أنور وجدي من ممثل صامت إلى أشهر نجوم مصر

"صورة مع أنور وجدي" كتاب يقدم رؤية عن حياة الفنان المصري الراحل السينمائية والإنسانية كجزء لا يتجزأ من مسيرة صناعة السينما المصرية.
الثلاثاء 2020/07/14
فنان مثير للجدل

تحفل حياة العديد من الفنانين والمبدعين بتفاصيل مثيرة، خاصة في صعودهم من الظلال والهامشية إلى دائرة الأضواء والشهرة، صعود درامي في أغلبه، وطريق مليء بالانتكاسات والتفاصيل المثيرة. من بين هؤلاء الفنانين الممثل والمنتج السينمائي المصري أنور وجدي، الذي تعتبر سيرته وكأنها عمل درامي.

جمع الفنان أنور وجدي (1904 - 1955) على مدار مسيرته السينمائية التي تجاوزت ربع قرن، بين التمثيل والإخراج والإنتاج والكتابة، ليشكل من خلال ما يقرب من 70 فيلما واحدا من نجوم السينما المصرية ومن كبار صناعها منذ بداية الأربعينات وحتى رحيله في منتصف الخمسينات.

وفي كتابه “صورة مع أنور وجدي” يسرد أحمد عبدالمنعم رمضان سيرة أنور وجدي حيث يذكر أنه بدأ حياته الفنية على خشبة المسرح وعمل لفترة بفرقة رمسيس المسرحية، ثم اتجه إلى السينما.

سيرة مشوقة

أول فيلم شارك فيه أنور وجدي كان “جناية نص الليل” للمخرج محمد صبري إنتاج عام 1930. ليقدم بعد ذلك فيلم “أولاد الذوات” 1932، و”الدفاع” 1935، و”بياعة التفاح” 1939، و”انتصار الشباب” 1941، و”ليلى بنت الريف” 1941، حيث تعامل مع مجموعة من أهم مخرجي تلك الفترة، منهم أحمد جلال وأحمد سالم وتوجو مزراحي وأحمد بدرخان.

أسس الفنان شركة الأفلام المتحدة للإنتاج والتوزيع السينمائي عام 1945 وقدم من خلالها حوالي 20 فيلما من أشهرها سلسلة الأفلام التي قام ببطولتها مع ليلى مراد “قلبي دليلي”، “عنبر”، “غزل البنات”.. وغيرها، وقدم الطفلة فيروز وشاركها في أفلام من إنتاجه “ياسمين”، “فيروز هانم”، “دهب” 1953. من أشهر أفلامه “العزيمة”، “غزل البنات”، “ريا وسكينة”، “أمير الانتقام”، “غرام وانتقام”.

فيلم "ليلى بنت الفقراء" حقق نجاحا مدويا، وبفضل هذا النجاح نال أنور لقب "فتى الشاشة الأول"

ويقدم رمضان في كتابه رؤية متكاملة عن حياة وجدي السينمائية والإنسانية كجزء لا يتجزأ من مسيرة صناعة السينما المصرية، مؤكدا أنه لا يقدم بحثا أكاديميا أو كتابا تأريخيا، بل فضّل أن يكتب ما يشبه السيناريو أو الحبكة لقصة حياة وجدي الذي لو كان الزمن أمهله ليكتب قصته لما حكاها بصدق تام، كان ليختلق بعض الأحداث ويبالغ في بعضها ويضخم أخرى، ليس بغرض الكذب أو التجميل، ولكن بعقلية السينمائي الذي يحب الدراما والقصص المحبوكة والنهايات السعيدة.

وقال “حاولت أن أكتب قصته كما رأيتها في السينما وعلى صفحات الكتب وكما يحب هو أن يقرأها. لم أختلق أحداثا أتصور أن وجدي كان سيختلقها، ربما ساعدني في ذلك أن حياته لا تحتاج إلى المزيد من الدراما، إنها مفعمة بالتقلبات والحبكات المتداخلة”.

افتتح رمضان كتابه، الصادر عن دار آفاق للنشر والتوزيع، بمقال لوجدي بعنوان “رسالة إلى التاريخ” نشره بمجلة الصباح يوم 14 نوفمبر 1951 جاء فيه “أريد أن يذكر التاريخ عني أني شديد الثقة بنفسي، وهذا سر نجاحي في حياتي الفنية، فأنا أؤمن بما أفكر وبما أقول وبما أعمل، ويقابل هذه الثقة بالنفس احترام آراء الغير وعلمهم وإنتاجهم. وأريد أن يقول عني إنني كنت متواضعا جريئا في الحق لا أعرف مجاملة ولا مداهنة على حساب الفن أو سمعة الفنانين، متكبرا شامخ الرأس مع المغرورين الذين يظنون أن الدنيا ما خلقت إلا لهم. وأريد أن يقول عني عرفت الحياة وخبرتها وأنا في فجر الشباب”.

حياة أنور وجدي مفعمة بالتقلبات والحبكات المتداخلة
حياة أنور وجدي مفعمة بالتقلبات والحبكات المتداخلة

يسرد الكاتب كيف انضم وجدي لفرقة رمسيس بعد أن اعتاد التردد على مسرح يوسف بك في كل ليلة بصحبة عبدالسلام النابلسي ليعرضا عليه مواهبهما، عرفا أثناء ارتيادهما للمقهى المقابل للمسرح حيث كانا ينتظران مقابلة يوسف بك في كل ليلة دون جدوى، إلى أن نشبت النيران في جنبات المسرح ذات ليلة، وتقدما للمساعدة في أعمال الإطفاء وأبدى وجدي حماسة كبيرة دفعت يوسف وهبي أن يطلب من أحد العاملين أن يأتي له بهذين الشابين ليحييهما. عندما وقف وجدي أمام يوسف بك أخيرا قال له “ده أنا لو كنت عايز أقابل الملك كنت قابلته” ضحك يوسف بك بصوت عال وسألهما عما يريدان، فطلبا أن يضمهما إلى “رمسيس”، ووافق ثم أمر قاسم وجدي مدير المسرح بأن يدبر لهما عملا بالفرقة.

وقال رمضان إن أنور وجدي شارك أولا في المجاميع الصامتة، ثم نطق لأول مرة في مسرحية “راسبوتين” وبعدها حصل على مساحة تمثيلية أوسع في مسرحية “يوليوس قيصر” حيث أدى دور محارب روماني، وأعطاه يوسف بك مكافأة بخمسة قروش مقابل هذا الدور، قبل أن يعينه في الفرقة بأجر تراوح بين 3 و5 جنيهات في الشهر. في الوقت ذاته شارك بدور صغير في السينما، ثم أتاح له يوسف بك أيضا أول فرصة حقيقية في فيلم “الدفاع” الذي ألفه وأخرجه وأنتجه يوسف وهبي. كان من المقرر أن يتقاضى أنور ستة جنيهات عن دوره فيه إلا أنه لم يقبضها في حينها.

ولفت الكاتب إلى أن وجدي استقال من فرقة رمسيس ولكنه لم ينقطع عن المسرح تماما، بل انضم إلى فرق أخرى، وقضى فترة تصل إلى تسعة أعوام في الفرقة القومية التي أصبحت في ما بعد المسرح القومي، وصل فيها إلى أدوار البطولة في مسرحيات من إخراج أعلام المسرح، حيث اقتنع زكي طليمات بموهبته وأسند إليه الأدوار الكبيرة وأفسح له المساحات الواسعة، فقدمه في مسرحيات “تاجر البندقية”، و”قطر الندى”، و”الوطن”، و”شارع البهلوان” وهذه الأخيرة تم تحويلها بعد بضعة أعوام إلى فيلم سينمائي من بطولة كمال الشناوي، وبعد ذلك شارك وجدي في بطولة مسرحيات “النائب العام” من إخراج سراج منير، و”غادة الكاميليا” و”الليدي وندرمير” لفتوح نشاطي، وزاد أجره من ثلاثة جنيهات في الشهر إلى 20 جنيها، إلا أنّ عينه ظلت عالقة بشاشات السينما التي مازالت هي كل همّه.

حب اليهوديات

زواجه من ليلى مراد كان مفاجأة للعاملين في فيلم "ليلى بنت الفقراء"
زواجه من ليلى مراد كان مفاجأة للعاملين في فيلم "ليلى بنت الفقراء"

قال رمضان أن أنور وجدي كان مغرما باليهوديات ولم تكن ليلى مراد أول يهودية في حياته، ولم تكن محاولاته لاجتذاب كاميليا المنسوبة لأصول يهودية هي محاولته الوحيدة.

حول زواجه بليلى مراد أوضح رمضان “دعا وجدي جميع العاملين بفيلم ‘ليلى بنت الفقراء’ من ممثلين وفنيين وعمال، بالإضافة إلى جمع من الصحافيين والمصورين، إلى حضور تصوير مشهد النهاية للاحتفال بإنجاز الفيلم. كان أنور يرتدي بدلة لامعة وليلى تلبس فستانها الأبيض لتصوير مشهد زفاف البطلين. حينها أعلن وجدي أمام كل الموجودين بيانًا مهمًا، وهو أنه لن يتزوج ليلى في الفيلم فقط، ولكنه قد عقد قرانه عليها فعليًا قبل يومين في قلم المأذونية بمحكمة مصر الابتدائية الشرعية”.

وأضاف “باغتت المفاجأة الحاضرين، قبل أن ترتسم على وجوههم الابتسامات، مبديين سرورهم وناشرين في الاستوديو مظاهر الفرح، حيث توافدوا جميعًا على العروسين لتهنئتهما، بينما تبادل آخرون الغمز واللمز في ما بينهم، وانشغل الصحافيون بتسجيل وقائع الحدث ليفردوا صفحات وأغلفة ومانشيتات للزيجة الجديدة وقصة الحب التي كانت متداولة كإشاعة على صفحاتهم منذ أيام وأصبحت معلنة ورسمية الآن بعد إنكار الطرفين لحقيقتها طوال الأيام السابقة”.

وتابع عن إسلام ليلى مراد “كانت سلسلة أفلام ‘ليلى’ تحقق نجاحًا كبيرًا، ولكن زواج النجمة من بطل فيلمها الجديد ساهم في المزيد من الرواج لفيلمهما الأحدث، وانهالت عليهما التهاني وباقات الورود، بمناسبة الفيلم تارة وبمناسبة الزيجة طورا آخر، في بيتهما بعمارة الإيموبيليا عند تقاطع كل من شارعي شريف باشا وقصر النيل في وسط البلد. كانت الشقة مطلة على مسجد مجاور للعمارة، مما سبب إزعاجًا لليلى التي كانت تستيقظ على صوت آذان الفجر كل صباح، حتى طلبت من أنور أن ينتقلا إلى شقة أخرى، وهو ما سعى إليه فعلاً، أو هكذا أخبرها”.

فيلم "ياسمين" أنقذ أنور وجدي من سلسلة أفلام ليلى
فيلم "ياسمين" أنقذ أنور وجدي من سلسلة أفلام ليلى

ويسرد الكاتب كيف أنها أيقظته في إحدى الليالي مع صوت آذان الفجر، فأشاح في وجهها وقال “عارف.. عارف.. مش عارفه تنامي من صوت الآذان، اصبري لحد ما ننقل لشقة جديدة”، فقالت له “لاء يا أنور، أنا صوت الآذان حلو أوي النهاردا في وداني… أنور، أنا عايزة أسلم”، فأجابها دون أن يحرك ساكنًا “أنتِ بتحلمي يا ليلى، نامي يا حبيبتي، أنا عندي شغل بدري”، ولما أصرت على جدية حديثها قال لها “قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونبقى نروح الأزهر”، فرددت الشهادة وبعدها أضاف “أهو أنتِ كده أسلمتي”.

وأكد رمضان أن فيلم “ليلى بنت الفقراء” الذي عرض في يوم الاثنين 5 نوفمبر 1945 لأول مرة في سينما ستوديو مصر، الذي حقق نجاحا مدويا، وبفضل هذا النجاح وخلال هذا العام نال وجدي لقب “فتى الشاشة الأول الذي سيتحول بمرور الزمن لـ’نجم مصر الأول’ وذلك بعد أن عرض في عام 1945 أكثر من عشرة أفلام من بطولته كان أبرزها ‘ليلة بنت الفقراء’ إضافة إلى ‘ليلة الجمعة’ و’رجاء’ و’قتلت ولدي’ و’القلب له واحد’، و’ليلة الحظ’ وغيرها. تربع أنور وجدي على قائمة نجوم التمثيل على مر السنين اللاحقة، فاختير في استفتاء مجلة الفن لعامين متتاليين 1947 و1948 كفتى السينما الأول”.

14