أن ترسم وأن تقتل

السبت 2015/01/17

لم تخل أي من التعليقات التي دارت حول موضوع المجزرة التي ارتكبت بحق صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية، من بعض التبرير الذي يتلمس للجناة عذرا في فعل ما فعلوه، فأضعف الإيمان كان أن الصحيفة استفزت مشاعرهم الدينية، وأساءت لشخص النبي محمد من خلال رسومها الساخرة، وقد أدى هذا الاستفزاز إلى حدوث تلك الجريمة، طبعاً هذا التبرير وضع المبررين أنفسهم في موقف حرج، فلماذا لم يُقدموا هم على مثل هذه الفعلة مثلاً؟ ألم يستفزهم الرسم الكاريكاتيري أم أن الغاضبين للنبي أشد إيمانا منهم؟

التبرير الثاني والذي حمل الكثير من الغرابة والاستخفاف بالعقول هو اعتبار أن الصحيفة حرة في نشر ما تراه من رسوم، وأن الآخرين أحرار أيضا في التعبير عن ردة فعلهم، وهذا التبرير يميل إلى اعتبار إزهاق أرواح الآخرين حرية رأي، شبيهة بمقال في جريدة أو رسم كاريكاتوري، وعلى هذا فإن من حق حملة هذه النظرية أن يعمموها باعتبارها اكتشافا فوق حداثوي، فالقتل يصبح واحدا من طرق التعبير، أو حرية الرأي، وعلى هذا فإن قيام قوات الأسد و”قطعان الشبيحة” بقتل المدنيين في سوريا هو نوع من حرية التعبير الذي قابل المظاهرات السلمية التي طالبت بإسقاط نظام الأسد، الذي يعتبره أتباعه “مقدسا”، وأطلقوا شعارات وقاموا بتصرفات تؤكد أنهم لا ينظرون إلى بشار الأسد باعتباره رئيساً للجمهورية، بل باعتباره قيمة عليا، وأن وجود سوريا مرتبط ببقائه على كرسي السلطة. وفقاً للنظرية أعلاه فإن من حق هؤلاء الدفاع عن مقدسهم، ويمكننا اعتبار البراميل التي تنهمر على مدن السوريين وقراهم، والصواريخ التي أزالت أحياء بأكملها، طريقة خاصة في إبداء الرأي.

ليس مجديا مناقشة ما إذا كان يحق لـ”شارلي إيبدو” الاستهتار بمشاعر المسلمين، أو سخريتها من تنظيم داعش، فالصحيفة أكدت أنها مستمرة ولن تتوقف عن نهجها، وقد أطلت على قرائها الأربعاء الماضي في عدد يمكن وصفه بالتحدي، وتصدرت العدد لوحة كاريكاتورية مستفزة تصور ما قيل إنه النبي محمد وهو يحمل لافتة كتب عليها “أنا شارلي”، ورسوماً كاريكاتورية داخلية أكثر استفزازاً ربما، ونفد العدد الذي طبعت منه ثلاثة مليون نسخة بست وعشرين لغة خلال ساعات من الأسواق الفرنسية والأوروبية، ونافست “شارلي إيبدو” كبريات الصحف العالمية وما زالت تتصدر عناوين النشرات الإخبارية، وقد تحافظ على هذا المكسب قبل أن تنحسر موجة الضوء، وتعود إلى وضعها الطبيعي، إن لم يحدث طارئ جديد.

من المفيد التذكير أن العديد من مهاجمي “شارلي إيبدو” من المصريين تحديداً، ومن المنضوين تحت راية “إلا رسول الله” التي رفعت أول مرة عقب نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول عام 2005 لا يجدون هذه الأيام، ضيرا في السخرية من البابا تواضروس بابا الكنيسة القبطية وتصويره في حالات كاريكاتورية، وعدم مراعاة مشاعر أتباع الكنيسة التي يرأسها البابا تواضروس والذين ينظرون إلى شخصه بشيء من القداسة، طبعا السخرية هنا بسبب اختلافهم معه سياسياً، وليس المقصود من هذا الكلام المقارنة بين شخصية النبي محمد وبين بشار الأسد أو بين البابا تواضروس، لكنّ لكل منا مقدساً وهذه حقيقة ينبغي عدم تجاهلها، ثم إن المنطق الذي تقاس به الأمور من وجهة نظر المروجين لنظرية القتل كوسيلة من وسائل التعبير يختلف عن المنطق الذي ينظر إليه الفرنسيون خصوصا، أو الغربيون بشكل عام إلى شخصية النبي محمد أو إلى مسألة الحرية برمتها.

لا يمكن أن يكون القتل وحتى التهديد اللفظي وسائل للتعبير، كما لا يمكن أن تكون الجريمة والتدمير والاعتقال والقصف الصاروخي وتهجير الملايين ردا مناسبا على أي مظهر سلمي، مهما كان هذا المظهر مستفزا للبعض، ومهما حُمِّل ذلك المظهر من تأويلات واتهامات لا يحتملها، و ليس أقلّها الخيانة والمؤامرة الكونية سواء التي تستهدف السيادة الوطنية وفق منطق النظام السوري ومؤيديه، أم التي تستهدف الإسلام والمسلمين كما يرى الغاضبون من الرسوم الكاريكاتورية، وما أكثرهم في الحالتين.


كاتب سوري

9