أهداف النمو المستحيلة لأردوغان تمنع استقرار الاقتصاد

رغم أرقام النمو فإن تراجع الليرة أدى لانكماش القيمة الحقيقية للاقتصاد التركي في العام الماضي.
السبت 2018/06/09
إقتصاد مأزوم

يجب أن يتخلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن هوسه بالنمو الاقتصادي السريع، الذي يهدد بعودة الليرة التركية إلى دوامة الفوضى مرة أخرى.

وتوضح بيانات صندوق النقد الدولي أن الهدف المتمثل في جعل تركيا بين أكبر 10 اقتصاديات في العالم مع مرور مئة عام على إنشائها في عام 2023 لا يمكن تحقيقه الآن، ويجب التراجع عن كونه هدفا واقعيا.

وأدت سياسات أردوغان التي تركز على النمو إلى حدوث أزمة عملة الشهر الماضي، حين قاوم رفع أسعار الفائدة قبيل الانتخابات المقررة هذا الشهر، بدعوى أنها ستؤجج التضخم.

ورضخ البنك المركزي لحقائق الأمر الواقع ورفع أسعار الفائدة مرتين بنسبة 4.25 بالمئة لتصل إلى 17.75 بالمئة بعد أن كانت الليرة قد انحدرت إلى 4.92 ليرة للدولار. والآن، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقرر في 24 يونيو، فإن المستثمرين يحولون جل اهتمامهم إلى سيناريو ما بعد الانتخابات.

إذا فاز أردوغان هل سيستأنف الحوافز الاقتصادية للحفاظ على سرعة نمو الاقتصاد، أم سيتبع سياسات أكثر حكمة للتعامل مع الهشاشات التي يعاني منها الاقتصاد والمتمثلة في تضخم في خانة العشرات وعجز الحساب الجاري الذي تجاوز 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي؟

وتشير بيانات المؤسسات الدولية إلى تراجع تركيا في تصنيف الاقتصاديات الكبرى في العالم. ويرجع السبب إلى سياسات الحكومة مثل التحفيز المالي الأخير الذي جعل الاقتصاد أقل بالقيمة الدولارية رغم معدلات النمو المرتفعة التي يشهدها الاقتصاد بالعملة المحلية.

وطبقا لبيانات تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، فإن تركيا ستحتل المرتبة 18 عالميا في العام الجاري بالمقارنة بالمرتبة 17 التي احتلتها العام الماضي بعد أن تقدمت هولندا عليها. ويتوقع الصندوق أن يرتفع حجم الاقتصاد التركي من 910 مليار دولار هذا العام إلى 1.22 تريليون دولار بحلول عام 2023، ليعود لاحتلال المرتبة 17 مرة أخرى. لكن هذه التوقعات بعيدة جدا عن هدف أردوغان، الذي تكرره حكومته بثقة يوميا في حملتها الانتخابية.

ويحتاج الناتج المحلي الإجمالي إلى أن يصل إلى ضعف تلك التوقعات أي 2.44 تريليون دولار ليتفوق على كندا، والتي تحتل المرتبة العاشرة بين أكبر اقتصاديات العالم، ويتوقع صندوق النقد أن يصل حجم اقتصادها إلى 2.43 مليار دولار خلال خمس سنوات.

وكرر وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي، وهو صديق قديم وحليف سياسي مقرب من أردوغان، هدف الرئيس لعام 2023 في تصريح أدلى به في 29 مايو الماضي.

لكن النصائح الأفضل لأردوغان هي التركيز على ثبات الليرة وخفض التضخم لجذب الاستثمار الذي تحتاج إليه تركيا بشدة لاستقرار السفينة، وأن يسعى إلى المزيد من الإبطاء والمزيد من معدلات النمو المستدامة التي قد تشهد ارتقاء تركيا للتصنيفات العالمية وليست الارتفاعات المندفعة التي كان يخطئ في توقعها. وحذرت وكالات التصنيف الائتماني ومن بينها موديز وستاندرد أند بورز إلى جانب صندوق النقد الدولي والعشرات من المحللين والمستثمرين حكومة أردوغان من المخاطرة باحتمال المعاناة من الخراب المالي.

وقد اتسع عجز الحساب الجاري حاليا لأكثر من 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بسبب سياسة الحكومة التي زادت من حاجة البلد إلى المزيد والمزيد من الواردات.

ولم يكن للانهيار الذي شهدته الليرة التركية تأثير عكسي فقط على حجم الاقتصاد وتأجيج التضخم، الذي ارتفع في شهر مايو الماضي إلى 12.15 بالمئة مقارنة بنحو 10.9 بالمئة في شهر أبريل.

وسيزيد ذلك مصاعب الشركات في تمويل عبء الدين الأجنبي المتزايد الذي يقع على عاتقها، والذي وصل إلى 226 مليار دولار، أي ما يعادل 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكبر بكثير من أي اقتصاديات أخرى متعثرة مثل الأرجنتين وأوكرانيا.

وقد يؤدي المزيد من رفع أسعار الفائدة واتخاذ المزيد من التدابير لخفض الإنفاق الحكومي إلى إبطاء النمو الاقتصادي من مستوياته الحالية، لكنها ستعزز أيضا أداء الليرة كما ستسمح للشركات بالتركيز على مشاريعها المتزايدة فضلًا عن تسديد ديونها الأجنبية الباهظة والمتزايدة.

وسيكون القطاع المصرفي، الذي يعاني حاليا من إعادة هيكلة الإقراض، في موقف أقوى أيضا لإقراض المزيد من الأموال والمساعدة في النمو. وبلغ متوسط النمو في الإقراض الذي تقدمه البنوك التركية أكثر من 10 بالمئة خلال العام الماضي، ما ساعد على تحفيز التوسع في القطاع المصرفي والخدمات المصرفية.

وسيؤدي رفع حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ الانقلاب العسكري الفاشل في شهر يوليو 2016 والتراجع عن التدابير الاستبدادية الأخرى مثل المراسيم الرئاسية وانتهاكات حقوق الإنسان إلى تنشيط الاستثمار الأجنبي المباشر الذي قد يستخدم لزيادة نمو الاقتصاد على المدى المتوسط إلى المدى الطويل.

ويمكن رؤية الدليل على كيفية انكماش الاقتصاد التركي بالفعل نتيجة السياسات التي يقودها النمو والتي ينتهجها أردوغان في البيانات السابقة.

فقد انكمش حجم الاقتصاد التركي إلى 851 مليار دولار في العام الماضي متراجعا من 863 مليار دولار في العام السابق، مقابل 950 مليار دولار في 2013.

10