"أنيارا" مغامرة البحث عن كوكب بديل بعد خراب الأرض

 فيلم "أنيارا" استلهم قصته من قصيدة للشاعر السويدي نوبل مارتينسون، فأتى مُراوحا ما بين شكل الخيال العلمي والشاعرية الحسية.
الاثنين 2019/08/05
شخصيات لا تعرف مصيرها وما هو مستقبلها؟

لا شك أن قصة البحث عن بديل عن الأرض، فضلا عن استكشاف كواكب ومجرات أخرى، حظيت باهتمام كبير في سينما الخيال العلمي. ففكرة المغامرة والتحدي في الرحيل نحو كوكب آخر كانت وحدها تستحق أن تتم معالجتها سينمائيا، وخاصة مع ما تحمله من مفاجآت ومخاطر ومصاعب.

بقيت العبارة السحرية “ماذا لو؟” هي التي تحرك العديد من أفلام الخيال العلمي وتدفع باتجاه المغامرة والمجهول ومحاولة الإجابة عن غموض الأماكن غير المرئية التي وصل إليها الكائن البشري، في حل بديل عن الأرض المهددة بالخراب.

وقدمت سينما الخيال العلمي العديد من الأفلام من هذا النوع نذكر منها الفيلم الشهير والمؤسّس “رحلة إلى القمر” (إنتاج 1902)، وفيلم “رحلة إلى الكوكب السابع” (1962) و”كوكب فامباير” (1965) و”سولاريس” (1972) و”النجمة المظلمة” (1974) و”ستارتريك” و”الثقب الأسود” (وكلاهما من إنتاج عام 1979)، مرورا بفيلم “ممر النجوم” (1994) و”رحلة إلى المريخ” (2000)، وصولا إلى “نجمي” (2014) والعديد من الأفلام الأخرى.

وفي فيلم “أنيارا” للمخرجين بيلا كاجيرمان وهوغو ليليا سوف نخوض في الثيمة ذاتها من منطلق الفناء الأرضي وبحث الناجين من البشر عن ملاذ آمن، حيث يتم إنشاء مستعمرة فضائية ضخمة تحت اسم “أنيارا” يفترض أنها تقع في كوكب المريخ، وهناك يجد الجميع أنفسهم في عالم مترف يوفّر لهم كل ما يحلمون به فيلهون في الجلوس في المقاهي وزيارة المتاجر وأماكن اللعب.

ويفاجأ النازحون إلى المريخ بإعلان قبطان السفينة (الممثل آرفين كانانيان) أن عطلا خطيرا أصاب المركبة ولن تتمكن من العودة بحسب المدة التي تم الاتفاق عليها، وهي أقل من شهر، وأن الركاب على متن المركبة سوف يضطرون إلى البقاء مدة أطول، وربما تمتد لسنوات.

قصة البحث عن بديل عن الأرض
قصة البحث عن بديل عن الأرض

وتسري مشاعر الإحباط في أوساط النازحين ويعبرون عن ذلك بصراخ هستيري، ولكن من دون جدوى، ثم يتخذ السرد الفيلمي مسارا آخر من خلال التتابع الزمني في كل قسم من أقسامه، وذلك من خلال ظهور عناوين بالمدة الزمنية التي مرت والتي تمتد لسنوات.

وفي المقابل، يتشكل نسيج اجتماعي غرائبي، إذ تتولى ميماروبن (الممثلة إيميلي جونسن) إدخال المشاركين في برنامج يشبه التنويم المغناطيسي فيخلدون إلى ما يشبه السبات وتلاحقهم خلال ذلك ذكريات الطفولة والعديد من الذكريات المؤلمة التي يسعون للتخلص منها.

لكن ما لم تكن ميماروبن تعلمه أن النسوة كن قد انتظمن في تجمع سري تتم دعوتها إليه وتجري فيه طقوس في إطار عدم انقراض البشر على سطح الكوكب الجديد. وواقعيا لم يكن ذلك كله إلاّ محاولة لانتشال العديد من المسافرين إلى الكوكب الجديد من صدمة البقاء الطويل فيه والتركيز على فكرة المغامرة والاكتشاف التي لم يسبق أن مروا بها في حياتهم. ولنمض مع هذه الأحداث ليتشكل نسيج انفعالي من العلاقات المضطربة بين الشخصيات التي لا تعرف مصيرها وما هو مستقبلها؟

ويواجه الركاب قدرهم بعد نفاد المؤن ويتم إطعامهم بدائل يتم تصنيعها مختبريا، ومع أنهم يتقبلونها على مضض، إلاّ أن ذلك سوف يتحوّل إلى واقع حال بالتزامن مع مساعي إلحاق السفينة بمدار فضائي ينقذها من البقاء عالقة في المدار المجهول.

ولا شك أن هناك مساحة تأملية واضحة في هذه الدراما الفيلمية، وذلك من خلال استلهام قصة الفيلم من قصيدة للشاعر السويدي نوبل مارتينسون، ولهذا يمكن القول إن المعالجة الفيلمية قد تراوحت ما بين أسلوب وشكل الخيال العلمي وبين الشاعرية التي تزخر بالصور الحسية في إطار جمالي مختلف تم من خلاله إنقاذ الإيقاع الفيلمي من الترهل والرتابة.

ولعل كثرة وتنوع الشخصيات كانا عاملا آخر حمل في طياته مسألة السيطرة على مسارها في إطار الدراما الفيلمية من جهة، وتقديم الشخصيات الأكثر تعبيرا عن الأزمة من جهة أخرى، وهو جانب مهم برع فيه المخرجان في تقديم شخصيات درامية متنوعة.

وتنهار خيالات الشخصيات وهي تواجه قدرها في مواجهة حقيقة أن ذلك الحشد عالق في أجواء مجهولة وينتظره مستقبل غامض، ولهذا يتشبثون بالخيال والميتافيزيقا علهم يجدون فيها ملاذا يخرجهم من الأزمة.

أحداث تدفع باتجاه المغامرة والمجهول
أحداث تدفع باتجاه المغامرة والمجهول

لكن ما لم يكن متوقعا هو أن تتحوّل خيالات وأحلام الشخصيات السلمية إلى خيالات مخيفة وكوابيس لا تنتهي، مما يثقل الأمر على ظهر المركبة الفضائية. وإذا كنا بصدد الشخصيات الدرامية فقد بلورت الأحداث وجود ميماروبن كند قوي في الأحداث وتحوّلها إلى عنصر فاعل بإحاطتها بكل من حولها وانتقالها بين الناس التوّاقين للعودة إلى ديارهم.

ولعل المعالجة الفيلمية للأحداث قد تبعثرت على الرغم من جمالية الأداء وتنوع الشخصيات، إلاّ أن الحل الإخراجي كان يتجه، اضطرارا كما يبدو، إلى إيجاد بدائل تخفّف من محدودية المكان الذي وجدت الشخصيات نفسها في وسطه، ولهذا كان لا بد من تلك المعالجة التي تشظّت مرة أخرى إلى جماعات تمارس حياتها بشكل طبيعي.

إنها دراما عن العزلة الإنسانية والذكريات القاسية والمستقبل المجهول، كل ذلك اجتمع في فيلم “أنيارا” الذي سعى إلى إقناعنا بأن ما يجري هو في كوكب ناء عن الأرض، بينما نحن نرى أن كل شيء ذو طبيعة أرضية لا يخرج منها.

16