أن تكون مجاهدا أو مشاهدا

الخميس 2014/07/24

في زمن الفرجة يتجمعُ البشرُ حول ضجيجٍ أو قرقعة وينصرفون حين يُشبعون حشريتهم من ذلك. في العام، أن الفضولَ جماعيٌّ في حادث سقوط/اختفاء الطائرة الماليزية منذ أشهر (قبل سقوط أخرى مؤخراً على الحدود الروسية الاوكرانية)، أو في حدث المونديال الذي يخترق أمما وثقافات وأعراقا وأجناسا. في الخاص، أن كل جماعة تلتهي بضجيجها، وما أكثر الضجيج عندنا نحن العرب.

"ربيع" المنطقة صمّ أذاننا ضجيجاً. امتلأت شاشاتُنا بمنتجات عاجلةٍ طارئة مباشرة تملكُ أن تدفَعنا منبهرين بالمشهد مصعوقين بوقْعه. غصّت وسائط الاتصال الاجتماعي بتمارين لتيسير الصورة وتوفير الصوت لمن فاته مرور ذلك على تلك الكلاسيكية. وعليه لم نعدْ قادرين على مقاومة هذا النزوع لتحويل الفرد إلى مشاهد.

هل الصورة هي التي تصنع الحدث أو العكس؟ وهل أضحت الصورة هي من يصنع الفعل أم العكس؟ ثم مَن صنعَ مَن في موسم "الربيع"؟ باتت غرائزُنا تقودنا إلى دورنا كمشاهدين، متأثرةً بإيقاع ما يُعرض، مدجنةً بدستور المشهد.

ولأن الفردَ صار مشاهداً، أصبح سهلاً التعامل معه بصفته هذه. تبني الحكوماتُ استراتيجياتها للتعامل مع المجتمع وفق معايير المشهد والمشاهدة. ينسحبُ أمر ذلك على التيارات والأحزاب والمنظمات أيضاً. فالمطلوب تطويع الفرد (المشاهد) ومقاربته وفق رواية إعلامية مبرمجة، قلّما تتمتع بعفوية أو صواب.

في شهر رمضان المبارك يتجمعُ قومنا حول مسلسلات الدراما. أضحى الأمر من تراث البيئة الرمضانية وثوابتها. وإذا ما تقاطعَ هذا العام الشهر الفضيل مع المونديال، فإن ذلك مناسبةُ فوق العادة للإمعان في نزع صفات عديدة للفرد في بلادنا وتثبيت صفة المشاهد فيه. يكفي

أن يضاف لتلك المواسم الحرب ضد غزة حتى تكتمل الورشة ويكثر المشاهدون "الكرام".

من تونس مروراً بمصر واليمن وانتهاء بسوريا والعراق وأحوال أخرى لم تنته بعد، أدلى المشاهدُ بدلوه في شوارع المدن العربية ناشطاً – مشاهداً يعشقُ تلك العلاقة الجديدة المترجلة حديثاً بين الواقع والعرض. في متابعة العرض إنتاج لمشهدية جديدة ومشاهدين جدد.

يتولى اليوتيوب والفيسبوك، كما الفضائيات المتراكمة، توجيه العقل نحو ما ترومه الصورة. لا يتعاطى الجهد التعبوي مع المتلقي بصفته قيمة إنسانية، بل بصفته مشاهداً تجوز عليه قوانين السوق والتسويق، لا سيما أن المُشاهد بات في أحوال كثيرة ملمّاً بثقافة الصورة، وقد يجيد فك طلاسم المهنة وقد يمتلك موهبة فك رموزها.

استقال الفردُ المجاهدُ أيضاً من وظيفته في الدعاء والدعوة من خلال النصوص وسيرة الأولين. يعملُ المجاهد على استدراج مشاهدين جدد داخل صفوفه. بات المجاهد في لبِّ المشّهد والمشاهدة، وبات عرضاً يبرعُ في أدائه. ينشرُ المجاهدُ صور إنجازاته الدموية علناً. لا يروم من خلال القتل القضاء على خصم أو عدو أو كافر، بل يتحرى احتلال العرض والتوجّه إلى المشاهد. وما على المشاهد إلا التعليق إيجابا بـ “بوركت أيادي المؤمنين” أو تبرماً بـ "لعن الله ساعتكم".

قبل عقود كانت الصورة تتسربُ خجلةً مُنتزعةً من الواقع. اليوم بات الواقعُ يتسرب بخجلٍ ويُنتزع من الصورة. كان غريباً في بدايات الحدث السوري ما قيل أنه صور “مسرّبة” عن عمليات تنكيل يقوم بها رجال النظام ضد المعارضين.

اللافت أن الكاميرا تصوّر بعلنية الفعل والفاعل والمفعول به دون أي اعتراض أو خشية أو مداراة. أمر ذلك إما يعود إلى تقصّد يراد منه إخافة الخصم من خلال عرض المشهد على المشاهد، أو أن الصورة صارت هي الفعل، وبالتالي لا فعل دون صورة.

حال ذلك نراه جلياً في مقاربة الجهاديين لأفعالهم. أطلقت داعش دون وجل عروضاً مستمرة لغزواتها ضد “الكافرين”. قدم تنظيم البغدادي منتجات مشهدية تثبت بالصورة عمليات الإعدام والقتل الجماعي بكل التفاصيل الدموية المقززة. تتوجه الصورة إلى المشاهد برسالتين، الأولى أن تكون معنا لأننا كما نعرض، أو تفر من أمامنا لأننا تماما كما نعرض. إزاء المشهد تصبح الكرة في ملعب المشاهدين بحيث يحكمون على العرض وليس عما وراء العرض.

في ذلك أيضا، أن تنظيم القاعدة بعد نكبته في أفغانستان وتشتت قياداته، لجأ إلى الصورة فقط كقانون بقاء وحياة. باتت ديمومة التنظيم مرتبطة بما تبثه قناة الجزيرة من رسائل صوتية أو مصوّرة لبن لادن ونائبه. وربما لو توقفت القناة القطرية عن بث ذلك، لكان ذلك إعداما مبكرا للقاعدة وزعيمها.

واللافت في أمر العلاقة بين المجاهد والمشاهد، هو تساهل وسائط الإعلام الاجتماعي المسيطر عليها دوليا مع إمكانيات العرض دون رقيب ولا حسيب. فمن النادر على اليوتيوب أو الفيسبوك تمرير منتجات بورنغرافية، فلهذا مساحات أخرى، لكن عروض الذبح والقتل وارتكاب المجازر متاحٌة برحابة ملتبسة على نحو يطرح أسئلة حول ما إذا كان هناك تواطؤ ما في السماح للجريمة بالتعبير بطلاقة، أو أن غاية في نفس يعقوب تبرر منح الداعشيين وما شابههم تلك المنابر الكونية الكبرى.

وفيما يبقى المشاهد غارقا في متابعة المأساة في غزة، هذه المرة، تراه منزعجاً من احتمالات وقف إطلاق النار وتوقف العرض، فإنه يعبّر عن تبرمه بمهاجمة “المؤامرات” التي تحاك لإيقاف المذبحة، ذلك أن على القطاع وأهله أن يستمروا وقوداً للكارثة في عين المشاهد الذي يخشى سأماً من توقف العرض.

هو زمن الفرجة.. ألا نتفقد وجودنا كل لحظة على هذه الأرض من خلال selfie؟

18