أهداف مستحيلة بالبرنامج الاقتصادي الجديد لتركيا

أردوغان يوقع على برنامج اقتصادي يقدّم حلولا سطحية لمشكلات خطيرة.
الجمعة 2019/11/15
الارتباك سيد الموقف

نشرت تركيا في الجريدة الرسمية مؤخرا البرنامج الاقتصادي الجديد المثير للجدل، والذي وقعه الرئيس رجب طيب أردوغان والهادف إلى تنشيط اقتصاد البلاد المتعثر.

البرنامج الجديد من المفترض أن يعيد الاقتصاد إلى المسار الصحيح بعد عامين من الصعوبات، لكن الفحص الدقيق للخطة يكشف عن تناقضات داخلية وأهداف غير متسقة وحلول سطحية لمشكلات خطيرة.

كان صهر الرئيس، وزير الخزانة والمالية براءت البيرق، قد أعلن في نهاية سبتمبر عن البرنامج وأهدافه للسنوات الثلاث المقبلة، ووضع هدف نمو بنسبة خمسة في المئة لكل عام من تلك الأعوام.

ولكن في ظل انخفاض الطلب المحلي والاستهلاك والاستثمار خلال الأرباع الثلاثة الماضية من العام الحالي، ثمة تساؤلات بشأن كيف يأمل البيرق في تحويل مسار الاقتصاد فجأة.

بالنسبة لأردوغان، لا يبدو أن أيا من هذه القضايا يحظى بأي أهمية على الإطلاق. فقد رسمت تعليقاته على الاقتصاد هذا الأسبوع صورة وردية، تركز على انخفاض معدلات التضخم وفائض الحساب الجاري، قائلا إن “هذا حدث بفضل سياسته المتمثلة في تخفيض أسعار الفائدة”.

ولم يكتف بذلك، بل أكد أن هذا هو سبب ضرورة إقالة محافظ البنك المركزي السابق مراد تشيتن كايا في يوليو الماضي، بعد أن قاوم مطالب الحكومة بخفض أسعار الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس. مبررا خطوته بأنه “لم يكن يسمع فحسب”.

وبعد استبدال كايا بمحافظ أكثر مرونة، سيطرت كراهية أردوغان المعروفة للفائدة بشكل كبير على  المركزي، الذي خفض أسعار الفائدة من 24 بالمئة إلى 14 بالمئة في ثلاثة أشهر.

في ظل انخفاض الطلب المحلي والاستهلاك والاستثمار منذ بداية 2019، ثمة تساؤلات بشأن كيف تأمل أنقرة في تحويل مسار الاقتصاد فجأة

كما أعلنت الحكومة عن أرقام مثيرة للإعجاب للتضخم، الذي انخفض إلى 8.5 بالمئة في شهرين.

لكن أرقام الائتمان تخلفت عن الركب، وفقا لبيانات هيئة تنظيم البنوك في تركيا والتي أظهرت انخفاضا بنسبة 2.1 بالمئة في الائتمان منذ العام الماضي.

لقد هوت المبالغ التي حصلت عليها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تقود الإنتاج في تركيا، بنسبة 8.5 بالمئة.

وفي الوقت نفسه ازدادت القروض المتعثرة، حيث سجلت هيئة تنظيم البنوك قروضا متعثرة بنسبة 3.2 بالمئة من إجمالي القروض في نهاية سبتمبر.

وتظهر الأرقام أن القروض المتعثرة من الشركات الصغيرة والمتوسطة بلغت 9.2 بالمئة. وقد أفلست البعض من الشركات في البلاد أو تبحث عن حماية من الإفلاس.

الشركات الكبرى غير القادرة على سداد قروضها تصطف الآن لإبرام اتفاقات مع البنوك لإعادة هيكلة الديون. وينضم الآن إلى القائمة مطار إسطنبول الكبير، وهو اتحاد من خمس شركات إنشاءات لها صلات وثيقة بأردوغان تتولى مسؤولية مشروع المطار الجديد الضخم في المدينة.

وقد قام الكونسورتيوم باختيار مجموعة “دوم” ومقرها لندن لمساعدته في إعادة هيكلة ديون بقيمة خمسة مليارات يورو.

وبمعنى آخر، انخفضت أسعار الفائدة، لكن لا يزال الناس غير مستعدين للحصول على قروض كما أن البنوك غير مستعدة لتقديم القروض.

علاوة على ذلك، تتقبل الحكومة نفسها فكرة أن معدلات التضخم لن تبقى رقما في خانة الآحاد، وقد حددت هدفا بنسبة 12.6 بالمئة بحلول نهاية 2019 رغم أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يتوقعان بلوغه 15 بالمئة.

اصلاحات لا تكفي لسداد الديون
اصلاحات لا تكفي لسداد الديون

إن اتخاذ حكومة أردوغان قرارها بتحديد الزيادات في الأجور ليس بناء على معدل التضخم الفعلي، ولكن بناء على أهدافها. وهكذا، سيحصل ملايين الموظفين المدنيين في عام 2020 على زيادة في الرواتب بنسبة أربعة بالمئة، في حين سيحصل موظفون حكوميون آخرون على نسبة ثمانية بالمئة.

وعند النظر إلى البرنامج نجد أنه ربط الضرائب والرسوم بالتضخم، وقد حدد الحد الأدنى للزيادة في المستحقات العامة بنسبة 22.58 بالمئة.

لكن التناقض الحقيقي في البرنامج يأتي في تفسيره لإمكانية تحفيز نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة خمسة بالمئة في عام 2020 من خلال عودة الاستهلاك والاستثمار المؤجلين، ولاسيما من الطلب المحلي.

وبعبارة أخرى، يتوقع البرنامج أن يبدأ ملايين العمال، الذين تراجعت أجورهم نتيجة نسب التضخم، ناهيك عن ملايين الأشخاص، الذين يعملون في وظائف محفوفة بالمخاطر أو العاطلين عن العمل، فجأة في إنفاق الأموال في العام المقبل، بعد أن اضطروا إلى خفض الإنفاق هذا العام.

ومن المتوقع أن تزيد مدخرات العمال بنسبة 0.6 بالمئة مع زيادة استهلاكهم. وبينما لا يزال القطاع الخاص غير قادر على سداد ديونه، فيتوقع أن يزيد الاستثمار بنسبة 25.3 بالمئة.

وفي الوقت نفسه، تصب الترجيحات في أن يتقلص الاستهلاك العام والإنفاق الاستثماري وهو دائما الجزء الأكثر أهمية في النمو في أي فترة. ولن تتمكن المؤسسات العامة من الاستثمار إلا باستخدام أموال من مصادر خارجية.

الخطة الجديدة للحكومة تعتبر أن الأسر ذات الدخل المنخفض التي بقيت أجورها الحقيقية مستقرة ستبدأ في الادخار، مما يخلق مصدرا نقديا ضخما يُستخدم في صورة ائتمان رخيص. وسيؤدي ذلك إلى ازدهار الاستثمار في القطاع الخاص، وفي نهاية المطاف ستحقق تركيا نموا بنسبة خمسة بالمئة.

لكن الأرقام الواردة في السجل السنوي لأصول والتزامات القطاع الخاص هي في حد ذاتها نقض للبرنامج، الذي يضع أصول شركات القطاع غير المالي عند 120.4 مليار دولار، وتبلغ التزاماتها 304.4 مليار دولار.

وهذا يعني أن القطاع المتوقع لأن تزيد استثماراته بمقدار الربع سيحتاج في مرحلة أولى إلى العثور على مصادر ائتمانية جديدة لسد عجز بقيمة تقدر بنحو 184 مليار دولار.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحا يتمثل في ما هي الأعذار التي سيجدها أولئك الذين أقنعوا أردوغان بالتوقيع على فشلهم، عندما ينهار النموذج الاقتصادي الجديد في غضون ثلاثة أشهر.

10