أن تكون رجلا أو امرأة هو وضع ثقافي وليس تقسيمات طبيعية

ظهرت دراسات الأداء كقطاع أكاديمي في منتصف القرن العشرين بالولايات المتحدة، ويعدّ كل من ريتشارد شيشنر وفيكتور تيرنر من المؤسسين الأوائل لهذا القطاع الأكاديمي الذي تتداخل فيه الاختصاصات الأكاديميّة المختلفة.
الاثنين 2018/03/12
الأداء تحد للهيمنة والسلطة

صدرت الطبعة الأولى من كتاب “فن الأداء: مقدمة نقديّة” للمسرحيّ مارفن كارلسون عام 1996، ومازال إلى الآن مرجعاً هاماً في دراسات الأداء، سواء للمختصين في المسرح أو القطاعات البحثيّة الأخرى، لكونه يحاول رصد ظاهرة الأداء وأشكالها المختلفة، سواء ضمن فنون الفرجة، أو الأشكال الأخرى التي يحضر فيها الفرد بصورة علنيّة، في محاولة لضبط العوامل المختلفة التي تشترط وجود “الأداء”.

لا يمكن ضبطه

هذا العام صدرت الطبعة الثالثة من الكتاب عن منشورات روتليدج في نيويورك، وكما في الطبعات السابقة، مازال الأداء عصياً عن التعريف، حسب تعبير كارلسون، وبعد ما يقارب عشرين عاماً من الطبعة الأولى، مازال دون حدود، وعصيّ التصنيف، لكنه حاضرٌ ومستمرٌ دوماً، بل حتى الكتابة عنه نوع من الأداء، فهو وليد ما بعد الحداثة التي لا يمكن ضبطها، لكن أهم ما يميزه، أنه قائم على حضور الجسد بوصفه محركا لسياسات السلطة وأشكال المعرفة المختلفة.

 لا يمكن أن نخوض في محتوى الكتاب بسهولة، لكونه كتابا مرجعيّا وشاملا، ويتناول العديد من أشكال الأداء الفنيّة والثقافية واللغوية، لكن تختلف هذه الطبعة عن سابقاتها.

يمكن القول إن الدراسات المسرحيّة والأنثروبولوجيا هما القطاعان الرئيسيان اللذان ساهما في تحديد معالم ظاهرة الأداء ورسم أساليب التعامل معها، والتي امتدت لتشمل اللسانيات والدراسات الثقافيّة وعلم الاجتماع وغيرها، فكل الظواهر البشريّة وغير البشرية يمكن النظر إليها بوصفها أداءً

إن كارلسون توسّع في أشكال الأداء الإثنيّة والعرقية، والمقصود بها الأداء العلنيّ للجماعات التي تتميز بخصائص عرقية معينة، وتحاول ممارسة حقها بالظهور في الفضاء العام، حيث تسعى هذه الجماعات إلى التعبير عن أنساق ثقافية وخصائص جسديّة تتحدى أشكال الهيمنة السياسية والثقافيّة، كحركات الاحتجاج ضد سلوكيات السلطة وممارساتها العنصريّة ضد الجماعات الملوّنة، كون الأخيرة موضوعات تمارس السلطة العنف ضدها، إلى جانب مناقشته لأشكال الأداء التي تحاول أن تفكك الأدوار التي رسمتها السلطة مسبقاً، خصوصاً تلك المتعلقة بالمرأة والأقليات الجنسية وغيرها، وكونها الأكثر عرضة لسياسات التمييز والعنف الممنهج.

تعتبر حركات الاحتجاج التي انطلقت في المنطقة العربية منذ عام 2011 من أكثر المحاور التي أثارت اهتمام الباحثين في مختلف أنحاء العالم، لكونها امتدت إلى الغرب أيضاً كحركة “احتلال وال ستريت”، وتكمن أهمية أشكال الأداء هذه، بأنها تتحدّى السلطة، وتطالب بتغيير النظام القائم والأدوار المرسومة ضمنه، فالمحتجين الذين شغلوا بأجسادهم الساحات هم “مؤدون للرفض”، ويسعون لتفكيك سياسات التمثيل السياسيّ وحق الظهور المقننّ، فمجرد حضورهم كجماعات هو إعادة تكوين لهويتهم المسحوقة، ورفض لأشكال الهيمنة والأعراف التي تنفي وجودهم.

يبقى الأهم أن أشكال الأداء هذه حوّلت الساحات إلى خشبات لمحاكمة السلطة، حيث تنتفي فيها السيادة السياسية، وأشكال العنف التي تمارسه. إذ ترفض أشكال الأداء العلنيّ العنف التأسيسي الذي تقوم عليه الدولة، والذي تمارس عبره سياسات الإقصاء، جاعلة الجماعات المهمّشة موضوعات للعنف الممنهج، بوصفها أعداء الدولة، وكونها تهدد التجانس المسيس للمواطنين، فالأداء هنا تحدّ للهيمنة والسيناريو الرسميّ للسلطة.

كتاب يؤسس لدراسات الأداء والفنون المسرحية
كتاب يؤسس لدراسات الأداء والفنون المسرحية

لماذا نؤدي

يقدّم الكتاب للمهتمين العديد من الزوايا لتحليل الظاهرة الإنسانية من وجهة نظر الأداء، إذ يتجاوز الأشكال الفنيّة والاحتجاجية، نحو استراتيجيات تشكيل هويتنا الاجتماعيّة، حيث يتطرق الكتاب إلى الأدائيّة، والتي تختلف عن الأداء، بوصفها نظرية لغوية ثم جندريّة، فعبر الأداء تتكون هوية الفرد كـ”رجل” أو “امرأة”، بوصفها وضعيات ثقافية لا تقسيمات طبيعيّة، وهذه الوضعيات هي نتاج أداء علنيّ متكرر ذي أسلوب محدد، ومضبوط ومحميّ من قبل الأعراف الاجتماعيّة التي تمنع “سوء الأداء”، وهذا ما يحضر بشدّة في المنطقة العربيّة، فأشكال الاختلاف تجعل مؤدّيها لا فقط عرضة لعنف اجتماعي، بل لتمييز قانوني من قبل الدولة التي تجرّم مثلاً المثلية وأشكال الأداء العلني المرتبط بها، لكون حق الظهور خاضعا لسياسات السلطة، ليأتي الأداء لاحقاً كأسلوب للتخريب والإساءة لهذه الأدوار القانونيّة، وتفكيكها وزعزعة سلطتها.

ترتبط نظرية الأداء أيضا بالأدوار التي ترسمها السلطة لمن تحاول إدخالهم تحت سيادتها، كحالة اللاجئين والعنصرية التي يتعرضون لها في بعض السياقات، والتي يمكن أن تنسحب على مفهوم “الاندماج”، الذي يفترض إعادة تكوين لأشكال الظهور العلنيّ للاجئين بما يتوافق مع “منظومة القيم” في البلد المضيف، ذات الشيء في مساحات الاستثناء واللاقانون، كالمخيمات وأبنية الانتظار في المطار، فالموجودون فيها عرضة لأشكال العنف المباشر من قبل السلطة، كونهم ليسوا مواطنين، ولا يمتلكون أدوارا مرسومة مسبقاً ضمن النص القانونيّ.

الجدير بالذكر أن مارفن كارلسون هو مؤسس ورئيس تحرير دورية “خشبات عربيّة” التي انطلقت عام 2014، والتي تهتم بالظاهرة المسرحيّة والأدائية في المنطقة العربيّة، سواء كانت رسميّة أو هامشيّة، في محاولة لإيصال الأصوات العربيّة إلى الساحة الغربيّة، وتقديم مفاهيم وتجارب تحاول تجاوز صيغة المسرح الغربي وأشكال الصراع التي يحويها، وذلك عبر الأبحاث والمقالات وترجمة لنصوص عربية إلى الإنكليزيّة.

14