أن تعود إلى غرناطة

الخميس 2015/10/29

كما يذهب العاشق خلف أثر ما لمن يحب، دخلت غرناطة فجرا. وكما يبحث العاشق المهووس عن شيء يدلّ على المعشوق، أسرعت بحثا عن نزل قريب من محطة قطاراتها المركزية. فلا وقت لديّ لإهداره في المفاضلة بين هذا النزل أو ذاك، ولا استعداد عندي للتضحية بمثل هذا الوقت الذهبي المبكر من صباح المدينة، فالمدن، كل المدن، لا تكون هي هي في جميع الأوقات والساعات، وإن أراد الغريب اكتشافها على النحو الصحيح، فعليه بها صباحا، أو في الهزيع الأخير من الليل.

وهكذا كان، ألقيت بحقيبتي الصغيرة في غرفة الفندق المجاور للمحطة وأسرعت إلى غرناطة.

في جيبي -كما يفعل الغرباء في الأماكن الجديدة- خرائط سياحية معدّة على عجل وبلا شروحات ولا تفاصيل كثيرة؛ فهناك، بحسب من أعدّها، القليل من العناوين التي يأتي السياح عادة لزيارتها: قصر الحمراء، جامعة غرناطة، كاتدرائية المدينة، حي البيازين الشهير، إلى جانب العديد من العلامات الحمراء التي تدعوك إلى زيارة بعض المطاعم والمقاهي المتخصصة في صناعة الحلويات الغرناطية المعروفة، إلى جانب محالات بيع القيثارات وصناعتها، فالمدينة هي الحاضنة الأهم في أسبانيا، وربما كونيا، لمثل هذه الصناعة الفاتنة والفريدة.

أهذه هي غرناطة عند هؤلاء، فحسب؟ ألا تمثل المدينة ما هو أعلى وأشدّ وقعا من كل هذا الهوس التجاري بتسويقها وجعلها أكثر جاذبية في عيون زوارها؟

تأملت الخرائط مرة أخرى وأخيرة، ثم تقدّمت من أول سلة للمهملات على الرصيف وألقيت بها هناك.

أريد غرناطة، قلت لنفسي، أريد التفتيش عن الدوافع العميقة التي حملتني إليها، تلك الأسباب الرفيعة التي كونتها ومنحتها هذه المكانة المركزية والمدهشة فيّ، وفي التصورات والإحالات والإسقاطات التي صعدت بها إلى سقفها البهي هذا. فهذه غرناطة وليست أية مدينة جميلة أخرى. هنا يتألق التجسيد الفعلي لفكرة العربي الأثيرة التي رسختها المعلقات والأشعار البديعة عن الأطلال والحنين الشجيّ إلى شيء ما لم يعد في مكانه المفترض. وهنا تأخذ البكائية العربية الطويلة عن الفردوس المفقود بعدها الحسيّ والملموس؛ تصير مرئية، في متناول اليد، إذ ما عليك سوى جسّ الحجارة العتيقة لواجهة البناية المجاورة للنزل، لتعرف بأنك في حضرة أمس لم يكفّ عن بث شجونه وشكواه فيك، وفي حاضرك الملتبس.

عليّ بهذه الغرناطة التي حملتها معي، وعليّ أن أقارب الفكرة الأليفة التي كونتها الكتب والحكايا والأشعار لديّ بتطبيقاتها الفعلية في قلب المكان، عليّ أن أعثر لو استطعت على المعنى السري لتأثير هذه الحاضرة دون غيرها في الذاكرة ورفعة شأنها هناك. عليّ أن أجيب عن السؤال العتيد الذي هزني منذ عرفت الأندلس: لماذا غرناطة وليست قرطبة؟ أو إشبيلية وطليطلة؟ كيف اختزلت هذه المدينة الصغيرة النائمة بوداعة على سفوح جبال سييرا نيفادا وعلى امتداد أنهارها الثلاثة كل حكاية الأندلس؟ ما اللغز الواقف خلف تحوّلها إلى معشوقة ولت وغابت في مخيلة العربي، وفي شعره ونثره وأغانيه الحزينة؟

لعله السقوط، سقوط المدينة التراجيدي في طقس روائي التفاصيل والمكونات هو السبب، لعله أثر الوداع؟ لعله نهاية حب دام على امتداد سنوات الصخب: من 711 إلى 1492، ثم انتهى بضربة قاتلة؟

وقد يكون الحنين هو السبب: ولع العربي بأمسه وبما فقد؟

نائمة كانت غرناطة في ذلك الوقت من صباح الأحد، هادئة، وكأنها تمنحك فرصة ثمينة لتذوق جمالها على مهل وبلا حواجز، فلا سيارات تعبر شارعها المركزي والعريض، ولا محالات مشرعة أبوابها للبيع والشراء، لا شيء إلا أنا وهذا الشارع الذي ستقودني شاراته العديدة إلى قصر الحمراء الرابض فوق تلة عملاقة في نهايته.

هذا هو الحمراء، إذن. هذا هو القصر الأكثر شهرة وجمالا وأعلى رموزا، وهذه حدائقه الملتفة من حوله والمتشابكة بعبقرية معمارية قلّ نظيرها وبذكاء فكرتها: حدائق العريف، تلك الصاعدة والهابطة بتراتبية أنيقة من قلب القصر إلى خارج أسواره، لتزيده ألقا وتمنحه شيئا من صفاته الفريدة والملهمة. درت لساعات قليلة في الحدائق الفاتنة، صعدت، وهبطت مرارا من ممراتها الحجرية العتيقة، وتوقفت مرات عديدة أمام أشجارها العالية وقنوات مياهها التي لا تعرف للوهلة الأولى من أين تأتي وإلى أين تسير؟ ثم دلفت مع الحشود التي دلفت، بعد التاسعة، إلى الحمراء.

“قصر الأحلام والعشاق” هذا ما تقوله القصائد عن هذا المكان، “قصر الهزائم والمؤامرات” هكذا تقول السير والمخطوطات، كل هذا صحيح، ولكن الحمراء بين هذا وذاك، هو الحمراء: علامة عمرانية فارقة في الإبداع الإنساني برمته، وصعود أنيق ومتقن نحو تناغم فريد مع المكان ومحيطه الطبيعي. فقصر الحمراء حين تنظر إليه من جميع الجهات، تدرك أنه الوليد المنطقي لهذه الجغرافيا الخضراء وليس غريبا عنها؛ هو ابنها الشرعي، وما هذي الحدائق المعلقة على نحو خاص ومثير سوى التعبير الدقيق والحاذق عن فكرة الانسجام الضروري بين المكان وأشكال العمران فيه.

الحمراء هو الحمراء: ظلّ جبال الثلج البعيدة، حسناء حي البيازين القريب، سقف النهر. وهو: غرناطة ذاتها. غرناطة التي تدعوك إليها، فتجيء بحثا عن رغبات وأحلام قديمة، تجيء بحثا عنك فيها، تجيء وتقول: سأرجع مرة أخرى… وترجع فعلا. تدور في الحمراء من جديد، في بيارات الليمون والبرتقال، في الساحات وعلى الأرصفة، ولا تكف عن الرجوع المحبب إلى ليل المقاهي المعدة للرقصات البديعة وفلامنكو الروح… فلامنكو الشبق، حيث الغرناطيات هناك هن ذاك الشبق، وهن العائدات من قصائد قديمة، من صور رفيعة المعنى للوركا، وهن الساهرات على سحر المدينة… سحر غرناطة التي صارت قصيدة.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

14