أنور قرقاش الإماراتي الأكاديمي الذي امتهن السياسة والدبلوماسية

الأحد 2017/09/03
ابن عصره ودولته

أبوظبي - يُقدّم وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش صورة حيّة مُشوِّقة عبر خطاب يُؤسِّسُ للمواقف، ويدخل في حوار مباشر مع الأجيال الجديدة في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لا ينزلق أو يشدّه بريق القراءات الكثيرة لتغريداته مثلا، من خلال “نَقْرات” حقيقية أو مزيفة، مؤيدة لرؤاه أو رافضة حاملة لحضن العالم في شموليَّتِه للبشرية أو مُتقوّقعة حول ذاتها في طرح هو أقرب إلى العنصرية وإن بدا خطابها وطنيا لدرجة الشوفينيَّة.

تَأْتِينا مُحدَّدات المواقف لديه والتي هي بالطبع تعبير عن مواقف الإمارات، كما يطرحها مهندس السياسة الخارجية للإمارات الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية والتعاون الدولي مُحَمَّلةً بزاد معرفي أكاديمي بالدرجة الأولى، يجعل تلك المواقف مُتفاعلة مع توظيف العلم لصالح السياسة، لكن مع رسم حدود للفعل السياسي بحيث لا يُهيْمِن على ميراث النظريات والمناهج في العلوم السياسية، ولذلك يشدُّ انتباه المستمع إليه في كل الحالات، لكنه هو أقرب إلى عقول العلماء والباحثين، حين يتحرك بعيدا عن فضاء المسؤولية، أي عند عودته إلى نفسه، إلى قرقاش الأكاديمي والأستاذ الجامعي، وهو ما يظهر جلياًّ عند مشاركته في الندوات والمحاضرات.

عَمَلِيا، يمتلك قرقاش عوامل قوة قلّما توفّرت لغيره من السياسيين، عربيا على الأقل، معظمها ذات صلة بتجربته، منها على سبيل المثال: الخلفيَّة العَلْميَّة، فهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيَّة، واشتغاله بالتدريس في الجامعة، ونشاطه الاقتصادي في القطاع الخاص، وعضويته لعدد من المؤسسات الحكومية، وتعيينه وزير دولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، وإشرافه على الانتخابات التي عُقدت في دولة الإمارات أعوام 2006 و2011 و2015.

إجابات العصر والمستقبل

عوامل القوة السابقة وغيرها ساعدت قرقاش على التواجد في فضاءات مُتعدِّدة، دون أن يضع بينها حواجز إلا ما تقتضيه الضرورة، ولأنه قادم من خلفية أكاديمية نجده يعمل على توضيح مداخلاته وإجابته بدقة، حتى لا تخضع لتأويل من الآخرين يكون أقرب لما يودُّون هم قوله، وكثيرا ما يعطي إجابات ذات طابع عصري، أو ذات رؤية مستقبلية، وسواء اتفق الآخرون معه أو اختلفوا فإنهم يُقرُّون بصوابها وصدقيّتها، مع أنها في كثير من الحالات تبدو مختلفة مع السياق العام للأحداث.

ولد قرقاش بدبي في 28 مارس 1959، ودرس في المدرسة الأحمدية وثانوية دبي وثانوية جمال عبدالناصر. ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، لدراسة العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن بالعاصمة واشنطن، وحصل على البكالوريوس والماجستير أواسط الثمانينات من القرن العشرين. وبعد الولايات المتحدة سافر إلى بريطانيا، للحصول على الدكتوراه من كلية كينغز بجامعة كمبريدج عام 1990.

نشاط قرقاش العريض والمعروف رسميا وجماهيريا ليس كل ما في جعبته، فمهامه الموازية لا تقل أهمية. ما يجعله رجلا للمهمات الخاصة لبلاده (في الصورة قرقاش يلتقي وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري)

ومنذ ذلك الحين وحتى أواسط التسعينات من القرن الماضي عمل قرقاش في سلك التدريس الجامعي بجامعة الإمارات العربية المتحدة، في العين. وأصبح عضواً في مجلس إدارة غرفة دبي التجارية في العام 1997. ثم في المجلس الاقتصادي في إمارة دبي وفي مجلس إدارة أبوظبي للإعلام، وفي تلك الفترة شغل قرقاش رئاسة تحرير سلسلة “دراسات استراتيجية” التي تصدر باللغتين العربية والإنكليزية عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.

أذكر أنّني سألته ذات يوم ضمن التحضير للانتخابات عام 2015: لماذا تصرّون على تخصيص مقاعد للمرأة في البرلمان مادامت عاجزة عن الفوز، ألا يعدّ ذلك تزويرا لإرادة الناخبين؟ فجاءت إجابته كما يلي “لأننا جزء من العالم المعاصر، حيث تقوم الديمقراطية على إشراك المرأة في المجالس المنتخبة وفي مؤسسات الدولة جميعها، لذا علينا التجاوب والتفاعل مع الاستحقاق الديمقراطي على المستوى العالمي”.

التنظير والممارسة

وخلال السنوات الماضية، بدءاً من العام 2006 حين انضم إلى الحكومة الاتحادية، أظهر قرقاش جدية ومثابرة وفعالية مميزة، سواء حين كان وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، أو عندما تم تعيينه في فبراير 2008 وزيرا للدولة للشؤون الخارجية ووزيراً للدولة لشؤون المجلس الوطني أو عند تعيينه وزيراً للدولة للشؤون الخارجية في آخر تشكيل حكومي عام 2016.

في كل ذلك كان قرقاش يُعِيد تجربته الناجحة حين اشتغل بالتدريس في جامعة الإمارات ما بين 1990 و1995، ودرّس فيها مواد “حكومة وسياسة دولة الإمارات”، و”نظم مقارنة” و”قضايا متعلقة بأمن الخليج”، وقد جمع في تعبيره عن سياسة الدولة محليا وخليجيا ودوليا بين التنظير والممارسة.

محددات المواقف لدى قرقاش، والتي هي بالطبع تعبير عن مواقف الإمارات، تأتي كما يطرحها مهندس السياسة الخارجية للإمارات الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية والتعاون الدولي، محملة بزاد معرفي أكاديمي بالدرجة الأولى يجعل تلك المواقف متفاعلة مع توظيف العلم لصالح السياسة، لكن مع رسم حدود للفعل السياسي

وإذا كان نشاطه السابق مُعْتَرفا به رسميا وجماهيريا، فإنّ نشاطاته المؤسساتية الموازية لتلك الأخرى ذات الطابع الرسمي، محلّ تساؤل من عدة أطرف، من ذلك رئاسته اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، ورئاسته فريق عمل دولة الإمارات العربية المتحدة للمراجعة الدولية لحقوق الإنسان، وعضويّته في مجلس أمناء أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، وخاصة رئاسته مجلس أمناء مؤسسة العويس الثقافية، حيث أن هذه المؤسسة تهتمّ بالأعمال الإبداعية بعيداً عن الحقل السياسي، وإن كان البعض يرى عدم أهمية السؤال عن نشاطه في تلك المؤسسات، لسببين، الأول: أن معظم تلك المؤسسات خاصة بالدولة، وبالتالي فإنّ من يقودها أو يرأسها يؤدي عملا وطنيّا يحسب له لا عليه، والثاني: أن قرقاش أثبت فاعليةً ونجاحاً في جميع المؤسسات التي تولّى قيادتها.

حكمة التغريد

الواقع أن التقييم والنقد لنشاط قرقاش ينبع من دوره البارز وتأثيره بدرجة كبيرة في الوسط السياسي والإعلامي، من ذلك التفاعل معه، سلباً وإيجاباً، خلال الأزمة الراهنة مع قطر، والتي كان فيها واضحا إلى أبعد الحدود، لدرجة جعلت منه، استنادا إلى توجيه ومتابعة الشيخ عبدالله بن زايد بما يمثّله من مرجعية، أكثر حضوراً مقارنة بزملائه في الدول المقاطعة لقطر.

وكان خطابه قائماً على التصعيد مع الدعوة الصريحة إلى تجنب الفرقة والتشتت، من خلال مواقف واضحة صُنّف على أساسها قرقاش بأنه جزء من الحلّ، في حين كشفت الحملة التي يقودها ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة من القطريين على أنه طرف في الأزمة على المستويين الدبلوماسي والإعلامي، وهو اتّهام غير مبرر، وحُجَّته داحضة، لأن قطر مسؤولة عن الحالة التي وصلت إليها، وأوصلت المنطقة إليها.

وزير الدولة الإماراتي يرى أن بلاده “جزء من العالم المعاصر” ولذلك يوائم رؤيته تلك مع مصالح بلاده لا سيما في الملفات الحساسة في المنطقة والعالم (في الصورة الوزير قرقاش مع رياض حجاب المنسق العام للهيئة السورية العليا المعارضة)

لقد بَيَّن قرقاش عبر تغريداته، المتواصلة، مواقفه الحاسمة، وسعة صدره لجهة التفاعل الإيجابي مع توقّعات وردود أفعال المغرّدين، غالبيتهم من دول مجلس التعاون الخليجي، لكنّه يتحرّك ضمن فضاء الحكمة، والعقلانية، والرؤية الثاقبة، كاشفاً عن حسّ وطني وخليجي وعربي وعن ثقافة سياسية واعية.

ويمكن للمراقب المهتمّ بالشؤون العربية أن يَلْمَس ذلك عند الحديث المباشر مع الوزير قرقاش، ويحقّ لي هنا أن أذكر تصوّره لنمط العلاقة بين الدول العربية في ظل اعتبار الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا من بعض الدول على غرار الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، واعتبارهم جزءاً من منظومة الحكم كما هو الأمر في السودان وتونس والجزائر والمغرب، وما سيترتّب عن ذلك من خلافات بين الدول العربية في المستقبل المنظور وهي إشكالية سياسية تتطلب حلاً سريعاً.

وعلى خلاف التصوّرات والتوقعات القائمة على نظرية الصدام والصراع المستقبلي بين الدول العربية، تأتي إجابة قرقاش عن سؤال، حول هذا الموضوع مطمئنّة للغاية، متجاوزة لتفكير كثير من السياسيين العرب، وتقدّم حلاّ مرحليا، حيث يرى أن الدول العربية تقيم علاقتها فيما بينها على قاعدة تعامل دولة عربية مع أخرى، وليس تعامل دولة مع حزب أو حكومة، ففوز الإخوان في الدول التي لا تعتبرهم تنظيما إرهابيّا لا شك أنه مزعج للدول التي تُصنِّفهم جماعة إرهابية، وتجعلها حذرة في علاقتها، لكن العلاقة بين الدول تظل قائمة، حتى لو “شَكَّل الإخوان حكومة أو حصلوا على بعض الحقائب الوزارية أو فازوا ببعض المقاعد في البرلمان”.

هكذا إذن بخبرة السياسي المحنّك والأستاذ الجامعي يُقدّم قرقاش إجابة عن سؤال، أراه الأخطر في المرحلة الراهنة، وهو: كيف ستكون العلاقات بين الدول العربية، وبعضها يصنّف الإخوان جماعة إرهابية وبعضها الآخر يعتبرهم شركاء في الحكم؟ وإجابته تلك جديرة بالاهتمام، ليس فقط لأنها تساعد على مدّ جسور بين الدول العربية رغم اختلاف الأنظمة الحاكمة ولكن لأنّها تكرّس مشروع الدولة الوطنية، والأكثر من هذا ترى في الإخوان المسلمين، جماعة أقل من أن تشكل دولة، مع أنها تدعو إلى الأُمَميَّة عبر التنظيم العالمي.

7