أن تكون إنساناً… تقريباً

معرض باريسي يحتفي بتجربة النحّات البريطاني توماس هاوسينغو الذي بدت منحوتاته هجينةً ضمن فضاء المتحف وتصميمه أشبه بكائنات وحشيّة تراوح بين البشر والغيلان.
الأحد 2019/07/28
رضيع تكعيبي

تمكن المراهق توماس هاوسينغو الذي يقطن في ليدز ببريطانيا من زيارة لندن عام 1988، وهناك تغيرت حياته حسب تعبيره، إذ شاهد معرضاً استرجاعياً لبيكاسو، وعرض أداء لجوزيف بيوز بعنوان “كيف تشرح اللوحات لأرنب ميت”، وحينها قرر أن يصبح فناناً، وبعد عدة سنوات من الدراسة الأكاديميّة والعديد من المعارض والمنحوتات وأعمال الأداء حقق حلمه، وانتقل إلى لوس أنجلس حيث أسس مشغله الخاص الذي يحمل اسم “أستوديو البومة”، وسبب التسميّة يخفي وراءه حكاية، إذ طلبت منه ابنته مرة أن ينحت لها بومة، الكائن الذي رافق أعماله منذ بداية نشاطه الفنّي، وبسبب حماس ابنته، قرر جعل الأستوديو مساحة يدعو إليها الفنانين والأطفال والهواة في سبيل الإنتاج الفنيّ أو ببساطة اللعب بالطين والجص وصناعة أشكال مختلفة.

يستضيف متحف الفن المعاصر في العاصمة الفرنسية باريس معرضاً لأعمال توماس هاوسينغو بعنوان “إنسان تقريباً”، والذي اختار أن يعرض منحوتاته في صالة الأعمال الضخمة في المتحف، لتكون وما فيها من أعمال جزءا من سينوغرافيا المعرض، وخصوصاً أن الصالة تطل على برج إيفيل، لتبدو منحوتات هاوسينغو هجينةً ضمن فضاء المتحف وتصميمه أشبه بكائنات وحشيّة تراوح بين البشر والغيلان، تقتحم “التُحف” لتقف بينها كمترصدّ أو مراقب حذر يهدد هالة المكان.

الرجل المضغوط الخالي من الحدود
الرجل المضغوط الخالي من الحدود

يحوي المعرض أربعة أقسام، كل واحد منها يمثل جزءا من الموضوعات التي يعمل عليها هاوسينغو، فالصالة الأولى تحوي الأشكال البشريّة التي انشغل بها هاوسينغو في بداية تجاربه كنحات، إذ نرى تكوينات تتداخل فيها المقاييس المعمارية مع تكوينات الشكل البشريّ، لنرى الأجسام/المنحوتات دوماً على وشك الوقوع، وكأنها تبحث عن نقطة للتوازن، وكأنه يشوّه الكائنات ويتركها إلى لحظة ما قبل السقطة، لنراها هائلة كعمالقة تطأ أرضاً هشّة كما في منحوتة “الرجل الذي يمشي” المستوحاة من أعمال رودان، والتي نرى فيها معالم الجسد البشري دون أن تكون تقسيمات العضلات ووضعيات الحركة واضحتين، وكأن الشكل لا يتطابق مع الوظيفة، فـ”الاكتمال” الشكليّ ليس هاجساً بالنسبة إلى هاوسينغو، بل تكفي ملامح الحركة لخلق الانطباع بالانتقال.

نتعرف في القسم الثاني من المعرض على الكائنات الهجينة، تلك التي أنجزها هاوسينغو عام 2005 في إطار معرضه الفردي الأول، والتي تعتبر منحوتة “الرجل الأحمر” الأشهر بينها، والتي يدمج فيها التكوين الجسديّ مع التاريخ الفنيّ مستوحياً من التكعيبية والمستقبلية والأهم الفنون “البدائيّة” إن صحت تسميتها هكذا، فالرجل الأحمر أشبه بطوطم عملاق مكتمل الجسد، لا مجرّد رأس مقدّس، ذات هذا التهجين نراه في تمثال الـ”ثعبان” الذي يتداخل فيه الخشب مع الجص، ليكون أشبه بلوحة تكعيبيّة يسحقُ فيها الرأس الرقبة ويستند إلى الكتفين، وهنا نرى الملامح والخطوط مرسومة على التمثال رسماً، وكأننا أمام تكوين لابشريّ لكنه ذو خصائص بشريّة نراها على السطح فقط، كخطوط علّام لتشكيل مستقبلي ما، لم ينجز بعد.

ثعبان بشريّ بلا ملامح
ثعبان بشريّ بلا ملامح

شكّل عام 2010 علامة مميزة في مسيرة هاوسينغو، كونه أنجز فيه عمله الأشد شهرةً بعنوان “رضيع”، وعمله الضخم “الرجل المضغوط” واللذين يشكلان جزءا من المجموعة التي يكتشف فيها عوالم الشياطين والعفاريت التي تتحرك داخله، أشكال مريبة غير مكتملة تشككّ بحقيقية تكوين الإنسان إن اختلفت عناصره، تلك التي لا نراها، فماذا لو كان داخل الجسد البشريّ روح وعفريت في ذات الوقت؟ كيف سيتحرك؟ كيف سنراه؟ هل سيبقى اللحم الأساس؟ وماذا عن الحديد والمعادن، تلك التي شكّلت العالم بالصورة التي نراها، أليست جزءا من تكويننا ؟ وهذا ما نراه في منحوتته “شبح” وهي أشبه بظل بشريّ للانتصار الصناعي، إذ نرى كائناً برونزياً يواجه برج إيفيل في المعرض، يحدّق بالصرح العمراني وكأنه قرين شبه بشري له، قرين التهم وجهه النار ويقف على أسلاك وأسياخ معدنيّة ملطخة بـ”اللحم” إن جاز التعبير، أشبه بشبح للبشرية التي انتهكتها الثورة الصناعيّة.

نشاهد أيضاً في المعرض ما يسميه هاوسينغو “لوح المزاج”، وعليه صور لكل ما يلهمه في أعماله، شخصيات كرتونية، أعمال سينمائيّة، لوحات، منحوتات مصغرة، وكأننا نتأمل داخل عقله وكيفيّة تكوّن الأشكال فيه. كذلك نشاهد مساحة تشابه مرسمه الأصليّ، تحوي مختلف المواد التي يمكن اللعب والعمل ضمنها، وممارسة الأنشطة المختلفة التي تمثلها الأغراض التي وضعها في هذه المساحة كسرير دلالة على النوم، وكرسي كدليل على النقاش، وخشبة كمكان للعرض، وكأننا داخل فضاء قابل للتكوين يدعونا إليه الفنان لمشاركته عملية إنجاز أعماله الفنيّة. تركيز هاوسينغو على مفهوم “عدم الانتهاء” هو دعوة لتأمل العمل الفنّي من الداخل والخارج، وكأن منحوتاته “آثار” لتكوينات ما، تاركاً لنا حرية ملء فراغاتها، كما أن غياب الحدود بين هذا “الداخل” و”الخارج” يتركنا دوماً أمام عدم التعيين، لا نستطيع بدقة حسم ما نراه، أو تحديد هويته، وكأن تتمة المنحوتة في مخيلتنا تنشأ إما بسبب التاريخ الشخصي لكل مشاهد أو طبيعة الفضاء الذي تحضر فيه، وكأن الاكتمال عمليّة عقليّة لدى المشاهد، لا قرارا أنانيا يأخذه الفنان ويحسم إثره هويّة العمل الفنيّ.

الرجل الذي يمشي
الرجل الذي يمشي

 

14