أهذا دين أم طين؟

الخميس 2013/12/12

تبرير الجريمة أسوأ من الجريمة. هذا ما قلته للدّاعية السّعودي الشيخ الدويش في مناظرة جمعتني به خلال برنامج 30 دقيقة الذي تبثه قناة الحرّة.

وكان موضوع الحلقة حول جريمة اختطاف راهبات بلدة معلولا في سوريا من طرف جماعة إرهابية. فقد أذهلتني قدرة الشيخ على تهوين الجريمة حينا وتبريرها حينا آخر بدل إدانتها بالجملة واستنكارها ولو باللسان على أضعف الإيمان.

عدا المناظرة، كان الأمر بالنسبة لي مناسبة للتفكير، والذي وَددتُ لو أسميه التفكير المرِح، فربّما هذا ما أحاول فعله، التفكير المرح في مواجهة الجهل العابس.

في كل الأحوال، الفقهاء هم صنّاع الرّأي العام في تاريخ الإسلام –ونخشى أنّ الأمر لا يزال كذلك- هؤلاء الفقهاء استغلّوا نفوذهم الغوغائي في توجيه المزاج العام نحو تسويغ الجريمة حين يقترفها من يتكلمون أو يتصرّفون باسم الإسلام، حتى ولو كان المعتدى عليه من الصحابة أنفسهم في بعض الأحيان.

وعلى سبيل المثال، لا أحد أنكر واقعة قتل خالد بن الوليد للصحابي مالك بن النويرة وسبي زوجته بادعاء أنه رفض إعطاء الزّكاة، وهو ادعاء كذّبه الشيخان أبو بكر وعمر اللذان اكتفيا بتأنيب قائد جيش المسلمين خالد بن الوليد وتوبيخه في الأخير، ثم روّج الفقهاء أنّ خالدا هذا كان إذا أخذ المصحف فإنه يبكي ويقول "شغلني عنك الجهاد"! عجبا، فإنّ المصحف لم يكن قد تم تجميعه بعد. وأخيرا طغى المزاج الذي يزعم أنّ في الموضوع شبهة لن تمسّ بمكانة خالد بن الوليد (رضي الله عنه) حتى ولو أنه "أخطأ"! والله غفور رحيم!

وأيضا، معروف أنّ عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة مرّتين على الأقل، في إحداهما بسبب فساده المالي لما ولاّه على البحرين، وقد أدمى ظهره من شدّة السوط، ثم هدّده بالنّفي إن لم يكفّ عن رواية الحديث بعد أن أكثر في الرواية، ورغم كل ذلك التمس الفقهاء الأعذار لأبي هريرة ومرّة أخرى زعموا أنّ في الأمر شبهة لن تنال من مكانة أبي هريرة (رضي الله عنه) والذي ربّما "أخطأ"، وكل ابن آدم خطاء!

والسؤال، لماذا لا تظهر هذه القدرة المذهلة على التّسامح ولا يتم ترديد مقولة إن الله غفور رحيم إلاّ حين يتعلق الأمر بالجريمة، بالقتل، بالاغتصاب، بالاختطاف، بالسرقة، بالإرهاب، بتهريب الأسلحة، بنهب المال العام، إلخ؟ ولماذا لا يظهر مثل هذا التسامح حين يتعلق الأمر بقضايا حرية الاعتقاد، وهي قضايا لا تمسّ سلامة أحد؟

تقول الحكاية: صادف رجلٌ أعرابيا يبكي على قبر حُجر بن عُدي، فجرى بينهما الحوار التالي:

ما الذي يبكيك يا أخا العرب؟

أبكي على سيدنا حُجر بن عُدي رضي الله عنه.

وما بال سيدنا حجر بن عدي رضي الله عنه؟

قتله سيدنا معاوية رضي الله عنه.

ولِم قتله سيدنا معاوية رضي الله عنه؟

لأنّه امتنع عن سب سيدنا علي رضي الله عنه.

فأخذ الرّجل السائل يبكي هذه المرّة، ليسأله الأعرابي بدوره مندهشا:

وأنت ما الذي أبكاك!؟

أبكي عليك أنت رضي الله عنك؛ أهذا دينٌ أم طين؟

24