مبدعون مهمّون يستطيعون حمل أعباء القضية على أكتافهم، وحمل لواء النضال الثقافي ليرتفع صوتنا عاليا بين الأمم.

ومن هنا كما أكدت سابقا دورنا كوزارة ثقافة هو اكتشاف وتشجيع وتدعيم هذه الزهرات الإبداعية المتميزة حتى تتفتح بكل حرية ويغمر شذاها فلسطين والوطن العربي والعالم لم لا؟.. وفي هذا الإطار أشرفت منذ أيام قليلة على حفل تكريم جملة من المبدعين الشباب المتميزين في جامعة الاستقلال بأريحا وهذا يشمل كل المحافظات دون تمييز».

15