أن تقرأ للمعيدي خير من أن تراه

الثلاثاء 2013/10/08

ربما يفسر البعض اتهام شاعر لآخر بالكبر والتعالي من باب الغيرة والحسد، شخصيا، وبعد تعاملي عن قرب مع هذا الأخير، أؤكد: "أن تقرأ للمعيدي خير من أن تراه".

ارتبطت غواتيمالا في مخيلتي بالشاعر الغواتيمالي الأشهر أومبرتو آكابال. آكابال الشاعر الذي يكتب بلغة الكيتشي التي تتفرع من أصول قبائل المايا. أعجبتني أشعاره التي تحاكي طبيعة بلاده البكر، تلك القصائد القصيرة التي تمتاز بساطتها بالعمق وصلت إلى شريحة كبيرة من القراء من شتى الثقافات فتُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات ومنها العربية التي ترجمها بجمالية فذة د. وليد السويركي.

في المهرجان الشعري الذي يقام في مدينة كيتسال تينانغو، خمنت أن آكابال سيكون من بين الحاضرين، سألت مدير المهرجان مارفن غارسيا، وهو شاعر شاب إن كان آكابال يتابع أنشطتهم ويقبل دعواتهم، ولم أر في إجابته المبهمة ما يوافق تصوري عنه.

وفي جلسة مع بعض الشعراء منهم من ينتمي إلى أصول ماياوية ويسكن بالقرب من آكابال، تحدثنا عن الشعر اللاتيني، وأشرت إلى أن عليهم أن يفتخروا بوجود شاعر مثل آكابال بينهم لتفاجئني ردة الفعل التي لم تقلل من شأن أشعاره لكنها بالتأكيد لم توافق على أن أكابال هو أفضل الشعراء الغواتيماليين، ليذكروا لي عدة أسماء لم يذع لها صيت كما حدث مع صاحبنا.

قلت في نفسي: لا كرامة لنبي في وطنه، وهذا الشاعر الذي يحتفي به العالم لا يلقى الاهتمام المطلوب من أبناء جلدته.

قررت أن أقحم أنفي في أذواقهم، وأدافع عنه كشاعر فذ يمثل بلادهم خير تمثيل، هذا الرأي الذي حمل الشاعر إدغار كاليل، وهو أيضا شاعر وفنان تشكيلي من السكان الأصليين، على أن يفرغ ما في جعبته ويخبرني عن تجربته مع أكابال الذي رآه صدفة في الحديقة التي كان ينام فيها الأخير أيام تشرده، وكيف أنه تعامل معه بجفاء رافضا أن يبادله الحديث. قلت ربما كان في حالة مزاجية سيئة محاولة أن أحافظ على صورة الهندي الأحمر البسيط الذي ترك شَعره منسدلا تيّمناً بأجداده من السكان الأصليين كما صرّح هو نفسه في أحد اللقاءات الصحفية.

هذا المظهر الذي عزاه كثير من النقاد إلى رغبته في لفت الأنظار إليه وخصوصا الغرب الذي يبدو مهووساً بحضارة العالم الجديد الذي هو على العكس من اسمه غارق في القدم. الشاعرة أمبر باست من المكسيك لم تتطرق إلى شعره لكن شخصه "المتعالي" برأيها كان ما جنبها التعامل معه في مهرجان غراتس في النمسا عندما صرخ بصوت مرتفع أمام مجموعة من الشعراء بأنه لا يشرب سوى أجود أنواع النبيذ وهو يوبخ نادل الحانة الذي أحضر له نبيذا عاديّاً. الشاعر الكاريبي والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1992، ديريك والكوت، الذي كتب عن معاناة شعبه، حدث وأن صادفته في مهرجان غرناذا الشعري في نيكاراغوا، ليبدد بيديه الهالة التي يحيطه بها أي من قرائه، حينما رفض الجلوس على طاولة القراءة مع غيره من الشعراء، وفرض على إدارة المهرجان أن يبقى وحده في حافلة تتسع لعشرين شاعرا غيره لأنه لا يحب الزحام، ناهيك عن طلب صبياني، بألا ترافقه من المنظّمات سوى الشابات الحسناوات، وغير ذلك من المواقف التي رأيتها وسمعتها تشير إلى شخصية متعالية لا تُحتمل.

ربما يفسر البعض اتهام شاعر لآخر بالكبر والتعالي من باب الغيرة والحسد، شخصيا، وبعد تعاملي عن قرب مع هذا الأخير، أؤكد: "أن تقرأ للمعيدي خير من أن تراه".

___________________


* كاتبة من فلسطين مقيمة بماناغوا -نيكاراغوا

14