أهالي المناطق السنية في العراق أمام انتخابات بلا رهانات

أمل مفقود بالتغيير وانعدام للثقة بالطبقة السياسية، وانتخابات لتكريس حكم المسؤولين عن خلق الأوضاع القائمة.
الخميس 2018/05/10
لماذا ينتخبون

تكريت (العراق) - يبدي سكان غالبية المناطق السنيّة في العراق فتورا شديدا إزاء الانتخابات البرلمانية المقرّرة لبعد غد السبت مأتاه غياب الرهانات المحدّدة والآفاق الواضحة لتغيير أوضاعهم التي ازدادت سوءا بفعل الحرب ضدّ تنظيم داعش وما خلفته من دمار هائل في مناطقهم، وما أورثتهم من مشاكل كثيرة اقتصادية وأمنية واجتماعية يصعب الخلاص من تبعاتها في أمد قريب.

ويتعمّق غياب الرهانات مع انعدام رغبة الغالبية العظمى من الناخبين المفترضين في التصويت لأي من المرشّحين الذين يتقدّمون للانتخابات تحت عنوان تمثيل السنّة، بينما الجمهور العريض من أبناء هذه الطائفة أصبح فاقدا للثقة بجميع القادة السياسيين الذين شاركوا في العملية السياسية الجارية بالبلد منذ سنة 2003، وكانوا بمثابة “ديكور” لتزيين حكم الأحزاب الشيعية.

وعلى مدخل مدينة تكريت وتحت لافتة عملاقة عليها صورة قائد عسكري شيعي يقف مئات من العرب السنّة العراقيين ساعات في انتظار تفتيشهم قبل السماح لهم بدخول المدينة.

ويقول سكّان تكريت الذين تعاملهم قوات الأمن والفصائل المسلّحة التي يهيمن عليها الشيعة معاملة المتعاطفين مع تنظيم داعش، إنهم يشعرون بخيبة أمل وبالتهميش.

ولا يزال حوالي 2.3 مليون نازح من المناطق السنّية يعيشون بعيدا عن بيوتهم بينما يقبع آخرون في السجون أو دون عمل في مدن شبه مدمرة وكلهم موضع شبهات بأن لهم صلات بالمتشددين السنّة.

ويقول شجاع محمد الذي كان من خبراء القنابل بالجيش، وهو من تكريت، متحدّثا لوكالة رويترز، إنه توجه إلى بغداد عندما سيطر تنظيم داعش على المدينة عام 2014 وعرض مساعدة السلطات في محاربة التنظيم.

ويضيف، مشيرا إلى نيّته وضع علامة يشطب بها على ورقة التصويت بالكامل يوم السبت، إنّه ووجه لدى تقديم طلبه بتهمة مساندة داعش.

ورغم الشعور بخيبة الأمل على نطاق واسع يقول كثيرون من السنّة إنهم يريدون فعلا أن تكون أصواتهم مسموعة حتى إذا كان ذلك يعني إفساد أوراق التصويت.

وتوحي مقابلات مع عشرات الناخبين والمرشحين والمسؤولين المحليين في ثلاث محافظات سنيّة بأن الطائفة تعتزم المشاركة في التصويت يوم السبت رغم أنه لا أحد تقريبا يعتقد أن الانتخابات ستسفر عن تحسين أوضاعهم.

وقالت الصيدلانية غفران التي تحدّثت من الموصل وطلبت عدم ذكر اسمها الكامل خشية الانتقام منها “نعم سأصوت. لكن ليس لدي أمل في تغيير أي شيء”.

 

مناطق مدمّرة، ونازحون بمئات الآلاف، وبطالة متفشية، وخدمات منعدمة، وأوضاع أمنية غير مستقرة.. فما الذي يحفّز أهالي المناطق السنية في العراق للإقبال طواعية على المشاركة في الانتخابات التي ستعيد إلى السلطة نفس القيادات التي شاركت طيلة الـ15 سنة الماضية في خلق تلك الأوضاع.

وغفران واحدة من آلاف العائدين إلى مناطقهم بعد استعادة الموصل من تنظيم داعش في يوليو الماضي رغم صعوبات الحياة بين أنقاض الأحياء المهدّمة ونقاط التفتيش والحواجز الأمنية المنتشرة بشكل كثيف على الطرقات.

ويشكو السنّة منذ فترة طويلة من تفشي التمييز على أيدي الحكومات وقوات الأمن بقيادة الأحزاب الشيعية المتصدّرة للمشهد السياسي منذ العام 2003 وذلك رغم أن البعض يسلّم ببعض التحسن منذ تولى رئيس الوزراء حيدر العبادي السلطة قبل أربع سنوات.

وعلى النقيض من سلفه نوري المالكي الذي كانت مواقفه طائفية بلا مواربة، فإن العبادي يحظى ببعض الدعم بين السنّة الذين ينسبون له الفضل في تحرير مناطقهم من تنظيم داعش، وربما يؤيدون إعادة انتخابه.

وقالت فطومة بدران المقيمة في مخيم حمام العليل للاجئين جنوبي الموصل “لا نثق أبدا بهؤلاء السياسيين ولكن سأصوت للعبادي”.

وقائمة العبادي التي تحمل اسم قائمة النصر هي الوحيدة التي تخوض الانتخابات في محافظات العراق الثماني عشرة. وينفذ العبادي حملة الدعاية الانتخابية في جميع أنحاء العراق، ولقيت زيارته للمناطق السنية استقبالا حسنا.

ويقول آخرون في الموصل مثل الشابّ علي فارس إنّه من المستحيل التصويت للقادة الذين يحمّلونهم مسؤولية قصف مدينة بلا هوادة خلال المعركة مع تنظيم داعش. ويشير فارس إلى الإنفاق الكبير على الحملة الانتخابية، معتبرا أنّه كان من الأجدر توظيف تلك الأموال في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب.

وأمضى كثير من النازحين بسبب الحرب شهورا أو سنوات في المخيمات لكن بعضهم يعيشون مآوى مؤقتة لأن بيوتهم لم تعد صالحة للسكن أو لأن مناطقهم ليست آمنة حتى الآن.

وفي مرآب متفحم متعدد الطوابق يمتلئ بالسيارات التي دمرت في تفجيرات بتكريت، أقام المئات مخيمهم غير النظامي لا تفصل فيه بين الأسر سوى ملاءات معلقة.

وهنا ليس لدى الجميع الرغبة في التصويت. ويقول رحمن محسن الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة إنه عاد إلى بيته من بيجي بعد طرد داعش لكنه وجد أن بيته قد احترق. لذلك جاء إلى تكريت وانتهى به الحال في المرآب، ويجيش صدره بالغضب لأن الساسة لم يبذلوا جهدا لمساعدته.

وفي مجمع عامرية الفلوجة غربي العاصمة بغداد كان الشيء الوحيد المنتشر أكثر من الخيام هو لافتات الدعاية الانتخابية وصور المرشحين التي تستخدم هياكلها أغلب الأسر في المخيم لنشر غسيلها.

ويعتزم جمال خلف التصويت لمرشح يقول إنه ساعد سكان المخيمات بإمدادات ضرورية. لكنه مثل كثيرين في المخيم لا يملك بطاقة انتخابية ويعتقد أن ذلك سيحول بينه وبين المشاركة. ويسمح لسكان المخيمات بالتصويت من خلال نظام يسمى التصويت المشروط الذي يتيح للناخب إبراز وثائق تؤكد هويته فقط وإقامته في المخيم غير أن كثيرين لا يعلمون شيئا عن هذا النظام.

وقال ناخبون في مخيمات وتجمعات ريفية في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى التي يغلب السنّة على سكانها إن عدة فصائل شيعية هددت بتوجيه اتهامات بالإرهاب للشباب ما لم يتحقق الفوز لمرشحين بعينهم.

ومن المشاكل الأخرى التي واجهها السنّة أنهم، على النقيض من الأكراد والعرب الشيعة، يفتقرون لقيادة وطنية قوية أو تنظيم حزبي على مستوى الجمهورية، وهو ما يعني أن القاعدة الانتخابية لساسة السنّة تتركز على المستوى الإقليمي أو القبلي. وفي بعض المناطق مثل تكريت.

3