أهلا بكم في غزة وناغورني قرة باغ لمشاهدة حروب المستقبل

نجاح بعض المحاولات التكنولوجية في الحروب الأخيرة وفشل بعضها الآخر.
الخميس 2021/06/24
خصم ضعيف بوسعه أن يصنع المفاجأة

قدمت حرب غزة الأخيرة وحرب ناغوري قرة باغ التي سبقتها دروسا لأقوى جيوش العالم، حيث أثبتت الفصائل الفلسطينية أنه باستطاعة صورايخ قصيرة المدى إصابة أهداف العدو وإرباك منظومته الدفاعية وتحقيق نتائج هائلة، فيما لعبت حرب الطائرات المسيرة دورًا كبيرًا في نزاع قرة باغ، ويستنتج الخبراء أن الدروس والعبر التي يجب استلهامها من هذه الحروب أنه بالإمكان العودة إلى الطراز القديم في القتال، كما لا يجب الرهان كثيرا على الهجمات الإلكترونية لتحقيق المكاسب.

واشنطن - تسببت الحرب في القوقاز الغير مرئية العام الماضي في مقتل حوالي 6 آلاف شخص، وإصابة عشرات الآلاف، وتشريد كثيرين آخرين. وبالمثل، أدت سلسلة من المعارك المكثفة بين القوات الأذرية الغازية وأرمينيا، في جبال منطقة ناغورني قرة باغ المتنازع عليها منذ فترة طويلة، إلى سحب الطائرات المقاتلة من تركيا وأنظمة الدفاع الصاروخي من روسيا.

كما انحرف القتال بشكل خطير بالقرب من خط أنابيب النفط الجديد المهم بين روسيا وأوروبا. وعندما انتهى الأمر، نجحت القوات الروسية في التوسط لعقد هدنة، وبدأت الحكومات في جميع أنحاء العالم في تعلم دروس صعبة.

الدروس لا تأتي فقط من حرب قرة باغ بل من غزة أيضا حين فاجأت الفصائل الفلسطينية الجيش الإسرائيلي بترسانة عسكرية متطورة بعد أن باغتته وأصابت الأهداف.

ففي مايو الماضي، تواجهت كل من إسرائيل وحماس في قتال عنيف استمر 20 يومًا. أطلقت حماس الآلاف من الصواريخ على إسرائيل، وأخضعت بنية الدفاع الصاروخي للقبة الحديدية لاختبار ضغط شديد، بينما استخدمت إسرائيل ضربات جوية دقيقة، مسترشدة، كما يقول الجيش الإسرائيلي، بالتقدم الكبير في علوم البيانات والصور والاستخبارات الجغرافية، والتحصيل الفني.

وحسب جيسون كرابتري الرئيس التنفيذي لشركة “كومبليكس”، وهي شركة تجارية للأمن السيبراني وتحليل المخاطر فإن هذه الصراعات القصيرة تقدم بعض الدروس المؤقتة حول مستقبل القتال لدول العالم القوية بشكل خاص، لاسيما في استخدام القوة الجوية، مثل مقاتلات أف 16 المعارة إلى أذربيجان من تركيا، وأسطول طائرات مسيرة جديد ضد جيش أرمني، وادعاء إسرائيل أنها تستطيع عبر استخدام الذكاء الاصطناعي دفع الاعتداء عليها.

ومن المحتمل أن يكون اعتماد أرمينيا على الصواريخ الباليستية الروسية وقاذفات الصواريخ وأنظمة الدفاع ومنصات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على رأس أولويات الناتو بسبب ما يعنيه ذلك للاستخدام الروسي في الصراع مع أوروبا.

جيسون كرابتري: حربا غزة وقرة باغ تقدمان بعض الدروس حول مستقبل القتال
جيسون كرابتري: حربا غزة وقرة باغ تقدمان بعض الدروس حول مستقبل القتال

والجدير بالذكر أنه على الرغم من أن كلا الجانبين استثمر بكثافة في عمليات المعلومات وكانت هناك بعض الدلائل على الحرب الإلكترونية، إلا أن الحرب كانت من الطراز القديم، ولا يوجد دليل عام حتى الآن على أن الهجمات الإلكترونية أو العمليات المعلوماتية أحدثت أي فرق كبير في تحديد النتيجة.

وفي محاولة للتدارك، تحولت إسرائيل إلى المدرسة القديمة، وعلى موقع تويتر، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه مستعد لغزو غزة من الأرض. في المقابل انطلق ضباط حماس العسكريون من مخابئهم، وانتقلوا إلى آخرين، وكلهم تحت أعين ساهرة وآذان مفتوحة للإشارات الإسرائيلية ومنصات الاستطلاع. تم تحديد الأهداف المتحركة على هذا النحو، وشرعت إسرائيل في الضرب بلا هوادة. تضرر نظام الأنفاق تحت الأرض التابع لحماس، على الرغم من أنه من السابق لأوانه تقييم مدى مرونة بنية دفاع حماس.

ومنذ آخر صراع على طول خط النزاع المتنازع عليه في عام 2016، عززت أرمينيا وجودها العسكري إلى حد كبير. لكن استراتيجية التشكيل لأذربيجان قللت بشكل كبير من مدى ونطاق النيران الأرمنية.

ويبدو أن حرب الطائرات المسيرة لعبت دورًا كبيرًا في مواجهة أرمينيا، حيث تم إرسال أسراب من المركبات الجوية المسيرة وغير المكلفة إلى حد ما قبل الهجمات ووجهت نيرانًا مضادة للطائرات.

ويقدر أحد المحللين، باستخدام صور مفتوحة المصدر، أن ما يصل إلى 175 قطعة من المعدات العسكرية، معظمها قاذفات صواريخ متوسطة المدى روسية الصنع، فقدت ببساطة لأن مواقعها تم تحديده بواسطة أسراب الطائرات المسيرة. وعلى نفس القدر من الأهمية، استخدمت أذربيجان نوعًا مختلفًا من الطائرات المسيرة التركية للكشف عن أفواج صواريخ أرض -جو التي انتشرت في جميع أنحاء المناطق الجبلية، تليها طائرات مسيرة إسرائيلية الصنع لتدميرها، مما تصدى بشكل فعال لأهداف الدفاعات الجوية للعدو.

ويلاحظ هؤلاء أنه لم يحدث من قبل في الحروب أن تم استخدام مناورة البحث والتدمير بطائرتين مسيرتين بهذه الطريقة الناجحة.

وفيما لن يركز الناتو كثيرًا على هذا الدرس، حيث إن استراتيجية الدفاع الجوي لأرمينيا وافتقارها إلى بنية دفاع جوي مشتركة جعلت مهمة أذربيجان سهلة بشكل نسبي، إلا أنه من المتوقع أن تكون روسيا قد استفادت كذلك من قمع الدفاعات الجوية للعدو في الأراضي الروسية. لكن تايوان، من بين دول أخرى، ستدرس حرب الطائرات المسيرة غير المتكافئة في سياق الدفاع عن الجزيرة ضد الغزو الساحلي من الصين، وعلى وجه الخصوص، منع الصين من إنشاء رأس جسر فعلي، في حين ستجد الصين أيضًا بلا شك مبررًا لتعزيز استثماراتها في تطبيقات الطائرات المضادة للطائرات المسيرة، ودمجها مع قواتها البحرية والساحلية.

الحروب الأخيرة كانت من الطراز القديم، ولا يوجد دليل على أن الهجمات الإلكترونية أحدثت أي فرق كبير في تحديد النتيجة

وشكلت الطائرات المسيرة في حرب ناغورني قرة باغ وقودا للمعركة. ووفقًا للعديد من المحللين، استخدمت أذربيجان بشكل فعال مفارز صغيرة من نوع القوات الخاصة، واستدعت بسرعة القوة الجوية عند الضرورة. كان هذا تكتيكًا مستعارًا من الغزو الأميركي المبكر لأفغانستان، عندما اعتمد نجاح اشتباك معين على قدرة وحدات التحكم الجوي القتالية على الدعوة إلى إطلاق نيران جوية بشكل شبه فوري.

وأحرزت أذربيجان تقدما على طول خط الصراع باستخدام الغارات الموجهة، في الكثير من الأحيان في الليل. وعندما كانت تقنيات القمع الجوي الأرمنية مرهقة للغاية، كانت القوات الأذرية تستدعي ضربات من صواريخها الباليستية لورا الإسرائيلية الصنع، والمحمية بأمان في الأراضي الأذرية ولكنها تصل أهدافها بدقة في حدود 120 قدمًا من هدفها على بعد مئات الأميال.

لكن غاب في المقابل مصطلح “الحرب الإلكترونية” عن ساحات القتال هذه. وفي خضم الصراع، تم الكشف عن المحاولة الأكثر وضوحًا للاستغلال السيبراني من حيث التدخل الأرمني في رسائل البريد الإلكتروني للمسؤولين السياسيين الأذريين. لكن كان لهذه المحاولة تأثير ضئيل، إن وجد، على القتال ولم يخدم أي غرض رادع. ردت أذربيجان بإغلاق بعض المواقع الأرمنية. والأهم من ذلك، لأن أذربيجان خططت لبدء الصراع، فقد قطعت الوصول إلى الإنترنت في المناطق القريبة من منطقة الصراع على كلا الجانبين، وحرمت المدنيين من الوصول إلى المعلومات الهامة مع إحباط أي محاولات عملياتية أرمنية.

وفيما ينشط المجتمع الأرمني بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي وينظم احتجاجات عالمية ضد الغزو. لكن من المحتمل أن يكون تأثير نشاطه ضئيلا بسبب الوباء والانتخابات الأميركية.

وقد استخدم كلا الجانبين حساب تويتر الحكومي الرسمي لاتهام الطرف الآخر بارتكاب جرائم حرب أو استهداف المدنيين. ومرة أخرى، أدى عدم وجود تركيز إعلامي عالمي على الصراع إلى صعوبة فصل الحقيقة عن الادعاءات، أو حتى لفت الانتباه.

Thumbnail

وفيما أشارت البي.بي.سي البريطانية إلى عدة مزاعم مضللة ومبالغ فيها من كلا الجانبين. تنتشر لقطات من ضربات صاروخية أو من طائرات مسيرة، عبر شبكات وسائل التواصل الاجتماعي حتى “تيك توك”.

وفي تقدير كرابتري فإن أكبر درس يتمثل بأهمية التوقيت خاصة عندما يتعلق الأمر بالطموحات الانتقامية. وأوضح قائلا “قد يكون الوباء أو أي أزمة عالمية أخرى تشغل عقول الناس هو الوقت المناسب لشن غزو”.

ويستحضر كرابتري كيف فشلت روسيا في الحصول على معلومات استخباراتية حول تبني أذربيجان للحرب الهجينة، ويعتقد أنه من الصعب للغاية التحكم في رواية الحرب عندما تكون الكيانات الجيوسياسية القوية قادرة على التركيز، وبرأيه هذا أحد الأسباب التي جعلت الأذريين قادرين على تحقيق النصر دون أن تجد أرمينيا نطاقًا تردديًا كافيًا لمواجهة هذا الادعاء.

أما في إسرائيل، فقد أصبح الوضع السياسي أكثر تعقيدًا منذ وقف إطلاق النار، مع عدم وجود إحساس واضح بمن الفائز أو الخاسر. وكانت وسائل الإعلام الحكومية في تل أبيب قد أعلنت أنها استخدمت علم البيانات لمحاولة تقليل الخسائر وتعظيم الآثار.

ومن مركز تنسيق تحت الأرض، كانت الخوارزميات تمر عبر رزم من بيانات الاستخبارات لجميع المصادر التي تم جمعها في المواقع المستهدفة، مما يشير إلى أنماط غير عادية من السلوك للمراقبين القتاليين، الذين قاموا بعد ذلك بنقل هذه الحالات الشاذة إلى الطيارين المقاتلين.

وتقول إسرائيل أيضًا إن تقييمات الأضرار وتتبع الهدف المتحرك في الوقت الحقيقي لمواقع إطلاق المدفعية تم إدخالهما في القبة الحديدية، مما سمح لإسرائيل دقائق لتوجيه نظامها لاعتراض صواريخ حماس. كما تشير إسرائيل إلى إنها اكتشفت، من خلال المعلومات الاستخباراتية، أن حماس كانت تستخدم برج مكاتب لمحاولة التشويش على القبة الحديدية، وبالطبع، سيقع التأكد من صحة هذه الادعاءات حتى يتعلم العالم المزيد من هذا الصراع.

ويخلص كرابتري إلى أن بعض الدروس تبدو واضحة، ففيما لم تتوقع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كمية الذخائر التي تمكنت حماس من تهريبها أو تصنيعها في السنوات السبع منذ صراعها الأخير. أثبتت القبة الحديدية، رغم أنها ليست مثالية، فعاليتها بشكل لا يصدق في حماية السكان الإسرائيليين من مدفعية حماس، كما أثبت نظام الدفاع الصاروخي قصير المدى نجاحه كذلك.

7