أهلا بكم في سوريا

الأربعاء 2013/11/20

لا تمثّل هذه العبارة الترحيبية المكتوبة على الحدود السورية مع الدول الأخرى أي نوع من أنواع الدعاية، بل هي الآن تحديداً تبعث على الحزن، بعد أن كانت فيما مضى تبعث على الخوف، فور رؤية صور حافظ الأسد وولده، تختصر البلد الماكث على صفحة التاريخ منذ آلاف السنين.

تبدو صورة سوريا الجديدة مقلقة جداً وخاصة بعد أن انهمرت إحصائيات المنظمات الدولية حول الأرقام التي يحتاجها البلد لينهض من جديد، إذ إن المليارات المئة والستين والسنوات العشر هي بحق أرقام متفائلة نوعاً ما، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار استمرار الصراع التدميري الذي يشنه النظام وحلفاؤه على كل ما يتحرك، فقد أزهقت الحرب أرواح أكثر من مئة وخمسين ألفاً، وهو رقم مخفف نوعاً ما كما ينبئ واقع الحال، فالكثير من قصص الموت لم ترو بعد، والكثير من الأسماء لم تجد سبيلها إلى سجلات المنظمات الدولية المشغولة بالتوثيق، وكذا فإن مليوني لاجئ هم أولئك الذين سجلوا أسماءهم لدى مكاتب الأمم المتحدة في دول لجوئهم، ويمكن وبكل سهولة إضافة مليون آخرين لم يتم تسجيل أسماءهم، يضاف إلى ما تقدم مليونا بيت مدمر، وحقول وبساتين أتلفت، كل هذه المعطيات، لا ينقصها طبعاً عبث ديمغرافي منظّم عمد النظام إلى انتهاجه منذ اليوم الأول للثورة، فأدى دوره بإتقان شديد حين قام بترحيل وتهجير مناطق بأسرها، ونفّذ سياسة إحلال جماعات موالية له بدل تلك التي رحلت، وقد استورد، كما تؤكد الأخبار، العديد من العائلات الشيعية من العراق ولبنان ومنحهم الجنسية السورية فباتوا الآن سوريين، وهم ليسوا سوى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة. فهل كانت الحرية تستحق كل هذا؟

دأب السوريون منذ الأيام الأولى لحراكهم على استنباط النموذج الفرنسي الثوري الذي نقل فرنسا نقلة نوعية، وهم لم يرغبوا بأن يقلدوا لا النموذج السوفيتي، ولا الإيراني ربما لنفورهم من هذين النموذجين سلفاً، الأول لأنه أنتج ديكتاتورية ستالينية مقيتة، والثاني بسبب الكراهية لكلّ ما تمثّله إيران لدى غالبية السوريين الذين تعني ولاية الفقيه بالنسبة لهم نموذجاً سيئاً للديكتاتورية التي لا يريدونها. ولذلك فإن الذهاب بعيداً لتقليد النموذج الفرنسي، بكل ما يحمله من ثورة على كل شيء، جعل السوريين يدمرون وبسهولة لا النظام القائم فقط، بل وحتى معارضيه، فلم يسيروا وفق خطة رسمتها المعارضة وظلوا محافظين على شعبية الثورة وعدم تحولها إلى حراك سياسي، وسواء أكان ثمة اتفاق أم اختلاف على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لحل الأزمة، فإن ذلك الحل لا يجد آذاناً صاغية لدى ثوار الداخل الذين لا تغريهم لا إطلالات قادة المعارضة، ولا حتى إطلالات قادة العالم، بل إنهم حولوا تلك الإطلالات إلى نوع من المادة الساخرة وباتوا أكثر قناعة على أنهم وحدهم فقط القادرون على معرفة ما يمكن أن يفيد سوريا أكثر، وهم يعودون كل مرة إلى النقطة الأولى التي انطلقوا منها فالشعب يريد إسقاط النظام، وأي حديث يخالف ذلك هو مؤامرة مفضوحة تستهدف إجهاض الثورة.

ورغم أن الأرقام المذكورة أعلاه تثير الذعر، إلا أنها لم تؤثر على معنويات المقاتلين على الأرض، وهم يواصلون قتالهم لقوات النظام التي كشفت تقارير مؤكدة أنها لا تستعين بمقاتلين إيرانيين ولبنانيين وعراقيين فحسب، بل إن المقاتلين الروس قد انضموا إلى خليط المرتزقة، فيما يكتفي الثوار السوريون بأسلحتهم البسيطة وبغنائمهم التي تتزايد يوماً بعد يوم، وقد يبدو الحديث عن مؤتمر جنيف2 نوعاً من الفنتازيا أو ربما الرفاهية الزائدة التي لا يستطيع حملة البنادق ممارستها، ولا حتى أولئك الذين ينتظرون انهمار صواريخ سكود على قراهم المهدمة.

على الضفة الأخرى يبدو النظام مطمئناً، وهو يقدّم كل يوم عشرات البراهين على أنه قادر على الانتقال إلى «سوريا الجديدة»، فور توقف القتال، واستطراداً عندما تصدر الأوامر للمقاتلين من قبل الدول التي ترعاهم كي يلقوا أسلحتهم وينخرطوا في العملية السياسية، وكما دأب النظام على الكذب فإنه لا يريد الاعتراف بالكارثة التي تلوح من نوافذ القصر الجمهوري في حي المهاجرين الدمشقي، والذي يبدو كل ما عداه غارقاً في الخراب، بل إن رئيس حكومته لا يتورع عن دعوة المستثمرين الإيرانيين، تحديداً، للاستثمار في المجال السياحي، ولعل الكارثة بأسرها تكمن هنا، أي في الإنكار والكذب، فالبداية كانت جنوباً في درعا، ووقتها كان النظام يقول إن العصافير تزقزق فيها، واليوم ثمة مئة وستون مليار دولار وملايين أخرى من الموت والنزوح والتشرد، لكن النظام يقول: سوريا بخير.


كاتب سوري

9