أهالي "ابوشواي الملق" يعيشون من ضرع البقر

حياة قاطني قرية أبشواي الملق بدلتا مصر، لا تزال بكرا، ويبدو يومهم نمطيا لا يخرج عن العناية بالأبقار، التي تدر ضروعها ربع انتاج مصر من الألبان تقريبا، لذا يمثل نفوق أحد رؤوس الماشية أزمة كبيرة للمربين، يحزنون عليها كما لو فقدوا عزيزا عليهم.
الجمعة 2018/03/02
تحليل الحليب للتأكد من دسامته

الغربية (مصر) – تعتبر تربية الأبقار الشغل الشاغل لجميع أهالي قرية أبشواي الملق (تبعد عن القاهرة نحو 120 كم)، ومصدر الرزق الرئيسي لهم، إن لم يكن الوحيد، ما يدفع الكثير من المزارعين إلى توفير العناية الفائقة لها وتدليلها كطفل صغير خشية أن يصيبه مكروه، فهناك لا أحد يتكبر على الرعاية بالحيوانات أو يأنف من روثها.
مع طلوع فجر جديد، تدب الحياة في القرية التي تنتج وحدها نحو ربع إنتاج مصر من الألبان، ويستعد مزارعوها لاستقبال يوم طويل من العمل في خدمة قطعانهم من الماشية، كما تبدأ سيارات التبريد في التحرك بالطرقات الترابية، حاملة الخير من المئات من المزارع إلى المصانع الكبرى بالقاهرة العاصمة.
ويتراوح الإنتاج اليومي من الألبان بين 120 إلى 150 طنا، تستقبلها معامل تجميع الألبان وسيارات المبردات التي تنتشر بشوارع القرية، والتي تتبع شركات كبرى تتولى نقلها يوميا للمصانع.
وتفتح رعاية الماشية أبواب الرزق للكثيرين في مجالات خدمية أخرى، فهناك تنتشر محال بيع الأعلاف وأجهزة الحلب وصيانتها، حتى الحمير يعتمد عليها المزارعون في جر عربات “الكارو” التي تنقل الأعلاف أو مخلفات الحيوانات.
ويؤكد مزارعون أن قريتهم لها سمات خاصة، فهي لا تعرف أزمة بطالة، مع عرف سائد وهو أن رؤوس الماشية ثروة ومصدر فخر لصاحبها مهما كانت درجاته العلمية، فالحالة الاجتماعية تقاس غالبا بحجم الثروة الحيوانية والزراعية التي يتملكها الفرد، وتربية الأبقار عندهم هي النشاط الأساسي الذي تصبح بجانبه الأنشطة الأخرى مهنا إضافية، فالولاء لا يزال للأرض والمزرعة.
ويقول نقيب الفلاحين في مركز قطور الذي تتبعه أبشواي، سامح أبورية، إن تربية الماشية نشاط مستمر منذ نشأتها ولن يتغير مهما تطورت الحياة، ولفت لـ”العرب” إلى أن الأولوية لدى المزارعين هي زراعة المحاصيل التي تخدم صناعة الألبان وتطوير مجمعات تبريد الحليب كالحبوب. 
ويراعي المزارعون توفير ظروف طبيعية للبلد الأصلي لماشيتهم، فلا يتم تقييدها وربطها بالحبال في أوتاد مثبتة بالأرض، كما يحدث في قرى أخرى، بل يتركونها طليقة في الهواء داخل أسوار المزرعة صيفا وشتاء، والبعض يقوم بتركيب بعض رشاشات المياه والمظلات لتقليل درجة الحرارة في فصل الصيف.

نفوق أحد رؤوس الماشية يدخل على المزارعين الحزن وكأنهم فقدوا عزيزا لديهم    

عبدالواحد حلمي يملك مزرعة للأبقار، ويساعده في العمل نجله الحاصل على مؤهل متوسط، يبدأ الاثنان عملهما اليومي من الفجر وحتى غروب الشمس، كما يتبادلان معا حراسة المزرعة ليلا لحمايتها من السرقة، ورغم احتراف الابن مهنة تركيب الأدوات الصحية (السباكة)، إلا أنه لم يفكر يوما في ترك نشاط تربية المواشي معتبرا أنها الأساس.

ويقول لـ”العرب” إن الأراضي الزراعية في القرية لا تكفي حجم المواشي الموجودة، وقد تم التغلب على هذه الأزمة من خلال استئجار أراضي القرى المجاورة، والتي تتم زراعتها بمحصول البرسيم باعتباره يساعد الحيوانات على درّ المزيد من الألبان.
كان حلمي عائدا للتو من البنك الزراعي بالقرية، للحصول على قرض لتوسيع مزرعته وشراء رؤوس ماشية جديدة، عاد يجر أذيال الخيبة بعدما أخبره موظفو البنك بعدم وجود مبالغ مرصودة حاليا لتمويل تلك التوسعات. وذلك على عكس ما أعلنته وزارة الزراعة في مصر، في يونيو من العام الماضي، بتوفير قروض لأصحاب المزارع والمربين ضمن ما أطلق عليه (مشروع البتلو القومي) بفائدة بسيطة 5 بالمئة فقط، إلا أن أهالي القرية يشكون عدم إمكانية الحصول عليها إلى الآن.
ويشدد حلمي على احتياج قريته إلى سلالات جديدة أكثر إنتاجا للألبان، لأن آخر السلالات التي تم إدخالها كانت قبل عشرين عاما، ومنذ ذلك الحين يعتمدون على التهجين البدائي بين السلالات الموجودة ذات الأصول الأوروبية المختلفة.
أما صاحب أحد معامل تجميع الألبان ويدعى جمال الحجر، روى لـ”العرب” أن القرية تضم ستة مراكز لتجميع الألبان فقط، لكن المشكلة التي تواجهها تأتي من بعض الأمراض التي يتطلب علاجها مضادات حيوية تظهر بقاياها في الإنتاج، مثل مضادات الحمى القلاعية التي تجبر المربين على التخلص من ألبانهم لعدم صلاحيتها.
وأضاف أنه تجرى تحليلات على عينات من الألبان الموردة إليهم، للتأكد من أنها طبيعية وسليمة قبل توريدها للشركات، حتى لا يفقدون زبائنهم الكبار، فبعض المزارعين قد ينزعون الدسم من الألبان لبيعها كقشدة بسعر أعلى، لذا وجب التأكد من أن اللبن يحتوي على نسب الدهون الطبيعية.

الأبقار تدلل كالأبناء
الأبقار تدلل كالأبناء

ويضم كل مركز ما يشبه المعمل الصغير، وتوجد فيه بعض المركبات الكيميائية التي تساعد في تحديد نسبة الدهون، وغالبا ما يجري صاحب المركز بذاته هذه التحليلات على عينات عشوائية من الكميات الجديدة التي يستقبلها للتأكد من صلاحيتها، ويحدث ذلك قبل إضافتها على الكميات السابق توريدها.
في مصر يشكو الجميع من ارتفاع أسعار الدولار عدا أهالي أبشواي الملق، لأنهم استفادوا بذلك من تضاعف أسعار اللبن المجفف المستورد من الخارج، وكان ذلك كافيا لأن تتنافس شركات صناعة الألبان المصرية الكبرى على ما تنتجه أبقار القرية.
وبدأ نشاط تجميع الألبان بالبلدة منذ مطلع الثمانينات، واتساع نشاط شركة مصر للألبان الحكومية التي افتتحت مركزا للتجميع بالغربية كان يستقبل إنتاج القرية يوميا.
ومع تدهور أوضاع مصر للألبان وعدم قدرتها على المنافسة، تمت تصفيتها عام 1998 ضمن سياسة الخصخصة، وبات القطاع الخاص المتحكم الأول في صناعة الألبان، لذا فضلت الشركات استيراد اللبن المجفف لسهولة توريده.
ويقول صاحب مركز آخر لتجميع الألبان وهو أحمد رزق، إن الشركات العاملة في السوق المحلية بدأت منذ ارتفاع أسعار اللبن المجفف عقب تعويم الجنيه، في اللجوء إلى إنتاج قريته.
وبلغ متوسط سعر الطن المتري من بودرة الحليب عالميا خلال 2017 نحو 3 آلاف دولار، بينما يبلغ سعر الطن من اللبن المحلي في القرية مستوى 280 دولارا فقط، ما دفع الشركات للبحث عن اللبن المحلي والاستفادة من فارق السعر.
 وأضاف لـ”العرب” أن الأسابيع الأخيرة الماضية شهدت تطورا في انتهاج بعض الشركات أولى خطوات إنشاء مركز تجميع ثابت خاص بها.
ويعتبر أهالي القرية ارتباطهم بالحيوانات أبديا فقريتهم تحمل اسم “الملق” الذي يعني اللين من الحيوان والكلام والصخور، واتسمت أراضيهم منذ القدم باستوائها وصلاحيتها للزراعة، وحيواناتهم مطيعة تدر خيرا كثيرا على قدر الاهتمام بها، وأهلها لا ينشغلون إلا بمواشيهم فقط ويفضلون الحياة الريفية.
لكن نفوق أحد رؤوس الماشية يدخل عليهم الحزن وكأنهم فقدوا عزيزا لديهم، فهي المصدر الرئيسي في الإنفاق على شؤون حياتهم اليومية، بدءا من المأكل والملبس وتعليم الأبناء وحتى شراء مستلزمات زواج أبنائهم وبناتهم.

20