أهداف روسيا من التصعيد الأخير في إدلب

ملف إدلب، وما تضمه من جهاديين، هو بالنسبة لتركيا ورقة مساومة، وليس أولوية، مقابل اهتمامها بأمنها القومي، ما يفسّر تلكؤها في تطبيق اتفاق سوتشي مع روسيا، وما يعني استثمارها في ملف الجهادية.
الأحد 2019/05/12
روسيا تريد من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي منطقة نفوذ لها

تستمر الحملة العسكرية لقوات النظام وحلفائه الروس على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، بالقصف الجوي الكثيف، ومؤخرا بهجوم بري من عدّة محاور، تمكنت فيها قوات النظام، المدعومة من روسيا، من السيطرة على بلدة كفرنبودة الاستراتيجية (شمال غربي حماة بـ50 كيلومترا) بعد قتال عنيف من جيش النصر بمساندة مقاتلين محليين لا ينتمون لأي فصيل، ومحاولات منهم لاسترجاعها. وسيطر (جيش النصر) على بلدة قلعة المضيق في سهل الغاب، دون قتال، بسبب تمركز قوات النظام مسبقا في القلعة الأثرية المرتفعة، التي كان يستخدمها للرصد والاستطلاع، مع شكوك حول انسحاب الفصائل، حيث كانت تسيطر عليها هيئة تحرير الشام التي ترفض المشاركة في القتال إلى الآن، إلى جانب فصائل الجبهة الوطنية. ومنذ شهر، كان النظام قد تقدّم في ريف معرة النعمان الشرقي، شرقي الطريق الدولي دمشق- حلب. فيما لم يتمكن النظام وحلفاؤه من التقدم في محور جبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي الشرقي، وخسر عددا من عناصره أثناء محاولة للتسلل.

تهدف الحملة الأخيرة إلى تحقيق جملة من الأهداف تخصّ المصالح الروسية؛ حيث لا تشارك فيها الميليشيات المدعومة من إيران، أو الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، وإنما تتولى ميليشيات تابعة للعقيد سهيل الحسن، وهي أفواج “الطرماح” و“الحسام”، مهمة الهجوم ويدعمها الفيلق الخامس، الأقل كفاءة، للتمركز في المواقع الجديدة. وهي كلها قوات مدعومة من روسيا، وتعتمد على عناصر محلية من سهل الغاب، حيث فتحت باب التطويع، وأخضعت العناصر لمعسكرات مغلقة بإشراف مدرّبين روس، في معسكرات روسية متمركزة في المنطقة.

أما جملة الأهداف الروسية؛ فأولها هدف استراتيجي، يتعلّق بتطبيق اتفاق سوتشي، وتسيير دوريات روسية – تركية مشتركة بالقوة، بسبب إحجام تركيا عن فرض ضغوط حقيقية على هيئة تحرير الشام والفصائل الرافضة للانسحاب. وبعد اتفاق 17 سبتمبر الماضي في سوتشي، والذي يخص المنطقة منزوعة السلاح، والخالية من الجهاديين بعمق 15 إلى 20 كيلومترا، حصل العكس، حيث تمددت هيئة تحرير الشام، وسيطرت على معظم محافظة إدلب، ولم تلق الفصائل التي قاتلتها الدعم من الفصائل المحسوبة على تركيا.

روسيا تريد من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي منطقة نفوذ لها، هذا إضافة إلى ريف اللاذقية الشمالي وجسر الشغور، تضيفها إلى مناطق سيطرة النظام المحاذية، والتي عملت على ضبطها بعد طرد الميليشيات التابعة لإيران والفرقة الرابعة، وذلك لقرب تلك المناطق من قاعدتها الجوية في حميميم.

وثانيا، هدف ميداني، حيث تعتمد الخطة الروسية على تقطيع أوصال المنطقة الأخيرة التي تسيطر عليها المعارضة، ليسهل إجبارها على التسليم، كما حصل في الغوطة الشرقية؛ فالاستيلاء على كفرنبودة يفتح الطريق باتجاه بلدة الهبيط بريف إدلب، حيث تجري المعارك الآن، ثم باتجاه خان شيخون، التي يجري قصفها، ما يعني تضييق الخناق على كفرزيتا واللطامنة ومورك بريف حماة الشمالي، وإجبار جيش العزة المتمركز فيها على الانسحاب شمالا، وكذلك يفتح الطريق للسيطرة على جبل شحشبو الاستراتيجي في ريف حماة، والذي يعد امتدادا لجبل الزاوية شمالي غربي حماة، والذي سيعني إسقاط منطقة سهل الغاب ناريا.

أما بلدة قلعة المضيق، فهي بوابة سهل الغاب، وإحدى خواصر جبل شحشبو، وتعتبر معبرا جنوبيا مع مناطق النظام.

في حين أن الهجمات في محور الكبانة بريف اللاذقية لا تزال في إطار التسلل واستطلاع القوة، مع استمرار القصف الجوي والمدفعي الكثيف. والسيطرة على طريق اللاذقية- أورم الجوز- سراقب- حلب وعلى جبل الزاوية وجبل شحشبو وسهل الغاب والروج وشرق معرة النعمان، سيعني خسارة المعارضة قرابة 35 بالمئة من مناطق سيطرتها.

ملف إدلب، وما تضمه من جهاديين، هو بالنسبة لتركيا ورقة مساومة، وليس أولوية
ملف إدلب، وما تضمه من جهاديين، هو بالنسبة لتركيا ورقة مساومة، وليس أولوية

وإذا تمكن الروس من السيطرة على خطوط في المنطقة العازلة وعلى محور جسر الشغور، هذا سيعني فصل مناطق ريف حماة الشمالي عن عمق إدلب، عن شمال اللاذقية، عدا عن مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، وبالتالي سهولة استعادتها.

لكن تحقيق تقدم كبير للنظام وروسيا ليس بالأمر السهل، بسبب المقاومة الشرسة للفصائل، رغم أنها تعاني من صعوبة تشكيل غرفة عمليات مشتركة، بسبب شروط هيئة تحرير الشام؛ فهي تريد أن تكون الغرفة بإمارتها، وأن تكون الفصائل الأخرى على الجبهات الأمامية، وألا تدخل إدلب عناصر من درع الفرات. الهيئة لا تريد القتال، بل تستثمر في التصعيد الأخير، وتريد استنزاف الفصائل القوية، خاصة جيش العزة والجبهة الوطنية.

وثالثا، تريد روسيا فتح الطرق الدولية وتأمينها من أجل إعادة الحياة الاقتصادية إلى حلب، والأمر الذي تعرقله هيئة تحرير الشام التي تشترط أن تكون لها حصة اقتصادية من فتح الطرق، بوصفها المفاوض الوحيد للمناطق المحررة.

ورابعا، هدف سياسي يتعلق بتوقيت التصعيد، كرد فعل روسي على التقارب التركي – الأميركي في المنطقة الأمنية شرقي الفرات، واقتراب تسيير دوريات تركية، ربما بمشاركة من التحالف، وذلك لخلق إرباك لتركيا.

تحشد تركيا الفصائل التابعة لها من أجل الاستيلاء على تل رفعت، وإخلائها من وحدات حماية الشعب الكردية، وعلى الحدود الجنوبية لها مع سوريا لتطبيق المنطقة الأمنية المتفق عليها، لكنها لا تقدّم الدعم للفصائل في ما يتعلق بإدلب، وتصمت في محاولة منها للتهدئة.

ويبدو أن ملف إدلب، وما تضمه من جهاديين، هو بالنسبة لتركيا ورقة مساومة، وليس أولوية، مقابل اهتمامها بأمنها القومي، ما يفسّر تلكؤها في تطبيق اتفاق سوتشي مع روسيا، وما يعني استثمارها في ملف الجهادية.

وحديث الغارديان عن صفقة روسية – تركية بشأن مقايضة تل رفعت بريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي يبرّر البرودة التركية في ما يحصل في إدلب. ويبدو أن الاتفاقات والصفقات التي عقدت بين روسيا وتركيا ستظل ناقصة، وتتحمل الاختراقات، وستبقى أوراقا للضغط بين الأطراف المتدخلة في الشأن السوري، إلى أن يتم تثبيت الحصص النهائية لهذه الأطراف، والاتفاق على الحل السياسي.

كما أن تقليص مناطق نفوذ المعارضة، والتهديد بحدوث كارثة إنسانية وأزمة نزوح سيشكل ضغطا على كل من تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، وسيزعج أميركا، وذلك لدفع هذه الأطراف للقبول بمسار اللجنة الدستورية الذي فرضته روسيا في مؤتمر سوتشي “للحوار الوطني” مطلع 2018، من أجل حل ملف اللاجئين، والسماح بتدفق أموال إعادة الإعمار.

4