Push Message
للكسل الثقافي آفة هي التلخيص، ويميل إليه عقل تبسيطي يضيق بالتركيب، ويرغب في تفادي إرهاق التفاصيل؛ ففيها تكمن شياطين تفضّل عملا للكاتب، وتحجب النور عما سواه.

أن تكون أخا للويس عوض

الاثنين 2019/01/21
لويس عوض كان مثقفا موسوعيا جسورا

ينفرد الحرف العربي، إذا اتصل بما قبله أو بما بعده، بأن يغني بعضه عن رسمه كاملا. إيجاز متفق عليه، ولا علاقة لذلك بالكسل؛ لأننا ورثناه ولا نملك القدرة على كتابة الحروف العربية منفصلة. ولكن للكسل الثقافي آفة هي التلخيص، ويميل إليه عقل تبسيطي يضيق بالتركيب، ويرغب في تفادي إرهاق التفاصيل؛ ففيها تكمن شياطين تفضّل عملا للكاتب، وتحجب النور عما سواه.

ويغلق الكسل باب التفكير فيلحق بصاحبه عمله الأشهر، ويظلم ما هو أكثر أهمية وأقل حظا. وكم ضاق يحيى حقي بابتلاع روايته الأولى «قنديل أم هاشم» لما بعدها. وبدرجة توحّد اسم الطيب صالح وروايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، وإن رأى البعض أن «عرس الزين» لا تقل أهمية عن الرواية المحظوظة.

الكسل ساوى إرنست هيمنجواي برواية «العجوز والبحر»، ربما بسبب فوزه بجائزة نوبل (1954)، إذ طغت شهرتها على روايته «أن تملك وألا تملك»، وقد أنتجتها السينما الأميركية عام 1944، واحتفظ الفيلم بعنوان الرواية بطولة همفري بوجارت. ولولا انتحار هيمنجواي في يوليو 1961، لاعترض على أن يكون «المهرّبون» عنوانا للترجمة العربية التي أصدرتها سلسلة «روايات الهلال» في أكتوبر1961، ولا أدري هل كان التغيير اختيار الناشر، أم المترجم نورالدين مصطفى.

بسبب الكسل ظل اسم رمسيس يحيل إلى أنه أخو لويس عوض
بسبب الكسل ظل اسم رمسيس يحيل إلى أنه أخو لويس عوض

الكسل تواصل، فيعاد إلى الآن طبع الرواية خارج مصر بعنوانها التجاري، واسم المترجم الذي لم أستدل عليه أثناء رئاستي لتحرير مجلة «الهلال»، إذ أعدت نشرها في «روايات الهلال»، بعنوانها الأصلي «أن تملك وألا تملك»، في يناير 2017. وفي تلك الفترة وسْوس إليّ الشيطان بما خجلت من البوح به، ولم يسعفني القدر بتنفيذه.

وكنت قد قرأت رواية ديفيد هربرت لورانس «الرجل الذي مات»، وأصدرتها روايات الهلال في يوليو 1997، وترجمها الدكتور رمسيس عوض، وكان صديقي، ويهديني كتبه، وفي معظمها انحياز إلى دراسة قضايا وضحايا الهرطقة والإلحاد والرقابة والمصادرة، وعني بتقصّي الهولوكوست وخصص كتابا لكل معسكر اعتقال نازي.

وذات يوم ألححت عليه أن يعيد نشر «الرجل الذي مات»، وكدت أضيف «أوراق العمر»، وهي مذكرات أخيه لويس عوض، وأشرت من بعيد، بشيء من التهوين، إلى ما ذكره لويس في استخفافه بالأسرة، ووصفه الجارح لأخيه رمسيس قائلا إنه يغار منه، ويخفي الغيرة بقناع الهدوء، وإن «ذكاءه فوق المتوسط، ولكن لا حدة فيه ولا إبداع، وقد عوضه دأبه في العمل عن نقص في الإبداع». فقال لي رمسيس كلمة واحدة «سامحته». ولم يكن السماح نسيانا، فبحكم كونه وريث أخيه رفض إعادة نشر المذكرات، ولن تتاح إلا عام 2040.

لو لم يكن رمسيس أخا للويس لاحتل مكانا يليق بدأب جسّده أكثر من 70 عملا مؤلفا ومترجما. فعلها رمسيس؛ انطلاقا من رهبنة تعبّد فيها بالعمل، لا شيء سوى العمل. وبسبب الكسل ظل اسمه يحيل إلى أنه أخو لويس عوض. وكان لويس مثقفا موسوعيا جسورا، ولا أظنه خشي مقارنة مثل تلك التي تجنبها مبكرا محمد عبدالوهاب، مع صعود ابن أخيه سعد عبدالوهاب ولمعان نجمه في الغناء والسينما، فيسّر له عملا مغريا في الخليج.

رفض رمسيس إعادة نشر «الرجل الذي مات»، وفيها يتخيل المؤلف بعثا للمسيح عاشق الحياة، بعد أيام من الصلب. وقال لي رمسيس: الرواية صدرت في صمت تام، وربما تلفت انتباه أحدهم فيكفّرني.

وقررت نشرها بمجرد موته، ولم أسر بهذا إلى أحد. ثم غادرت الهلال، وبعد أشهر توفي في صمت يشبه حياته ويصرف ذهن من يقرأ لقب «عوض» إلى لويس، وليرحم الله رمسيس.

14