أهلا بالوحشة

الأربعاء 2015/11/11

لا أستطيع أن أفتح نافذتي في الدوحة لأنبح هذا الكون كله في هذا الليل يا جهاد. لا أستطيع وأنت تعلم. كنت أعرف أنه السرطان يقضمك قطعة قطعة، هنا بيت شعر لم تصله أنيابه، هنا ذكريات الفتى الذي نحب، هنا أنت. وكنت أعرف، أقصد أخمن أن الكون سيغدو موحشا حقا في غيابك، والآن والسواد يتمدد في ما تبقى من حياتنا ألمس تلك الوحشة وأخشاها، فلن نراك بعد اليوم يا صديقي عندما “نعود” إلى عمان، لن نصادفك في الشارع، لن نراك في بيوت الأصدقاء.

جهاد هديب، الموهبة الشعرية النادرة، الوحدة التي تختبئ خلف الضحكة القصيرة والسعال الأجش والاختباء في الكتب، يموت لأن شتاء جاء فمات فيه شاعر نعرفه، ونحن نعرف أكثر أنه لو صادف وكان هناك، في بلاد أخرى غير تلك التي نتمنى أن نفتح نوافذنا فيها في الليل لننبح، لأصبح أسطورة، فمن أين جاءك الحزن يا حبيبي؟

أنا أعرف ولا أقول، هل تذكر يا ابن مخيمي، يا شقيقي وأخي، ذلك الشتاء، وكنا بكينا معا واختبأنا من حزننا في الكتابة، وهربنا من حياتنا بالنسيان، ورفعنا في الليل إلى ربنا وإلهنا بكاء مريرا وذليلا ومتوسلا علّه يرانا وقد أصبحنا ندب على أربع في بلاد الناس. فتحت كتابك واختبأت فيه، يا جهاد. أنا أعرف، ثم أخذت تركض، ومثلك فعلت. أنا لا أرثيك بل أبكيك، فكم كان الكون ظالما، كم كانت الحياة بخيلة، كم كانت النسوة خائنات، وأنا أعرف أنك وجدته، ذلك الوطن العصي، تلك النافذة، ذلك الحصان، وكان الشعر الذي أرحت رأسك على كتفه لتنام ولتضحك ولتأسى.

آه يا جهاد كم هو جارح أن تموت، كم هو قاس، لكنها الحياة، كنت تقول، ثم تمضي كما لو أن استعارة فلتت من بين أصابعك وأخذت تركض وراءها. كنّا في “جفرا” أنا ونسرين، من الشرفة نظرنا فرأيناك، قالت نسرين إنه جهاد، فناديت عليك، كنت تقف قرب عمود الكهرباء، تنتظر شيئا ما، عاصفة ربما أو صديقا، فناديت عليك فجئت، طفلا صغيرا وصادقا وحبيبا وقريبا. أنت تعرف أن نسرين (زوجتي) تحبك، وزينب (شقيقتي الكبرى) تحبك وفاطمة (أمي) تحبك. أنت تعرف أنك جهادنا أيضا حين فقدنا جهاد، وأن ذلك البيت الذي كنت تأتيه مازال هو بيتك، والقلب هو قلبك، والحب هو حبك.

لا أستطيع أن أقول الكثير من أن أبكي، غير أني أريدك أن تعرف أنني أحبك كما تحب الأمهات، كما تحب الأرامل، كما يحب الله… دعني أنبح لا أبكي، أنا كلب البيت، كلب القصيدة، كلب الليالي وقد طالت أكثر مما يجب، ذلك أن الكون موحش حقا في غيابك، أين سنراك في قادم الأيام، في أي جمع ستلقي قصيدتك وأنت تفيض خجلا، وموهبة نادرة، أنت الذي أسرت حتى درويش (محمود) بضربات السكين في شعرك وهدوء العاصفة في شخصك.

لا أقول وداعا يا جهاد، لن أعترف بأنك لم تعد في البيت، والبيت بيتك، والنافذة نافذتك، والقلب قلبك إذ أسرته وفيه بكيت. لا أقول وداعا بل أهلا بالوحشة، وحشة سوداء بجناحين عظيمين يصطفقان دوما من بعدك أيها الحبيب الذي ما خان وما باع والكلاب تأكل لحمنا يا جهاد.

كاتب من فلسطين

14