أنور سونيا ساحر الرسم الحديث في عُمان

أنور سونيا يرسم مسقط بجبالها ووديانها وبحرها وأسواقها وبيوتها وناسها كما لو أنه يكتشفها، بالرغم من شعوره بأنه لم يكن غريبا عنها.
الأحد 2018/12/30
العائد إلى بيته رساما

كان عليه أن يرتقي أعلى قمم جبال بلاده ليختبر موهبته رساما. الشاب الذي لم يولد على تلك الأرض كان يشعر أن عاطفة خفية تشده إلى الوديان السحيقة والى بحر بعده بحر وهو الذي ولد في جزيرة صغيرة.

فجأة وقف أمام مرآة التاريخ باعتباره رائدا في بلد لم يعرف الرسم من قبل. لم يكن لديه ما يعينه على أداء ذلك الدور سوى شغف كبر معه وجعله لا يرى العالم إلا من خلال الصورة التي تلتقطها يد الرسام. لذلك تحول سفره بين الأشياء إلى مجموعة من الصور التي تثري ذاكرته وتعيده مواطنا يبحث عن ذاته في موضوع، صار بالنسبة له ركيزة عيش.

محمولا على ذلك الهاجس الشخصي رسم أنور سونيا مسقط بجبالها ووديانها وبحرها وأسواقها وبيوتها وناسها كما لو أنه يكتشفها بالرغم من شعوره بأنه لم يكن غريبا عنها. كانت حكايات البلاد الساحرة قد تسربت إلى روحه في طفولته وصباه اللذين صارا يبتعدان، بعد أن مكنه الرسم من أن يؤنسن الهواء الذي يفصله عن المشاهد التي يرسمها.

لقد أنهى الرسم غربته التي كانت إلى وقت قريب نوعا من المواطنة.  مع عدد قليل من هواة الفن نجح سونيا في أن يؤسس لتقليد ثقافي جديد لم تعرفه السلطنة من قبل. صار الرسم جزءا من حياة المجتمع الذي عُرف بسعة وعمق اهتمامه بالأدب، الشعر بشكل خاص.

غير أن تلك المكانة التاريخية لا تغطي على قيمة ما أنجزه سونيا رساما.

لقد أدرك الفنان أنه ظهر في لحظة متأخرة لذلك سعى إلى اختزال الزمن فكان تجريبيا في محاولاته الفنية، وهو ما مكنه من أن يتنقل بين المدارس والأساليب الفنية التي عرفها تاريخ الفن التشكيلي في العالم.

ابن البيئة العمانية

الوجوه تحضر شبحية من غير ملامح محددة
الوجوه تحضر شبحية من غير ملامح محددة 

حاول سونيا أن يكون واقعيا وتعبيريا وسورياليا وتجريديا بقدر ما سمحت به موهبته ومهارته وقدرته على فهم تحولات الفهم ومن ثمّ تطبيقها محليا.

 هو ابن البيئة العمانية التي كان مخلصا لها واقعيا غير أنه في الوقت نفسه كان جادا وعميقا في أسئلته الوجودية التي تتعلق بالمصير البشري في تلك البقعة من الأرض.

ولد أنور خميس سونيا الزدجالي في البحرين عام 1948. كانت عائلته العمانية قد استقرت هناك طلبا للرزق. وقف ولعه بالرسم حائلا بينه وبين إكمال دراسته. تأثر في محاولاته الأولى برسوم البحرينيين، إسحاق الكوهجي وعبدالله المحرقي، وكان يلتقي عددا من أصدقائه العمانيين الذين كانت لهم اهتمامات فنية، من بينها الرسم والموسيقى.

حين عاد مع عائلته إلى مسقط عام 1970 مع اعتلاء السلطان قابوس العرش كان رساما. وهو ما دفعه إلى اكتشاف البيئة الجديدة التي فاجأته.

لقد رسم أحياء مطرح حيث كان يقيم. وبقدر ما كان يحاول اكتشاف المكان فإنه كان يسعى إلى اكتشاف نفسه. فتلك بلاده التي حُرم من رؤيتها والعيش فيها زمنا طويلا. ستكون رسومه الوصفية مناسبة لإعادة الصلة وتوثيقها بالمكان. كان الرسم بمثابة علاج لقطيعة لم تكن مقصودة.

رسم سونيا بلادا لم يكن يعرفها من قبل غير أنه في الوقت نفسه استوعب فكرة مواطنته عن طريق الرسم. لقد امتزج مصيره بما يرسمه. سيقول لنفسه “أنت هناك. في الصورة كما في المشهد الذي تنقله. حياة مزدوجة ستعيشها ما تبقى من عمرك”. لذلك لم تكن لوحاته مجرد وصف محايد للمكان. لم يكن زائرا عابرا. كانت فكرة العودة إلى البيت أساسية ضمن طريقته في التفكير في الفن ومن خلاله.

مسقط العامرة بالألوان

تجريديات سونيا تستلهم الواقع من خلال اختزال علاقاته الشكلية وتحويلها إلى رموز
تجريديات سونيا تستلهم الواقع من خلال اختزال علاقاته الشكلية وتحويلها إلى رموز

كان على سونيا أن يفتتح دروبا تتبعه فيها تلك الأرواح التي وجدت في الرسم مستقرا لما تبحث عنه من جمال مجاور لجمال الطبيعة التي تتعدد مظاهره في بلد مثل عُمان. تمثلت خطوته الأولى في ذلك من خلال انضمامه إلى النادي الأهلي الذي ضم إضافة إليه حسن بورو ولال بخش ومحمود مكي ومنير صادق. كانت تلك الخطوة نقلة مهمة في تاريخ الحركة التشكيلية العمانية إذ حل الاحتراف محل الهواية وهو ما مهد لتأسيس الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عام 1993.

يقول سونيا “كانت مسقط القديمة عامرة بالألوان، وتكاد تشبه حارة من فرط تقارب البيوت والناس. وكثيرا ما كانت تسحرني طريقة تهندم المرأة، وكذلك البحر والميناء والسوق التقليدي والرقصات الشعبية، وكانت هناك بيوت تراثية مثل بيت العصفور، وفي هذا الوسط عشت فترة شبابي المبكرة التي تزامنت مع بداية تجربتي الفنية، حيث اشتغلت على البورتريهات والمناظر الطبيعية والمباني ذات الشناشيل الخشبية والتي لا تزال أطلالها باقية إلى اليوم”.

في سياق ذلك القول يمكننا العودة إلى الموضوعات التي عالجها سونيا في عدد من لوحاته؛ بائعة الملابس، الدلالة، السماك، بائعة الأكياس في مطرح، مصارعة الثيران في بركاء، بائعة الادوية، قلعة نخل، ومحاسبة بين مالك الأرض والفلاحين.

واقعيته تقوم على ركيزتين؛ الارتباط بالبيئة المحلية والنظر إليها عن قرب واقتطاع أجزاء منها تكون بمثابة شهادة تعبيرية من غير التركيز على المفردات التراثية إضافة إلى مشاركة الناس العاديين همومهم وعرض مشكلاتهم وهو ما يكشف عن الطابع الإنساني الذي تميزت به تجربة الفنان.

لقد فتنته البيئة وجذبت نظره غير أنه لم يضْفِ عليها طابعا رمزيا بقدر ما سعى إلى استحضارها كما هي والتقاط مواقع جمالها كما أنه ركّز على المشاهد التي توثق الحياة اليومية مع سعيه لاقتناص اللحظات التعبيرية التي تهب تلك المشاهد قوة استثنائية، تكون سببا مقنعا لاختيارها موضوعا للرسم.

التجريدي مستلهما الواقع

يمارس دور الساحر الذي تحلق خفته بمشاهديه، من غير أن تفقدهم صفتهم ككائنات واقعية
يمارس دور الساحر الذي تحلق خفته بمشاهديه، من غير أن تفقدهم صفتهم ككائنات واقعية

لقد اختبر الفنان مهاراته وقدرته على التحكم بمواده وتقنياته من خلال لجوئه إلى رسم الموضوعات المتاحة وهو في ذلك قد نجح في أن يبني أساسا مهنيا صلبا لتجارب الرسامين الذين ظهروا بعده.

كان وفيا للدور الطليعي والريادي الذي قُدر له أن يقوم به. لذلك يمكن القول إن رسامي السلطنة يدينون بالشكر لما فعله ذلك الفنان.

رسام الوجوه، كما يُلقب، لم تعد الوجوه تثيره بتفاصيلها الدقيقة وما تنطوي عليه من قوة تعبيرية. صار لديه هدف مختلف من رسم الوجوه. البحث عن قدرة الرسم في التعبير من غير الاستعانة بالموضوع الذي هو الوجه. لذلك صارت الوجوه تحضر شبحية من غير ملامح محددة وهي التقنية التي استعملها الرسام في معالجة موضوعاته الأخرى. يومها انتقل سونيا إلى مرحلته التجريدية.

 وهي مرحلة، حرص الرسام فيها على ألّا يكون منقطعا عن أسلوبه. سونيا التجريدي هو جزء مكمّل لتجربة الفنان الواقعي. بمعنى أن الرسام وصل إلى المستوى الذي يؤهله للنظر إلى خلاصات عمله باعتبارها أساسا لطريقة مختلفة في معالجة موضوعاته.

تجريديات سونيا تستلهم الواقع من خلال اختزال علاقاته الشكلية وتحويلها إلى رموز. فإذا كانت رسومه الواقعية تحتمل التأويل الحكائي، فإن رسومه التجريدية صارت قريبة من الرقى التي ينظر إليها السحرة باعتبارها أسبابا للخلاص. وليس ذلك بعيدا عن المكانة التي يحتلها سونيا في المشهد التشكيلي العماني. فالرسام الذي لم يُدر ظهره إلى الواقع في ذروة انهماكه التجريدي، كان يمارس دور الساحر الذي تحلق خفته بمشاهديه، من غير أن تفقدهم صفتهم ككائنات واقعية.

9