أن تطيع الحياة كجندي عائد من الموت

الأربعاء 2015/01/07
ستيفان هيرتمانس يخرج الحرب من أوراق جده ويجعلها صورا حية

الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لم تكن لتمرّ غير ملحوظة في بلد صغير كبلجيكا، عايش جبهات النار، واحتفظ بآثار وجود العدو والحلفاء على أرضه.لكن الذي لم يكن متوقعا ربّما هو أن تصدر في 2013 رواية بمستوى رفيع، توثق الوجه البشع للحرب بحواس وعاطفة إنسان عايشها، وشارك فيها، وبقلم شاعر وكاتب عارف بالفن، استطاع أن يوجِد مشاهد لا تترك القارئ بعيدا، بل تشدّه إليها بقوّة.

ستيفان هيرتمانس في “حرب وتربنتين” المتوجة عام 2014 بأكثر من جائزة أدبية، يروي حكاية جدّه أوربان مارتيان، الذي ولد في بلجيكا ما قبل التعليم الإجباري والتأمين الصحي وقوانين العمل. حيث كان الصغار يمارسون أعمالا شاقة برواتب زهيدة لمساعدة ذويهم، ويتقاسمون المسؤولية، كما يتشاركون في الطعام والمسكن.


ما تحتمه الحرب


ابن الرسام الذي يحلم بأن يكون رساما، يجد نفسه في جبهات القتال بكل ما فيها من شراسة، يعيش قذارة الحرب ويرى ارتماء الأعضاء البشريّة، يتحرك بين الجثث، يتلقى الأوامر ويعطيها، ثم يصاب لينجو من الموت أكثر من مرة، ويعود بعد النقاهة إلى ساحات القتال مجددا.

الحرب التي يخرجها ستيفان هيرتمانس من أوراق جدّه ليست تلك التي تسرد الأرقام وتلاحق الأحداث في عجالة، بل تلك التي يجوع فيها الجنود ويذبحون فيها حصانا وجدوه للاقتيات من لحمه، تلك التي تشوى فيها الجرذان الطاغية المتقاتلة على الجثث، وتلك التي يقضي فيها الجنود حاجاتهم في مكان تواجدهم الجماعي، فتحيط بهم الروائح الكـــريهة، دون أن تكون أمامهم خيارات أخرى.

مقطع من الرواية: "في النور الرمادي للصباح"
”الذي رأيناه أمامنا ذاك الصباح في الشفق، وخارت لهول منظره قوى الجميع: حشد من الكلاب والأرانب والقطط، وأبناء عرس، وفئران الخيل، والجرذان بأنوفها بالكاد فوق سطح الماء تسبح كجيش من غير عالمنا.

بأنوفها الحساسة صارت مثلثات غير معدودة تتقدم في مساحة الماء الناعمة السوداء. فتحت قنوات جرّ المياه في نيو بورت، وحتى ستاوفنس كيرك، بيرفايز، تيرفات وسخوربـاك، فإن المياه علت الأرض.

لقد أدركنا ببطء أن تقدّم العدو سيتوقف لهذا السبب. بقلوب تخفق بقوة، وقفنا نشاهد المنظر.

كان ممنوعا منعا صارما إطلاق النار على الحيوانات، لأن ذلك سيفضح موقعنا. هكذا رأيناها، الرسل الدقيقة الأنوف لعالم ملعون، هاربة من أرمجدون، غير مفهومة، تصل إلى اليابسة تنفض فروها، ودون حساب أيّ حساب تركض على طول خنادقنا، عمياء في هروبها كاللاموس.

لا أحد حاول الإمساك بالحيوانات، لا أحد أراد أن يقتل واحدا منها ليأكله، رغم جوعنا الشديد. كملائكة متنكرة من يوم القيامة غابت الكائنات الشبحية المثابرة عن الأبصار، قافزة على الوحل الأسود اللامع في نور الصباح الرمادي”.

(من الصفحتين 206 و207 حرب وتربنتين لستيفان هيرتمانس).

الجندي ينفذ الأوامر، ويغامر بحياته ويتعوّد على رؤية أبشع صور الموت، وإن تعاطف مع المتألمين أحيانا، فليس بإمكانه دوما الإنقاذ أو الإسعاف أو دفع حياته ثمنا رخيصا، لا يفضي إلى شيء.

عدا كراهية العدو التي تحتِّمها الحرب تكشف الرواية عن تفاصيل مؤذية لنفوس هؤلاء البلجيكيين الفلامان، الذين عوملوا بشكل أسوأ من أبناء وطنهم المجندين المتحدثين بالفرنسية، وكأنهم أقل مستوى أو قيمة. لا شيء يغيب في الرواية لتتحول أجواء الحرب والتنقل على الأراضي البلجيكية صورا حقيقية؛ فيها تغيّر الفصول وطبيعة البلاد، وما دخل إليها وعليها من أسلحة مثيرة للدمار والرعب، كتفصيل يذكر استعمال غاز الخردل مثلا.

الجدّ الخارج من الحرب برتب وميداليات، وبعد ذلك بتعويضات مادية، هو من سيحمل آثارها على جسده وفي كوابيسه، وهو الشاب التقيّ العائد إلى بيت والدته، ليبدأ حياة انتصرت على الموت أكثر من مرة. شاب من زمن كتمان المشاعر، وكبح الرغبات، وشحذ العزيمة للقدرة على الاستمرار في حياة متقشفة وقاسية.


الحمولة الإنسانية


سعادة الجد في إيجاد من ستشاركه حياته سرعان ما ستنطفئ، بعد أن تمرض وتموت قبل زواجها منه، ويجد نفسه مطيعا كجندي يوافق على الزواج من أختها غابرييلا. في أوروبا المطعونة في أخوّتها، الباحثة عن التعافي، القريبة من الدّين، يواصل بطل الرواية مشواره، ومعه حفيده الكاتب الذي يتنقل بين ما تركه جدّه على الورق من كتابات، وما خلّفه من رسوم، وبين الأعمال الفنية التي تأثر بها هذا الأخير أو ألهمته. فنجد في الرواية سطورا عن روزاموند شوبرت وأرليزيان جورج بيزيه، وعن لوحات لأنطوني فان دايك وريمبرانت وفيلاسكيز وغيرهم.

الرواية التي نجحت بحمولتها الإنسانية في حصد أكثر من جائزة على الصعيد الهولندي والبلجيكي، وهي مؤهلة في حالة ترجمتها إلى لغات أخرى لنجاحات أكبر، ولن يكون مستغربا إن تحوّلت إلى عمل سينمائي ناجح؛ فهي تمتلك كل المقوّمات لذلك.

15