أن تبرع في كتابة الشعر إذن أنت نرجسي

انتشرت قصيدة النثر في الساحة الأدبية العربية وباتت واجهة الشعراء الأبرز لملامسة عوالم ومناخات شعرية جديدة لما يوفره شكلها المتحرر من القيود لمضمونها من حرية تسمح بالتطرق إلى أكثر الأماكن والتفاصيل بعدا وتحويلها إلى عالم الشعر. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعرة التونسية هدى الدغاري حول الشعر والحرية.
الخميس 2017/05/11
كتابة الشعر أشبه بنحت طريق

تعتبر الشاعرة التونسية هدى الدغاري من بين الأصوات الشعرية التي تخلق لنفسها عوالم خاصة في محاولة لنحت صوت متفرد، لا يعترف بالحدود الجنسية في الأدب، والتقسيمات التي لا تخدم الأدب بقدر ما هي تصنيفات واهمة تخفي غايات بعيدة عن الأدب.

يرى الكثيرون أنه غالبا ما تنحصر نصوص المرأة العربية في عوالمها الخاصة، فيما يطلق عليه “الأدب النسوي”، لكن الشاعرة هدى الدغاري تعتقد أنّه لم يعدْ من الضّروري طرح هذا المصطلح اليوم، بعد معارك خاضتها المرأة منذ أكثر من نصف قرن من أجل رفع هذا اللبس المتعمد، أو النظرة الدونية التي تستبطنها هذه التسمية، كما تقول.

الاختلال الثقافي مزمن ويرجع بالأساس إلى غياب مشروع ثقافي حقيقي يأخذ على عاتقه البناء الحضاري للإنسان

تضيف الدغاري “على المرأة الكاتبة اليوم أن تلتزم أحيانا الصمت وتُحجم عن الإجابة كشكل من الاحتجاج الفعليّ على تكرار الحديث عن معركة حُسمت، لكن البعض مازال يصرّ على طرحها لاعتقاده أنّ المرأة الكاتبة تنافسه على موقع ذكوري بامتياز، وكأن الأنوثة حائط مترهّل يُخفّض من منسوب الإبداع لديها”.

قصيدة النثر

تقول الشاعرة “يمكن القول إن الكاتب وهو يمارس فعلته المشتهاة: خلق النّص، يتحوّل إلى جنس ثالث أكثر اتّساعا وبوعي يتجاوز كل العقد المستبطنة والترهّل الفكري. فحتى أن يكتب الرجل عليْه أن يستبطن خصائص الأنوثة، وأن تكتب المرأة عليها أيضا أن تستبطن ذكورية ما. بهذا المعنى فقط نكتب، بعين على الالتزام بالترفيع الدائم في سقف الإبداع وشروطه الجمالية، وعين أخرى نُغمضها عمدا أمام أي تمييز سلبي يعترضنا ولو بمكر ناعم”.

تكتب ضيفتنا قصيدة النثر، نسألها هنا عن رؤيتها لهذا النمط الشعري الذي اكتسحته الأقلام، وأغلبها عن غير وعي، لتجيبنا “أعتقد أن قصيدة النثر استفزت ومازالت تستفز ذائقة المتلقّي العربي الذي أخرجته من تنميط وإيقاع مغلقين سارت عليهما القصيدة العمودية قرونا طويلة، إلى نمط شعريّ يقول العالم على نحو مغاير، متدفّق كأنهار عابرة في ذات الوقت لروح الشاعر، الكون واللغة. هذه الثلاثية الموغلة في المحسوس تستطيع في لحظة امتزاج حقيقية أن تُنْشئَ نصّا شعريا شديد الرّهافة، موغلا في البساطة العميقة، ماسكا بطراوة مذهلة يقذفها الشاعر فيتلقفها المتلقّي بحواسّه. فلا معنى في اعتقادي لقصيدة نثر لا تستنفر كل حواسّنا، حين نقرأها أو حين ننصت إليها”.

الكتابة كالتصوير السينمائي

الكثير من شعراء قصيدة النثر متأثرون بالنصوص المترجمة، فصاروا يكتبون متكلفين بالعربية نصوصا عن عوالم لا تمت إليهم بصلة. هنا نتطرق مع الدغاري إلى الحديث حول المحلية والكونية في الشعر، إذ ترى أن انفتاح الشاعر على النصوص المترجمة ضرورة، فهي تمثل تجارب وعوالم تأتي إلينا وتفرض جمالياتها ولمَ لا، تسهم في إغناء ذائقة الشاعر وتوسّع مجال الخيال عنده، تماما كانفتاحه على شتى أنواع الفنون الأخرى. كلها روافد تنصهر في قلب الشاعر، في رأيها، لتخرج القصيدة كوْناً بأسْره، تقول الإنسان بكل عواطفه وميوله وخيباته.

بهذا المعنى تؤمن الدغاري بالكونية في الشعر لأنها تؤمن بكونية الإنسان. لكن أن يغرق شاعر في النصوص المترجمة، ويرتهن إليها في شكل من الانبهار أو تبعيّة الهامش للجوهر فهذا ما ترفضه الشاعرة، معللة ذلك بأنه شكل من الصنمية يصنعها الشاعر ويعبدها، في مرحلة ثانية يعيد إنتاجها بشكل ماسخ، يُغلّفها بغرائبية مصطنعة كشكل من أشكال التّشبّه بالنصوص “المعبودة” إنْ صحت العبارة. وهنا الإشكال فعلا.

تقول الدغاري “أن تكتب الشعر، معناه أن تنحت طريقك المميّز بعد هضمك لطرق ملتوية ومتشعّبة مشى فيها غيرك، أن تبرع في كتابة الشّعر معناه أنك نرْجسيٌّ بما فيه الكفاية، حتّى تكتب نصّا يقول العالم وأنت قابعٌ في كوخك المحلّي”.

مشروع ثقافي

قصائد هدى الدغاري تحمل معجم الطبيعة، كما تتطرق إلى التفاصيل اليومية المهملة تستلهم منها عوالمها الشعرية، تحدثنا الدغاري عن عوالمها الشعرية في تشكّلها، فتقول “الطبيعة تراب القصيدة وماؤها الدّافق، وجهها الموغل في التفاصيل، المتوهّج بلغة الحسّ والحيوية والحركة، الكتابة كالتصوير السينمائي، التقاط للصّورة بتدفّق نبض الحياة فيها: بذاك الاحمرار الذي يعلو الوجنتيْن وتلك الروح الدافقة بهزة نهد، أو رعشة أصابع شيخ، بالتقاط لدمعة يتيم بسخونتها الهاطلة على خدّه. وأنا أسعى حثيثا لكتابة الحياة المثقلة بالضجيج والهدوء في آن واحد، كتابة نص متحرّك، متأرجح بين اليومي والاعتيادي والحميمي بلغة شعرية فيها خفّة وطراوة”.

قصيدة النثر استفزت ذائقة المتلقي العربي الذي أخرجته من التنميط الذي سارت عليه القصيدة الكلاسيكية

وحول رأيها في المشهد الشعري التونسي اليوم، وخاصة فيما تكتبه النساء التونسيات، إن كان ارتقى إلى المأمول، تعتقد ضيفتنا أنّ المسألة أعمق من مجرّد الحديث عن تقييم ما تكتبه النساء التونسيات، أو تقييم للمشهد الشعري التونسي بشكل عام، على الأقل هي لا تراه دورا يمكن أن تضطلع به، فهذا دور النقّاد بالأساس. هذا إذا اتّفقنا على تحديد مفهوم النقد ومن هو النّاقد الذي يُعتدُّ برأيه. وهذا في رأيها معضلة بحد ذاته.

من جهة أوسع يرى الكثير من المتابعين أن المشهد الثقافي عامة في تونس يعاني من اختلال واضح رغم حيز الحرية الذي توسع بعد الثورة، وتعلق الشاعرة حول هذه النقطة قائلة “أعتقد أن الاختلال مزمن ويرجع بالأساس إلى غياب مشروع ثقافي حقيقي يأخذ على عاتقه بناء الإنسان وتطوير أدائه ومن ثمّة المساهمة في البناء الحضاري بشكل عام، يأخذ فيه المبدع مكان الرّيادة. في غياب هذا الموجّه العام يظل المثقف مهمّشا جرّاء تهميش الثقافي. أعتقد أن هذا المطلب لم يكن ذا أولوية عند مشرّعي السياسات قبل الثورة وبعدها، والحرّية التي اتسع مداها لم تقدّم لنا سوى توسيع لدائرة الرديء والمزيد من الإحساس بالغربة”. أما عن دور الشاعر والكاتب والمثقف عموما اليوم، فتلخّصه هدى الدغاري في ألا يكون مهرّج السّلطان.

15